فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / الحريات الأكاديمية في جامعات الإمارات بين مطرقة الخلافات السياسية مع قطر وسندان المخاوف الأمنية الداخلية

الحريات الأكاديمية في جامعات الإمارات بين مطرقة الخلافات السياسية مع قطر وسندان المخاوف الأمنية الداخلية

Translation- University Abu Dhabi
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أثناء زيارته لمقر جامعة باريس – السوربون أبو ظبي يوم ٩ نوفمبر ٢٠١٧. المصدر: AFP.

نشر موقع “The Conversation” مقالاً سلط الضوء على قضية حرية التعبير داخل الجامعات الإماراتية وما تفرضه الدولة من قيود على الأكاديميين وما يجرونه من أبحاث. ويقوم صاحب المقالة جون ناغل، محاضر علم الاجتماع في جامعة أبردين، باستعراض العلاقة التي تربط بين التعسف الأكاديمي وما تشهده منطقة الخليج من تطورات على المستوى السياسي في أعقاب تصاعد الأزمة مع قطر. ويحاول الكاتب في الوقت نفسه تفسير مدى ارتباط الوضع الراهن للحريات الأكاديمية بنظرة الدولة الإماراتية للعملية التعليمية بصفةٍ عامة.

وتقوم قضية ماثيو هيدجيز، وهو طالب دكتوراه بجامعة “درم” البريطانية تم اعتقاله ووضعه في الحبس الانفرادي بتهمة التخابر، بكشف النقاب عن القيود الشديدة المفروضة على الحرية الأكاديمية في دولة الإمارات العربية المتحدة. وعلى الرغم من بشاعة المأزق الذي وقع فيه هيدجيز، فإنه اعتقاله لم يشكّل صدمة كبيرة للمراقبين المطّلعين على الدولة الخليجية الغنية بالنفط.

وسبق لناغل العمل كأستاذ زائر في جامعة الإمارات العربية المتحدة لمدة أربعة أشهر من العام الجاري، وهو ما يدفعه في بداية مقالته إلى إبداء إعجابه بأشياء كثيرة في جامعات دولة الإمارات. ومن بين الأمور المثيرة للإعجاب قيام موظفي الجامعات بتنفيذ أبحاثهم في مقارٍ جامعية مزودة بمرافق عالمية المستوى، وهو ما أثار أعجاب وغيرة الأساتذة الزائرين. وبحسب ما يشير إليه ناغل، فإن الحماسة الكبيرة التي يبديها الطلاب تجعل من التدريس مهنة مرضية.

إلا أن هذه المنافع جاءت على حساب الحرية الأكاديمية بحسب ما يراه صاحب المقالة. ففي أغلب الأحيان يتم منع الأكاديميين من دخول البلاد على اعتبار أنهم يشكلون تهديدات أمنية. كما يجري اعتقال الأكاديميين بصورةٍ تعسفية بسبب نشاطاتهم المرتبطة بحقوق الإنسان، في الوقت الذي تخضع فيه أنشطتهم العلمية للمراقبة بصورةٍ منتظمة. ويلفت الكاتب النظر إلى فرض قيودٍ غير معلنة على شبكة الإنترنت وعلى استخدام تطبيق “سكايب” أثناء فترة تواجده في دولة الإمارات.

ويكمن وراء هذه القيود المفروضة على الحرية الأكاديمية هوس السلطات بقمع أي نشاط يشكّل خطراً على الأمن والسلطة. ويرى ناغل أن أبو ظبي تعاني من التوتر نتيجة حالة الفوضى التي تسببت بها احتجاجات ومظاهرات الربيع العربي، مشيراً إلى أن الإمارات ستبذل الغالي والنفيس للحيلولة دون وصول هذه الموجة إلى أراضيها.

