فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / تونس / المجتمع والإعلام والثقافة / المجتمع / المرأة

المرأة

نساء في مظاهرة تم تنظيمها على الفيسبوك لتعزيز حرية الرأي والتعبير، بعد رفض الإسلاميين الراديكاليين بث فيلم برسبوليس الإيراني على قناة نسمة / Photo HH

منح المذهب المالكي الإسلامي تونس إرثاً فريداً على صعيد حقوق المرأة. فعلى سبيل المثال، كانت ظاهرة تعدد الزوجات شبه معدومة قبل حظرها رسمياً من قبل بورقيبة بفترة طويلة. في مدينة القيروان، تمت إضافة بند إلى معظم عقود الزواج يفرض على “الزوج أن يعد زوجته طوعاً بالالتزام بحظر تعدد الزوجات وفق أعراف مدينة القيروان”، المدينة ذات التقليد الطويل في الزواج الأحادي. ومع أن هذا البند ينص على وعد “طوعي” يقطعه الزوج، إلا أنه يعتبر في الواقع ملزماً. كما تم تعزيز وضع المرأة أكثر بموجب بند آخر يمنح الزوجة الأولى حق رفض الزوجة الثانية وطلب الطلاق في حال أخل الزوج ببند الزواج الأحادي. وتظهر أهمية بنود الزواج الأحادي من واقع أن المرأة التي ترفع دعوى قضائية ضد زوجها بسبب الإخلال بهذا البند تحصل على الدعم من قبل السلطة القضائية المعنية.

بينما عززت مثل هذه الأعراف والتقاليد دور المرأة في المجتمع التونسي، إلا أن الأعراف والتقاليد الدينية أثرت سلباً على المشاركة الفعالة للمرأة في المجتمع. حاول بعض المفكرين المعاصرين، مثل طاهر الحداد، تحدي هذا “الفكر المحافظ” في أوائل القرن العشرين. عام 1929، نشر الحداد عدة مقالات في صحيفة الصواب للمناداة بتحرير المرأة على الصعيدين القضائي والاجتماعي. وعام 1930، قام بنشر كتاب بعنوان “امرأتنا في الشريعة والمجتمع”، وقد سبّب هذا الأخير صدمة لعدد كبير من المسلمين المحافظين في تونس. اعتبر الحداد أن حقوق المرأة هي عطية من الله، ودافع عن الممارسات المبتكرة في مجالي الزواج والميراث لتعزيز مكانة المرأة في المجتمع. لكن منشوراته واجهت انتقادات شديدة وأهاجت مجتمع الأغلبية والعلماء الإسلاميين، فأجبر على ترك دراسته في كلية الحقوق في تونس، واضطر في النهاية إلى الذهاب إلى المنفى. ومع بداية حراك تونس للحصول على استقلالها عن فرنسا، أصبحت بعض النساء التونسيات أكثر نشاطاً في المجتمع، مع أن معظمهن بقين غير متعلمات وواصلن أداء الأدوار التقليدية التي تقوم بها الزوجة و/أو الابنة. بدأت بعض العائلات الحضرية بتعليم بناتهن، اللواتي قمن بتشكيل منظمات نسائية، مع أن تلك المنظمات غالباً ما كانت في ذلك الوقت عبارة عن نوادٍ محصورة بنخبة النساء في البلاد.

في عهد الحبيب بورقيبة وبن علي بعد حصول تونس على استقلالها عن فرنسا، أصدر الحبيب بورقيبة، أول رئيس في تونس، مجموعة من القوانين لتعزيز دور المرأة في المجتمع. أدرك الحبيب بورقيبة أهمية تحديث وعلمنة الشعب التونسي، فسعى إلى دمج المرأة في الحياة الاجتماعية والمهنية. ولتحقيق هذه الغاية، قام بتفكيك المؤسسات الدينية في تونس، مثل جامع الزيتونة الذي كان حتى ذلك الوقت يفرض الإرشادات العامة على نظام التعليم في البلاد. فأنشأ نظام تعليم حديث متيسر لكلا الجنسين، مما يفسر جزئياً سبب وجود أكثر من 90% من النساء المتعلمات بين 15-24 من العمر.

عام 1956، أصدر بورقيبة مجلة الأحوال الشخصية في تونس، وهي عبارة عن مجموعة من القوانين والمبادئ التي تعزز حقوق المرأة. والأهم من ذلك، حظرت هذه المجلة رسمياً، وللمرة الأولى، تعدد الزوجات والطلاق، وحددت السن الأدنى للزواج، وخولت المرأة حق طلب الطلاق، كما فرضت موافقة الرجل والمرأة كشرط أساسي للزواج. ومع أن الدستور التونسي يكرّس مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة، إلا أن مجلة الأحوال الشخصية لا تزال تنص على أن الزوج هو رأس العائلة. كما تقوّض بعض الأحكام، مثل تحريم زواج المسلمة بغير المسلم وعدم التساوي في حق الميراث، المساواة الكاملة بين المرأة والرجل في تونس. لم توقع تونس على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.

في عهد زين العابدين بن علي، تم إنشاء عدة منظمات علمانية للنساء. تمكنت هذه المنظمات نوعاً ما من تعزيز حقوق المرأة في تونس. عام 1993 على سبيل المثال، ضغطت هذه المنظمات بنجاح لإدراج بند في مجلة الأحوال الشخصية يحرر المرأة من واجب طاعة زوجها. عام 2007، وضع بن علي قانونين موضع التنفيذ لتعزيز حق المسكن للأمهات اللواتي لهن حق الوصاية على أولادهن ورفع السن الأدنى للزواج إلى ثمانية عشرة عاماً للذكور والإناث.

