فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / تركيا / المجتمع والإعلام والثقافة / الثقافة / المتاحف / المتاحف: سلاحٌ قوي في المعركة السياسية من أجل ماضي تركيا ومستقبلها

المتاحف: سلاحٌ قوي في المعركة السياسية من أجل ماضي تركيا ومستقبلها

Turkey- Hagia Sophia
أشخاص يسيرون أمام آيا صوفيا، الكنيسة البيزنطية التي تعود إلى القرن السادس والتي تم تحويلها إلى مسجد في عهد الإمبراطورية العثمانية وأصبحت الآن متحفاً في إسطنبول. Photo AFP ©AFP ⁃ BULENT KILIC

كحال أي بلدٍ يفخر بتاريخه الزاخر بالنجاحات، لا تعدّ المتاحف غريبةً في تركيا. من القصور الإمبراطورية إلى المعابد الشاهقة، حولت تركيا بعضاً من هندستها الأكثر إثارة للإعجاب إلى مراكز للتعلم وإحياءً للذكرى. ولكن كما هو الحال مع أي مستودع للمعلومات، يتم استخدام هذه المتاحف بشكلٍ متزايد كسلاحٍ في المعركة السياسية من أجل ماضي ومستقبل البلاد.

من نواحٍ متعددة، بدأ تاريخ المتاحف التركية الحديثة في أواخر القرن التاسع عشر، عندما قام عثمان حمدي بك، وهو رسام وشخصية ثقافية مهمة، بدايةً بحظر تصدير الكنوز الفنية والأثرية التركية. ومع ذلك، حدث التحول الجذري في المتاحف التركية مع قيام مصطفى كمال أتاتورك بتأسيس الجمهورية العلمانية في عام 1923. وبمناسبة نهاية الحقبة العثمانية، سعى قادة البلاد الجدد إلى إعادة بناء التاريخ والهوية التركية حول تاريخ الأناضول القديم كمهدٍ للحضارة وليس حول الأقطاب العثمانية. وعليه، سرعان ما نشأت المتاحف والمؤسسات الأكاديمية التي تحتفي بالأثنوغرافيا الأناضولية والدين، وحتى العظمة العثمانية، باعتبارهم تحفة تاريخية. ومن المثير للإعجاب، أن أول متحف صمم وبُنيّ في الجمهورية أشاد بالأثنوغرافيا ما قبل الحقبة العثمانية، إذ لا يزال من الممكن رؤية تراث هذا العمل اليوم، ليس فقط في المتاحف ولكن أيضاً في شوارع ومؤسسات العاصمة: أنقرة هي موطن للتماثيل والجامعات التي تحمل تصميم قرص الشمس من شعب الحثيين، إحدى حضارات الأناضول قديماً.

مع وفاة أتاتورك، تم بذل جهدٍ كبير لتكريمه وتكريم تضحيات النظام الجمهوري في التعليم التركي. تعد الطوابق الواقعة تحت الأرض في أنيت كابير، ضريح أتاتورك في أنقرة، بمثابة متحفٍ لحرب الاستقلال في أعقاب الحرب العالمية الأولى. مع مرور الوقت، كانت مدينة جناق قلعة، أرض المعركة التي واجهت فيها تركيا حملة جاليبولي، مأهولة أيضاً بالمتاحف والنصب التذكارية للانتصار التركي وفقدان الأرواح من كلا الجانبين. تلعب المواقع التعليمية هذه دوراً رئيسياً في المساعدة على توحيد الأهداف الجديدة للفخر والقيم الوطنية. ومن الأمثلة الجيدة على ذلك متحف الجمهورية، موقع أول برلمانٍ للجمهورية في أنقرة.

لم يتم المساس بتركيز تركيا على المتاحف الرسمية إلى حدٍ كبير حتى الألفية وصعود حزب العدالة والتنمية. فقد كان لهذا الحزب الإسلامي تاريخٌ مضطرب مع المؤسسة الجمهورية، بما في ذلك سجن زعيمهم، الذي سرعان ما أصبح رئيساً للبلاد، رجب طيب أردوغان. وبعد وقتٍ قصير، أصبحت المتاحف موقعاً لإعادة سرد الحكاية الوطنية.

عندما لم يعد المتحف متحفاً

تركز الجدل الأكثر شهرةً ورمزيةً فيما يتعلق بالمتاحف حول آيا صوفيا، الكاتدرائية البيزنطية التي تم تحويلها إلى مسجدٍ عثماني، الذي يقع في قلب منطقة السلطان أحمد التاريخية في إسطنبول. وبالتحديد، إن انتماء المبنى لما يُشبه مزيجاً مختلفاً من المجموعات الدينية المتنوعة عبر تاريخ اسطنبول، ما شكّل هذا الخلاف حوله اليوم. ففي السنوات الأولى للجمهورية، أصدر أتاتورك قراراً بتحويل الموقع إلى متحف، بدلاً من كونه مسجداً على مر قرونٍ عديدة. واليوم، يستحضر المكان الديانتين اللتان كانتا حاضرتين في الماضي.

وتماشياً مع الابتعاد التركي عن الدين على نطاقٍ أوسع بعد سقوط السلالة العثمانية وتفكك الخلافة، ناهيك عن الأسس العلمانية للجمهورية، تمت علمنة الاستخدام اليومي للموقع، مع إسكات صوت الآذان ومنع الصلاة داخل المبنى. وباعتباره واحداً من جواهر تاج الإسلام العثماني في تركيا ورمزاً قوياً لغزو العثمانيين المسلمين للمسيحيين البيزنطيين والأوروبيين، كانت هذه الخطوة العلمانية بمثابة كبحٍ لأنواع من الفخر العثماني.

