فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / تركيا / المجتمع والإعلام والثقافة / نظرة عامة على المشهد الإعلامي في تركيا / قيامة أرطغرل: قنبلة أردوغان للقوة الناعمة

قيامة أرطغرل: قنبلة أردوغان للقوة الناعمة

تستعرض المواسم الأربع لمسلسل قيامة أرطغرل، الذي عُرض لأول مرة على الشاشة في أواخر عام 2014، سيرة حياة أرطغرل بك، والد مؤسس الإمبراطورية العثمانية، وسلسلة الأحداث التي وضعت قبيلته على طريق العظمة التاريخية.

يستغل المسلسل الحماس العثماني الجديد السائد حالياً في كلٍ من المجتمع والسياسة التركية. ويتزعم هذا الإتجاه حزب العدالة والتنمية بزعامة الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي استخدم الشوق المدفوع بالتفاؤل للهيمنة العثمانية في المنطقة لإشعال المشاعر القومية. فقد اشتعلت أحداث حديقة جيزي في عام 2013 بسبب الخطط لتعبيد أحد أهم المساحات الخضراء القليلة المتبقية في وسط اسطنبول لإعادة إنشاء ثكنة عسكرية عثمانية كانت توجد في السابق في الموقع المذكور. كما أن القصر الرئاسي الذي أمر الرئيس أردوغان بتشييده بُني باستخدام النمط العثماني الجديد، كما تتم مرافقة الرئيس من قِبل حرس الشرف العثمانيين وغيرهم من الشخصيات العسكرية التاريخية التركية في المناسبات الرسمية.

وعلى نطاقٍ أوسع، بات اليوم يُحتفل بذكرى غزو السلطان محمد الثاني للقسطنطينية عام 1453على نطاقٍ وطني شامل ويُصادف ذلك اليوم يوم عطلة عامة غير رسمية. فلم يسبق في أي وقتٍ من أوقات تاريخ الجمهورية أن تم الاحتفال بالعصر العثماني بمثل هذه الحماسة. وفي وقتٍ سابقٍ من هذا العام، حذر أردوغان الولايات المتحدة الأمريكية بأنه سيوجه “صفعةً عثمانية” لأي أحدٍ يحاول احباط المصالح التركية في سوريا، إذ قوبلت تصريحاته بحماسةٍ صاخبة من قبل وسائل الإعلام التركية، التي يسيطر عليها اليوم صحفيون على علاقةٍ جيدة بحزب العدالة والتنمية.

ومع وجود العديد من الروايات التي تتضمن محاربة الأتراك للصليبيين، والمغول والمسيحيين البيزنطيين، يلعب مسلسل قيامة أرطغرل على وتر التشدد القومي في عهد أردوغان، خاصة وأن سياسة أنقرة الخارجية أصبحت أكثر عدوانية من الناحية الخطابية والعسكرية. وفي هذا السياق، يتلاءم مسلسل قيامة أرطغرل بشكلٍ جيد مع البرامج التلفزيونية التي تحمل طابع التشويق والتي ظهرت منذ عام 2001، والتي غالباً ما تستعرض محاربة الأتراك للمتسللين الأجانب والإرهابيين، كحال مسلسل وادي الذئاب.

المتعة “النظيفة”

يعتبر مسلسل قيامة أرطغرل أيضاً بطل الترفيه “النظيف،” الذي استخدمته الحكومة للتباهي بفضائل الإسلام السُنّي والمحافظة الاجتماعية التي ميزت 15 عاماً من حكم حزب العدالة والتنمية.

وفي تناقضٍ واضح، تلعب المؤامرات الرومانسية والجنسية للبلاط العثماني تحت قيادة السلطان سليمان القانوني، في مسلسل حريم السلطان، دوراً أساسياً، بينما تدور أحداث المسلسل حول التفاصيل الداخلية للبلاط، وتقدم تاريخاً درامياً حميمياً ونقياً عن أمراء تركيا خلال الإمبراطورية.

وعلاوة على ذلك، يصوّر مسلسل حريم السلطان شخصياتٍ تحظى بالاحترام في العصر العثماني الجديد في تركيا تحت مظلة حزب العدالة والتنمية، ومنهم السلطان سليمان القانوني العظيم من بين آخرين، بصورة غيرإسلامية واضحة، وهم يستمتعون بالجنس والملذات والكحول. فقد شكلت فترة حكم السلطان سليمان أوج القوة العثمانية، عندما امتد نفوذ القسطنطينية من بودابست إلى المدن المقدسة في المملكة العربية السعودية الحالية.

وعليه، غضب المشاهدون الأتراك بشدة من المسلسل، حيث تلقى جهاز الراقبة الوطني على البرامج آلاف الشكاوى. وفي عام 2012، وصفت صحيفة نيويورك تايمز المسلسل بمسلسل “الجنس والمدينة في العصر العثماني.”

