فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / تركيا / من الماضي الى الحاضر / تركيا والإرهاب: بين المطرقة والسندان

تركيا والإرهاب: بين المطرقة والسندان

الإرهاب في تركيا  إطلاقه النار على السفير الروسي
مسلح يهتف بشعاراتٍ إسلامية بعد إطلاقه النار على السفير الروسي إلى تركيا أثناء حضوره معرضاً فنياً في أنقرة، تركيا، 20 ديسمبر 2016. Photo Xinhua Xinhua / eyevine

لقيّ السفير الروسي في تركيا، أندريه كارلوف، مصرعه رمياً بالرصاص في 19 ديسمبر 2016 على يد شرطي تركي، خارج الخدمة، أثناء ترديده عباراتٍ إسلامية وهتافه “لا تنسوا حلب،” فيما وصفته روسيا بالعمل الإرهابي. يطرح إطلاق النار، وهي الحادثة الأخيرة في موجة العنف التي اجتاحت تركيا في السنوات الأخيرة، أسئلة صعبة على حكومةٍ عازمةً على إظهار أنها أكثر من مجرد ندٍ للتهديد الإرهابي. فتركيا، الغارقة ما بين الإسلاميين والأكراد والإرهاب اليساري المتطرف، عانت من 18 هجمة إرهابية منذ يونيو 2015، مما أسفر عن مقتل أكثر من 275 جندي وشرطي ومدني. وخلافاً لهذه الهجمات، يبدو أن عملية اغتيال السفير الروسي كانت عملية منفردة على يد مسلحٍ لا يتبع أي فصيل، ويعتريه الغضب من مشاركة روسيا في الحرب الأهلية السورية. وفي حين أن تركيا ليست غريبةً عن الإرهاب، إلا أن الحرب في سوريا كانت محور كلٍ من التهديد ورد الفعل.

ظل الراية السوداء

منذ ظهور تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” عام 2014، فُتحت جبهة جديدة في حرب تركيا ضد الإرهاب. وعلى الرغم من وجود أدلةٍ على تواطؤ الدولة التركية مع “داعش” أو على الأقل تساهلها تجاه أنشطة التنظيم داخل سوريا، كانت أنقرة عنصراً أساسياً في الحرب ضد التنظيم. فطائرات التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية تنطلق من قاعدة انجرليك الجوية جنوب تركيا، فضلاً عن الجهود التي بذلتها تركيا في السنوات الأخيرة لوقف مدّ آلاف المقاتلين الأجانب الذين ينتقلون عبر البلاد للقتال في سوريا. ولكن مع تنامي الضغوطات ضد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش،” باتت تركيا ترزح تحت تهديد أكبر لهجماتٍ إنتقامية. ففي ديسمبر 2016، أصدر المتحدث الرسمي الجديد باسم “داعش،” أبو حسن المهاجر، تعليماتٍ لمؤيدي التنظيم بمهاجمة “الحكومة التركية العلمانية المرتدة في جميع المواقع الأمنية والعسكرية والاقتصادية والإعلامية وحتى في جميع السفارات والقنصليات التي تمثلها في جميع دول العالم.”

فقد استهدفت هجمات “داعش” المدنيين بشكلٍ كبير، سيما في جنوب شرق تركيا بالقرب من الحدود السورية ذات الأغلبية الكردية، حيث تعرض حفل زفافٍ لهجومٍ إنتحاري من قِبل طفل في أغسطس 2016. كما نُفذ الهجوم الأكثر دموية في تاريخ تركيا في السنوات الأخيرة من قِبل مسلحي “داعش” ضد مسيرةٍ كردية للسلام في أنقرة في أكتوبر 2015، مما أسفر عن مقتل 103 مدني، في حين خلّف الهجوم السافر على مطار إسطنبول في يونيو الماضي، على وجه الخصوص، 45 قتيلاً.

