الصفحة الرئيسية / تركيا / وُجوه / أحمد سيك: يُعاقب على قول الحقيقة

أحمد سيك: يُعاقب على قول الحقيقة

turkey- Ahmet Şık
أحمد سيك. Photo Wiipedia

لا يزال أحمد سيك، وهو أحد أشهر وأجرأ الصحفيين في تركيا، محتجزاً رهن المحاكمة منذ ديسمبر 2016. فقد سطع نجمه بعد إعداده تقارير عن انتهاكات الدولة في شرق تركيا، حيث يشارك الجيش في عملياتٍ عنيفة لمكافحة التمرد تهدف إلى سحق حزب العمال الكردستاني. ويُتهم اليوم بنشر دعايةٍ إرهابية لصالح رجل الدين المنفي، فتح الله غولن، الذي يتهمه حزب العدالة والتنمية الحاكم بتدبير الإنقلاب الفاشل في 15 يوليو 2016.

ومنذ ذلك اليوم، شهدت البلاد تحولاً كبيراً. فقد غيّر رئيس البلاد، رجب طيب أردوغان، الدستور من نظامٍ برلماني إلى نظامٍ رئاسي، مما منحه السلطة المطلقة على السلطة القضائية والفرعين التشريعي والتنفيذي للحكومة. كما استخدم محاولة الانقلاب الفاشل كذريعة لفرض حالة الطوارىء في البلاد، مما مكنه من تطهير البلاد من المعارضة من خلال تصوير جميع خصومه باعتبارهم أعضاء في “منظمة فتح الله غولن الإرهابية.”

لم يسلم سيك بالرغم من سخافة التهم. ففي عام 2011، قام بنشر كتاب جيش الإمام، وهو كتابٌ كشف فيه كيف تسلل غولن وأتباعه في مؤسسات الدولة، بما في ذلك جهاز الشرطة.

فقد كان غولن وأردوغان حليفين وثيقين في ذلك الوقت. ومعاً، شنا حملة قمعٍ عنيفة على منظمة سرية مزعومة أخرى تعرف باسم إرغينيكون. أدين أكثر من 330 من الضباط العسكريين البارزين في عام 2012 بالتآمر للإطاحة بالحكومة. وادعى بعض النقاد أن المحاكمة كانت انتصاراً للديمقراطية، في حين شكك آخرون في أنها شكلت ذريعة لسجن حزب العدالة والتنمية لخصومه.

وبالنظر إلى الماضي قليلاً، يبدو أن الفرضية الثانية هي الصحيحة. فقد اتهم سيك، على سبيل المثال، بكونه أحد أعضاء منظمة إرغينيكون بعد نشره تحقيقاتٍ تخص حركة غولن. وبالرغم من عدم إدانته، إلا أنه أمضى 375 يوماً خلف القضبان.

وأشار دكستر فيلكنز، وهو صحفي في صحيفة نيو يوركر، إلى أنه في حين تمكنت حركة غولن من القبض على سيك، إلا أنهم لم يتمكنوا من حظر كتابه تماماً. فبعد فترةٍ وجيزة من اعتقاله، ظهر الكتاب على شبكة الانترنت، وعليه، اجتمع مجموعة من أصدقاء وزملاء سيك لطباعة الكتاب، وبيعت نسخه في معرض اسطنبول للكتاب في نوفمبر 2011.

بدأت علاقة أردوغان وغولن بالتداعي بحلول عام 2013، حيث بدأ اشتباكهما مع محاربة كلٍ منهما للآخر سعياً وراء السلطة على حساب الآخر. وبعد أكثر من ثلاث سنوات، ألقي القبض على سيك مجدداً لنشره تحقيقاً في صحيفة جمهوريت، وهي صحيفة معروفة منذ زمنٍ طويل بموقفها المعارض. وفي 30 ديسمبر 2016، اتهم رسمياً بنشر الدعاية لصالح منظمة فتح الله غولن الإرهابية، وهو التنظيم ذاته الذي عمل دون كللٍ أو ملل لفضحه.

لم يشكل اعتقاله مفاجأة، بالرغم من أن التهم أكثر غرابة مما وجه إليه في محاكمة قضية إرغينيكون، وفقاً لما تقوله مجموعات حقوقية تركية ودولية. فقد كان سيك، وزملائه في صحيفة جمهوريت، قد تلقوا بالفعل تهديداتٍ من مؤيدي حزب العدالة والتنمية المتشددين، محذرينهم بالتوقف عن التحقيق في العلاقات بين جهاز المخابرات الوطني التركي والفصائل الجهادية في سوريا، إلا أنهم لم يفعلوا ذلك بالطبع.