Turkey- Dirilis Ertugrul
قيامة أرطغرل. Photo Flickr

فقد حقق مسلسل قيامة أرطغرل نجاحاً كبيراً مما دفع أردوغان نفسه إلى التعليق عليه، حيث اعتبره مثالاً إيجابياً لدور التلفزيون في رسم صورة تاريخية قيّمة للتاريخ الوطني داخل وخارج البلاد، وقال إنه سيكون سعيداً باهتمام أحفادة بالمسلسل. وبتهكمٍ واضح على مسلسل حريم السلطان، سبق هذه التعليقات بقوله أنه لا يمكن أن يتغاضى عن محاولة التلفزيون “إبادة واستهلاك” الثقافة التركية.

وعندما واجه المسلسل انتقاداتٍ لاذعة من المجتمع الفني في تركيا، سارع أردوغان إلى الدفاع عنه، إذ أشاد به لكونه صوت الجماهير المحافظة، واستشهد بما يدعي أنه المثل الإفريقي المحبب إلى قلبه، بقوله “إلى أن تبدأ الأسود بكتابة قصصها، سيبقى صيادوها هم الأبطال دوماً.”

قنبلة القوة الناعمة

يسير مسلسل قيامة أرطغرل على خطى مجموعة من المسلسلات التلفزيونية التركية التي استحوذت على قلوب وعقول الجماهير في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى. وفي حين يعدّ مسلسل حريم السلطان الأكثر شهرة حيث حقق نجاحاً كبيراً في جميع أنحاء المنطقة، إلا أن المسلسلات التلفزيونية التركية أصبحت اليوم قناة تصديرٍ ثقافي مهمة ومربحة. فمنذ عام 2002، تم بيع ما يقرب من 150 مسلسل تركي إلى 100 دولة. وفي السنوات الأخيرة، ارتفعت قيمة الصادرات السنوية للتلفزيون التركي إلى أكثر من 300 مليون دولار.

بل إن هذه المسلسلات باتت تتمتع بنفوذٍ كبير إلى الحد الذي دفع قنوات إم بي سي الفضائية المملوكة للمملكة العربية السعودية في مارس الماضي إلى منع عرض جميع المسلسلات التركية على شاشتها. فقد جاءت هذه الخطوة بعد إطلاق سراح مالك الشبكة السعودي من الاحتجاز، واعتبرت إلى حدٍ كبير محاولة لتحييد القوة الناعمة التركية في المنطقة.

كما يجب ألا يتم التقليل من أهمية هذا المسلسل داخل تركيا أيضاً. فقد وجدت دراسة أجراها مكتب الإحصاءات التركية في عام 2015 أن 94,6% من الأتراك يعتبرون أن مشاهدة التلفزيون هو النشاط الاجتماعي الأكثر تكراراً. ووجدت هيئة حكومية أخرى، المجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون، أن الأتراك يشاهدون، وبشكلٍ مذهل، ما مجموعه 5,5 ساعة تلفزيونية يومياً.

إن قدرة التلفزيون على الدخول إلى بيوت العديد من الأتراك يجعل منه وسيلة قوية على نحوٍ استثنائي. ففي عصرٍ يحاول فيه أحد القادة الأتراك إعادة تشكيل الوعي القومي، يُقدم مسلسل قيامة أرطغرل أداةً فعالة لتغذية الشعور القومي من خلال عدسة تاريخية مُختارة بعناية فائقة. المفارقة هي أنه على الرغم من أن مؤسس تركيا الحديثة، مصطفى كمال أتاتورك، استخدام الصادرات الغربية مثل الأحرف اللاتينية لإبعاد تركيا عن الإمبراطورية العثمانية، إلا أنه يبدو أن أردوغان مصرّ على استخدام المسلسلات التلفزيونية لإعادة تركيا إليها.

© Copyright Notice

Please contact us in case of omissions concerning copyright-protected work. The acquired copyright protected images used on/as featured image of this page are: ©Flickr | ©Flickr

ملف التحديث الإقليمي COVID-19

احصل على آخر تحديث عن تفشي فيروس كورونا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

تطورات فيروس كورونا

الجهل يقود إلى الخوف، الخوف يقود إلى الكراهية، والكراهية تقود إلى العنف هذه هي المعادلة.
ابن رشد (١١٢٦ – ١١٩٨)

إن مؤسستنا منظمةٌ هولندية غير حكومية لا تسعى لتحقيق الأرباح. هذه المؤسسة يجري تمويلها بصورةٍ حصرية عبر أفرادٍ يشاركوننا الإيمان بضرورة نشر معلومات موثوقة وغير متحيزة عن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، محاكين بذلك المزاج الشعبي السائد في المنطقة ولنعبّر عن صوت أبناء المنطقة بما نقدمه من معلومات ناجعة وتتحلى بالمصداقية.

ولذلك، فإننا نقدّر عالياً ما تقدمه لنا من دعمٍ وسنحرص على أن يعكس هذا الدعم بطريقةٍ إيجابية على الصالح العام!