ونظراً لأهمية صناعة السياحة في الاقتصاد التركي، وقرب الشواطىء السياحية على طول الساحل الجنوبي للبلاد من الحدود السورية، يعتبر شن هجوماتٍ مماثلة لتلك التي حصلت في كلٍ من تونس والأردن والتي استهدفت وجهاتٍ لقضاء عطلة الصيف، من بين أكبر المخاوف التي تواجهها السلطات. وحتى الآن، استهدفت قلة قليلة من الهجمات مواقع سياحية، ولكن مع وجود ملايين السياح الأوروبيين والروس الذين يزورون عادةً تركيا بشكلٍ سنوي، كانت البلاد هدفاً ملفتاً لإرهابي “داعش.” فقد منع توغل تركيا المسلح في شمال سوريا في أغسطس 2016 وصول تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” إلى الحدود، وعزل، من الناحية النظرية، تركيا عن التنظيم. ومع ذلك، لا يزال التنظيم يمتلك بُنيةً تحتية لوجستية ضخمة على مقربةٍ من الحدود التركية، مما يترك الباب مفتوحاً أمام احتمال اندلاع أعمال عنفٍ في المستقبل من قِبل التنظيم. فقد سجلت تركيا خسارةً كاملةً لموسم عام 2016 السياحي بعد أن فرضت روسيا عقوباتٍ على تركيا في أعقاب إسقاط سلاح الجو التركي طائرةً حربية روسية في نوفمبر 2015. ويخشى كثيرون من أنّ المخاوف الأمنية، عوضاً عن سياسة الدولة، ما سيعرقل موسم عام 2017. وعلاوة على ذلك، تصدرت تركيا عناوين الأخبار لأسباب سلبية هذا العام، وخصوصاً بعد محاولة الإنقلاب الفاشل في يوليو 2016، وحملة الاعتقلات السياسية التي تلت ذلك، وحادثة اغتيال السفير الروسي. فقد أثار عدم الاستقرار هذا المخاوف في قطاع السياحة، كما سحبت عددٌ من شركات السياحة الرئيسية أو خفضت رحلاتها إلى تركيا. وفي حين أن الأمن عُزز في جميع أنحاء المدن التركية هذا الصيف، حيث تم تركيب أجهزة الكشف عن المعادن في محطات المترو في اسطنبول، فإن الوقت وحده كفيلٌ في إثبات ما إذا كانت تركيا قادرةً على الهرب من شبح العنف في خضم هذه الأحداث.

الميليشيات الكردية

شنت الحكومة التركية، منذ عقودٍ، حرباً على الميليشيات الكردية، ولكن منذ أن تبددت الآمال في التوصل إلى اتفاق سلامٍ في فبراير 2015، اجتاحت البلاد موجة جديدة من تصعيد العنف. ففي 17 ديسمبر 2016، انفجرت سيارة مفخخة في حافلةٍ كانت تقل جنوداً بعد إنتهاء خدمتهم في قيصري بوسط تركيا، مما أسفر عن مقتل 13 في الهجوم الذي أعلنت المسؤولية عنه جماعة كردية مسلحة، صقور حرية كردستان (TAK). صقور حرية كردستان، هي فرعٌ تابعٌ لحزب العمال الكردستاني، أو “بي كا كا،” الذي يعتبر منظمةً إرهابية في تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. فقد كان حزب العمال الكردستاني وراء غالبية عشرات الهجمات التي شنتها الجماعات الكردية في تركيا عام 2016. وفي حين أن هذه الهجمات غالباً ما استهدفت أهدافاً عسكرية أو تابعةً للشرطة، لا يزال يُطبق في تركيا التجنيد الإلزامي، حيث أثارت هذه الهجمات ردود فعلٍ عنيفة من قِبل العامة. وبعد ورود الأنباء عن انفجار قيصري، تم نهب المكاتب المحلية لحزب الشعوب الديمقراطي الكردي خلال الاحتجاجات.

وفي مارس من هذا العام، تم أخيراً رفع حظر التجول لـ24 ساعة عن بلدة سيزر الكردية بعد أربعة أشهرٍ من تطبيق الإجراءات العسكرية. فمنذ سبتمبر 2015، كانت بلدة سيزر، وهي بلدة في الجنوب الشرقي يسكنها أغلبية كردية، مسرحاً لمعارك عنيفة بين المسلحين الأكراد والجيش التركي، الذي سوى قصفه للمناطق السكنية البلدة بالأرض. وعلى الرغم من أنّ الدخول إلى البلدة كان مقيداً بشدة أمام الصحفيين والمراقبين الخارجيين، اتهم حاكم اقليم سيرناك، حيث تقع سيزر، الجيش التركي بارتكاب جرائم حرب. كما وردت تقارير في وسائل الإعلام عن إعدام مئات المدنيين على يد القوات الحكومية. وبعد أن أعلن النشطاء الأكراد الحكم الذاتي في منطقة سور في ديار بكر في أغسطس الماضي، دخل الجيش المنطقة بالقوة، باستخدام الدبابات لدحر المسلحين في المنطقة. فقد حصّن مقاتلون أكراد المنطقة بالخنادق والمتاريس، مما أدى إلى إندلاع معارك في المنطقة التاريخية. ومنذ عودة اشتعال الحرب في جنوب شرق تركيا في صيف 2015، بعد عامين من وقف إطلاق النار، قُتل أكثر من 900 شخص في أعمال العنف.