بل وبجرأة أكبر، كتب سيك سلسلة من المقالات الاستقصائية تناقض الرواية الحكومية لمحاولة الإنقلاب، التي ادعت أن العملية برمتها مؤامرةٌ لغولن فحسب. بدلاً من ذلك، كتب سيك أن تنفيذ المهمة جاء بتحالفٍ بجهدٍ مشترك بين أتباع غولن، والكماليين، والقومين المتطرفين. بل واشتبه أيضاً أن جهاز المخابرات الوطني التركي كان قد عقد صفقةً مع الكماليين والقوميين المتشددين، مما أوقف العملية برمتها. وقال سيك في بيانه الدفاعي في وقتٍ لاحق “تم سحق إنقلاب عسكري، إلا أن مجلساً عسكرياً تولى السلطة.”

وعلى صعيدٍ متصل، بذلت زوجة سيك، يونكا فيرديوغلو، قصارى جهدها لإطلاق سراح زوجها، الذي التقت به في تسعينيات القرن الماضي، عندما كان سيك يعمل لصالح صحيفة يومية ليبرالية وكانت فيرديوغلو تعمل في إحدى منظمات حقوق الإنسان. كان الزوجان يتشاطران وجهات نظرٍ سياسية مماثلة: فقد كانا مستائين من الوضع السياسي، وأرادا أن تصبح تركيا دولةً ديمقراطية علمانية شفافة.

تراجعت هذه الطموحات بشكلٍ كبير عندما تعرض الصديق المقرب وزميل سيك، الصحفي متين غوكتيب، للاعتقال والتعذيب على أيدي الشرطة عام 1996. فقد ألقت الشرطة القبض عليه أثناء التقاطه صوراً لجنازة اثنين من السجناء السياسيين اللذين قتلا في شغبٍ في السجن. وعليه، توفي الصحفي في السجن. في البداية، أنكرت الشرطة ضلوعها بوفاته، مدعين سقوطه من أعلى المبنى. إلا أن سيك وغيره من الصحفيين حققوا في الواقعة، وساهموا في إثبات تعرض صديقهم للقتل.

دفعت وفاة غوكتيب سيك للمساعدة في تشكيل اتحادٍ للصحافة المستقلة، التي من شأنها أن تلعب دوراً هاماً في القتال من أجل الحقوق المدنية ومساءلة الدولة. وأشار ماكسيميليان بوب، الذي كتب قصة عن سيك في مجلة دير شبيغل الألمانية، إلى أن بعض معارضي سيك، في وقتٍ لاحق، استفادوا من نشاطه المبكر. فقد كان أردوغان بالطبع، أبرز هذه الشخصيات، الذي استفاد بدوره من الضغط المدني على الجيش، الذي أطاح بثلاث حكوماتٍ منتخبة في الماضي. كما سحب أردوغان في نهاية المطاف السلطة من أيدي الجيش من خلال محاكمة إرغينيكون، مما مكنه تدريجياً من تغيير وجه البلاد.

ومن نواحٍ كثيرة، فإن معركة فيرديوغلو لإطلاق سراح سيك ما هي إلا معركة لاستعادة مظاهر الديمقراطية في تركيا. ومرةً أخرى، فالديمقراطية في أنقى صورها – الانتخابات الحرة وسيادة القانون والتوزيع العادل للسلطة – لم تكن قائمةً هناك قط، كما يُزعم.

ومع ذلك، شعرت فيرديوغلو أن عليها نقل الصورة التي تعرفها عن زوجها إلى العالم. بل إنها تعاونت مع أصدقاء وزملاء زوجها لإصدار شريط فيديو يستعرض مشواره المهني. كان الهدف من الفيديو تعريف الجماهير كيف أدى سيك عمله. ويقول كان أتالاي، أحد أوائل المشاركين في احتجاجات حديقة جيزي عام 2013 لمجلة دير شبيغل، “لم يسمح أحمد قط بأن يفسده أحد، سواء بالسلطة أو بالمال.”

ويبدو أنه حتى السجن لا يستطيع مساومة أحمد على مثالياته. ففي بيان المحكمة الافتتاحية، الذي قدمه في 26 يوليو 2017، انتقد أردوغان لاضطهاده أولئك الذين يعتّدون بأفكارهم الشخصية. ثم أعلن أن الصحافة ليست جريمة، أياً كان ما يقوله حكام الأنظمة الشمولية وأجهزتهم القضائية والمتعاونين.

وقال أمام قاعة المحكمة “كنت صحفياً أمس، وأنا كذلك اليوم، وسأبقى صحفياً غداً.” وأضاف “لذلك، فإن الصراع الذي لا هوادة فيه بين [الصحفيين] وأولئك الذين يريدون قمع الحقيقة مستمر.”

image_pdfimage_print