فقد سعى أردوغان إلى إبطال ذلك، ومن خلال حنينه لماضي البلاد الإمبراطوري وكرهه للعلمنة، وجه نداءاتٍ متكررة لإعادة قُدسية المتحف كمسجد. ويبدو أن هذه الدعوات تتناسب مع أهدافه الأيديولوجية بدلاً من أي حاجة عملية إلى مكان آخر للعبادة في المنطقة (بالنظر إلى المساجد الكبيرة في مدينة آيا صوفيا)، بيد أنه قد تكون هناك عقبات لوجستية أمام القيام بذلك: سقف المتحف مزين بصور لملائكة يبلغ طولها متر، وهو تصويرٌ توضيحي يحظره الإسلام عادةً.

وبعد ما يقرب من عقدين من وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، تظل آيا صوفيا موقعاً للتعلم والثقيف وليس موقعاً للعبادة، على الرغم من الاحتجاجات التي يقوم بها المصلون المسلمون أحياناً. ومع ذلك، فإن مستقبل المتحف ليس مضموناً على الإطلاق، وقد يقع في نهاية المطاف ضحية لأهميته كأداة سياسية لتعزيز دعم أردوغان.

دون أي عناء

نشط حزب العدالة والتنمية في إعادة تركيز المتاحف الوطنية على ماضي البلاد العثماني، الذي يعشقه الحزب. ومن بين الإضافات الأكثر إثارة للانتباه إلى مشهد متاحف إسطنبول هو متحف بانوراما 1453، الذي تم افتتاحه في عام 2009. وبعرضه رسوماتٍ ضخمة للغزو العثماني للقسطنطينية، كان بمثابة دلالة واضحة على الاتجاه الذي يرغب حزب العدالة والتنمية فيه توجيه اهتمامات المتاحف. وعليه يقع المتحف التصويري ما بين المتحف التاريخي والمسرح الترفيهي، ومجدداً يعدّ هذا نموذجياً بالنسبة لمشهد المتاحف ما بعد عام 2000. كما افتتح عدد قليل من المتاحف التاريخية الجديدة منذ ذلك الحين، مع اعتماد السلطات بدلاً من ذلك على الهندسة المعمارية والمواكب وحتى الحيل السياسية، مثل الممثلين الذين يرتدون زي المحاربين التاريخيين للترحيب بالشخصيات الزائرة في القصر الرئاسي، لتأكيد هذه الرسائل.

أماكن العبادة الأخرى كانت غارقةً أيضاً في تغيير تقييم التاريخ. فقد تركت العديد من كنائس تركيا القديمة، التي هجر الكثير منها عندما فرت مجتمعاتها من الاضطهاد، لتصبح ركاماً، كما أن دور المسيحيين في التاريخ التركي إما نُسي أو مُحي تماماً. وفي عددٍ قليل من الحالات البارزة، تم تجديد الكنائس الأرثوذكسية بشكلٍ جميل، لربما كوسيلةٍ لكسب التأييد من روسيا، أو كدليلٍ على موقف أنقرة الظاهري تجاه الأقليات في مواجهة المخاوف واسعة النطاق فيما يتعلق بسجل حقوق الإنسان.

ومع ازدهار السياحة في السنوات الماضية، ارتفعت أعداد زوّار المتاحف، حيث تجاوز العدد الـ6 ملايين زائر في عام 2018. فقد وسعّت السلطات المرافق وعمدت إلى تسويق أشهر المواقع التاريخية في تركيا، بما في ذلك طروادة وأفسس. كما كثفوا جهودهم لإعادة الكنوز الأثرية التي نُهبت من تركيا على يد البعثات الأوروبية إلى الديار. من أشهر هذه الآثار هو معبد ارتميس، حيث تم نقل أجزاء كبيرة منه إلى المتحف البريطاني في لندن والنمسا. حققت هذه الجهود نجاحاً محدوداً حتى الآن، ولم يتم بذل الكثير من الجهود لتعزيز البحث التاريخي داخل تركيا، حيث لا يزال العديد من أهم الحفريات الأثرية يتم بقيادة خبراء أجانب.

في هذه البيئة، من المهم الإشارة إلى المتاحف المستقلة في تركيا. فعلى الرغم من قلة عددها، افتتح متحف البراءة من قبل الكاتب والأكاديمي أورهان باموق، ومتحف رحمي كوتش الذي يحتفل بالتقدم الصناعي لتركيا، كما تمكن آخرون من خلق مساحة نسبية من حرية التعبير في عصرٍ من القمع على الفكر الليبرالي والمعارضة في البلاد.

ونظراً لكون المتاحف مدعومة من قبل الدولة إلى حدٍ كبير أو مجانية للمواطنين الأتراك، فمن الواضح أن أهمية ربط الأتراك بماضي البلاد موضع تقدير. ولكن مع تحول المتاحف إلى ساحة معركة سياسية وأيديولوجية بشكلٍ متزايد، أثبت التاريخ أنه سلاحٌ قوي بالفعل.

© Copyright Notice

click on link to view the associated photo/image
©AFP ⁃ BULENT KILIC

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.