وفي 11 ديسمبر 2016، قٌتل 38 شخصاً في تفجيرٍ مزدوج استهدف ضباطاً للشرطة خارج واحد من أكبر ملاعب كرة القدم في تركيا، ملعب بشيكتاش في اسطنبول. تبنت الجماعة المسلحة الكردية، صقور حرية كردستان، المسؤولية عن هذا الهجوم. وعقب الإنفجار، لام الرئيس أردوغان دولاً غربية لم يسمها لتقديمها الدعم للإرهاب، في إشارةٍ ضمنية للمساعدات العسكرية الأوروبية والأمريكية للجماعات الكردية المسلحة في شمال سوريا. وعلى صعيدٍ متصل، تعتبر تركيا أنّ الميليشيات الكردية التي تقاتل تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، أي وحدات حماية الشعب (YPG)، مرتبطة بحزب العمال الكردستاني. ومع ذلك، تفرّق الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية ما بين وحدات حماية الشعب في سوريا عن نظيرتها التركية. ولكن مع تواصل تقديم المساعدات العسكرية للأكراد في قتالهم ضد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش،” يُثير هذا احتمالية تسرّب مثل هذه الأسلحة إلى مقاتلي حزب العمال الكردستاني في تركيا. فلا يقتصر التهديد العابر للحدود على الأسلحة، إذ تُشير تقارير استخباراتية أن منفذي هجوم قيصري تلقوا تدريباً في كوباني في سوريا على يد قوات وحدات حماية الشعب. وفي إشارةٍ إلى تنامي ثقة وموارد حزب العمال الكردستاني، حاولت ميليشيات كردية في يوليو 2016، دون جدوى، تجاوز موقعٍ عسكري للجيش التركي، مما أدى إلى مقتل 35 مقاتلاً في العملية. فقد شنت القوات المسلحة التركية حملة قصفٍ منسقة ضد أهداف مرتبطة بحزب العمال الكردستاني في سوريا، وفي العراق، حيث يأوي ويتدرب المتمردون. ولكن، يبدو أن الصبر التركي قد نفذ أخيراً عندما ألمح رئيس الوزراء، بن علي يلدريم، توسيع العمليات العسكرية الأجنبية ضد المقاتلين الأكراد رداً على هذه الهجمات الأخيرة.

فقد تم اعتقال حوالي 235 شخصاً، غالبيتهم من الأكراد، في تركيا على “صلات بمتشددين،” في أعقاب الهجوم المزدوج خارج ملعب كرة قدم بشيكتاش في اسطنبول. كان من المعتقلين مسؤولون من حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، وأعضاء أكراد في البرلمان، مما أثار مخاوف من استخدام التهديدات الإرهابية لتبرير القمع السياسي الواضح. وادعى رئيس بلدية أنقرة، مليح كوكجيك، في تغريدةٍ له على تويتر أنّ قاتل السفير الروسي كارلوف على صلةٍ برجل الدين التركي المذموم، فتح الله غولن، الذين اتهم مؤيديه بكونهم وراء محاولة الإنقلاب الفاشل في وقتٍ سابق من هذا العام. وتصنف حركة غولن ضمن المنظمات الإرهابية في تركيا، ومنذ يوليو الماضي تم إلقاء القبض على أكثر من 70 ألفٍ من مؤيدي غولن. واشتمل هذا على عملية تطهيرٍ لأجهزة أمن الدولة، الأمر الذي يُثير اليوم تساؤلاتٍ حول قدرة تركيا على مواجهة تهديد الإرهاب.

ومع استمرار الحرب في سوريا، ومع عدم وجود نهايةٍ للاضطرابات الكردية في الأفق، تبدو سُمعة تركيا باعتبارها ملاذاً للأمن والاستقرار، أضعف من أي وقتٍ مضى. وبينما استحوذ اغتيال السفير كارلوف على اهتمام دولي، لا يزال في جعبة تركيا، لتخلص نفسها من التهديد الإرهابي، مشاكل أكبر بكثير لحلها.

© Copyright Notice
Click on link to view the associated photo/image:
©Hollandse Hoogte

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.