بينما رحب الغرب بتعزيز حقوق المرأة، كانت العديد من السياسات الجنسانية للنظام تمييزية ضد المسلمين المحافظين. فعلى سبيل المثال، تم تشريع سياسات منع الحجاب جزئياً في عهد بن علي، وذلك من خلال منظمات المرأة العلمانية؛ فقام عدد من هذه المنظمات بربط الحجاب بالتخلف وتعنيف المحجبات بشكل علني. وغالباً ما قام عناصر الشرطة بنزع الحجاب عن محجبات علناً، كما حظر القانون رقم 108 الحجاب في الدوائر الحكومية والمؤسسات التعليمية. وبالتالي، تم استثناء النساء المحافظات دينياً من منافع السياسات الجنسانية الأخيرة.

نظراً إلى استمرارية القيم المحافِظة وانعدام المساواة الكاملة بين الجنسين، يؤدي العديد من النساء الأدوار التقليدية مع أنهن متعلمات. وبالتالي، بينما تشكّل الإناث نسبة 60% تقريباً من الطلاب المسجلين في نظام التعليم العالي، إلا أنهن لا يشكلن سوى 27% في القوى العاملة. يشير ذلك إلى أن ضغوط أداء الدور التقليدي للزوجة أو الأم لا تزال تمنع العديد من النساء من العمل. كما تجعل بعض الأنظمة الحكومية الأمر أكثر صعوبة على المرأة لإيجاد عمل؛ فعلى سبيل المثال، تحصل الأمهات العاملات في القطاع الصناعي الخاص على إجازة أمومة مدتها 30 يوماً فقط، مما يزيد من صعوبة الجمع بين العمل والأسرة.

بعد الثورة، ومع ارتقاء حزب حركة النهضة الإسلامية المعتدل، تخوف الكثير من النساء العلمانيات من تعرض إنجازاتهن والحقوق التي حصلن عليها في عهد النظامين السابقين للخطر. وتحققت تلك المخاوف عندما اقترح الحزب الحاكم مادةً في الدستور تنص على أن “تضمن الدولة حماية حقوق المرأة وتعزيز مكاسبها [السابقة] باعتبارها شريكاً أساسياً للرجل في بناء الوطن، ويكمّل دورهما بعضهما بعضاً ضمن الأسرة”. ومن شأن بند التكامل بين الرجل والمرأة هذا إضعاف المراجع السابقة، خاصة تلك الواردة في مجلة الأحوال الشخصية، والتي تنص على المساواة بين الرجل والمرأة، نظراً إلى أن مجلة الأحوال الشخصية خاضعة للدستور. والمعنى الدقيق لمصطلح “التكامل” هو أيضاً رهن التفسير، وبالتالي التطبيق العشوائي. ومن وجهة نظر علمانية، من شأن هذه المادة أن تهدد وضع المرأة ودورها في الأسرة والمجتمع.

يبرر الإسلاميون المعتدلون في حزب حركة النهضة، بمن فيهم النساء، الإشارة إلى “التكامل”، قائلين إن هذا لا يعني أن المرأة أدنى مستوى من الرجل وإنما مختلفان، وبالتالي تختلف أدوارهما في الحياة. ووفق حزب النهضة، الرجل والمرأة متساويان في الكرامة، لكن لا يجب أن يكونا متمتعين بالحقوق عينها في كل مجالات الحياة، كما هو الحال في المجتمعات الغربية: يجب أن يتمتع الرجل بحقوق أكثر في بعض المجالات والمرأة في مجالات أخرى. يعتبر حزب النهضة أنه على الرغم من أن مسؤولية المرأة الأساسية هي الاهتمام بالأسرة، إلا أنه بإمكانها أن تكون ناشطة في المجتمع والسياسة. تم تعيين امرأة في منصب نائب رئيس المجلس الوطني التأسيسي، أعلى منصب شغلته امرأة في العالم العربي.

يميز حزب حركة النهضة نفسه عن الأقليات الدينية السلفية الأكثر تحفظاً في تونس، والتي تدعو إلى الفصل الكامل بين الرجل والمرأة في الحياة العامة وتعترض على العديد من جوانب مجلة الأحوال الشخصية، مثل حظر تعدد الزوجات وتساوي الأدوار التي تحددها للرجل والمرأة.

© Copyright Notice

Please contact us in case of omissions concerning copyright-protected work. The acquired copyright protected images used on/as featured image of this page are: ©Hollandse Hoogte | ©Hollandse Hoogte

الجهل يقود إلى الخوف، الخوف يقود إلى الكراهية، والكراهية تقود إلى العنف هذه هي المعادلة.
ابن رشد (١١٢٦ – ١١٩٨)

إن مؤسستنا منظمةٌ هولندية غير حكومية لا تسعى لتحقيق الأرباح. هذه المؤسسة يجري تمويلها بصورةٍ حصرية عبر أفرادٍ يشاركوننا الإيمان بضرورة نشر معلومات موثوقة وغير متحيزة عن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، محاكين بذلك المزاج الشعبي السائد في المنطقة ولنعبّر عن صوت أبناء المنطقة بما نقدمه من معلومات ناجعة وتتحلى بالمصداقية.

ولذلك، فإننا نقدّر عالياً ما تقدمه لنا من دعمٍ وسنحرص على أن يعكس هذا الدعم بطريقةٍ إيجابية على الصالح العام!

ملف التحديث الإقليمي COVID-19

احصل على آخر تحديث عن تفشي فيروس كورونا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

تطورات فيروس كورونا