ويؤدي أي تلميح بمعارضة النخب الإماراتية أو المطالبة بمزيد من الحريات إلى حملات أمنية لفرض النظام. وباتت الفضاءات الإلكترونية التي تعمل على تعزيز الديمقراطية، وبصفةٍ خاصة مواقع التواصل الاجتماعي، تثير شكوك السلطات بصفةٍ خاصة. وشهد عام ٢٠١٢ صدور قانون الجرائم السيبرانية الذي صادق على اعتقال الأشخاص على أي فعل يُنظر إليه باعتباره مضراً بالدولة.

الخلاف القطري

تعيش دولة الإمارات في الوقت الراهن حالة من الغضب العارم بسبب جارتها قطر، حيث تقوم أبو ظبي بكيل الاتهامات للدوحة حول رعاية هذه الأخيرة للإرهابيين، وبما يؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة. وتصاعدت هذه الاتهامات لتتحول حالياً إلى أزمة دبلوماسية كاملة تتضمن فرض العقوبات والحصار الكبير على قطر. ووصل النزاع على حد قطع المملكة العربية السعودية، والبحرين، ومصر، ودولة الإمارات والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً للعلاقات الدبلوماسية مع قطر.

ويرى ناغل أن السبب الحقيقي الذي دفع الإمارات إلى استعداء قطر هو شبكة الجزيرة الإعلامية التي تقوم الحكومة القطرية بتمويلها. وتعتبر هذه الشبكة بمثابة شوكة في حلق ملكيات الخليج، خاصةً في ظل بثها للأخبار التي تتسبب في إحراج هذه الدول. وتقوم دولة الإمارات بطلب المساعدة من حلفائها لدعمها فيما تقوم به من جهود للتغلب على منافستها.

Translation- Zayed University in Abu Dhabi
صورة التقطتها وكالة الأنباء الإماراتية “وام” لرئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون أثناء اجتماعه بطلاب جامعة زايد في أبو ظبي يوم ٥ أكتوبر ٢٠١٢. المصدر: AFP.

وكانت التحقيقات التي أجراها فريق محققي المستشار الأمريكي الخاص روبرت مولر قد كشفت عن محاولات محتملة قامت بها الإمارات لكسب نفوذ سياسي عبر ضخ الأموال في الحملة الرئاسية الخاصة بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب لانتخابات عام ٢٠١٦. وفي مارس من العام الجاري، حصلت هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” على رسائل إلكترونية تشير إلى جهود الضغط التي قامت بها دولة الإمارات لإقالة وزير الخارجية الأمريكي السابق ريكس تيلرسون، وذلك في أعقاب فشل هذا الأخير في دعم الإمارات في مواجهة قطر.

وبالطبع، فإن هذا الأمر يعيدنا إلى قضية هيدجز، حيث أعلن النائب العام الإماراتي عن اتهام طالب الدكتوراه “بالتخابر لمصلحة دولة أجنبية وبالنيابة عنها”، ناهيك عن إلحاق الضرر “بأمن دولة الإمارات العربية المتحدة على المستويات العسكرية والسياسية والاقتصادية”. ويبدو أن بحث ماثيو هيدجيز، الذي يقوم بدراسة تأثير الربيع العربي على استراتيجية الإمارات الأمنية، يضرب بصورةٍ واضحة على وترٍ حساس للسلطات الإماراتية. كما أن اعتقاله يبعث برسالة قوية مفادها أن الدولة على استعداد لتقليص حرية التعبير الخاصة بالأكاديميين.

حدود الحرية الأكاديمية

باعتباره من الأكاديميين العاملين في مجال العلوم الاجتماعية، يرى صاحب المقالة أنه ترعرع على التفكير بطريقةٍ إيجابية حول الجامعات وباعتبارها من الحصون التي تنافح عن حرية التعبير والتفكير النقدي. وبعد مرور عدة أشهر من عمله في جامعة الإمارات العربية المتحدة، فقد بات على دراية بأن التعليم في هذه الدولة يخدم هدفاً مختلفاً إلى حد ما. ويرى الكاتب أن التعليم في دولة الإمارات يعتمد على منطقٍ تكنوقراطي عوضاً عن تشجيع التفكير النقدي، علماً بأن التعليم من المفترض أن يقوم بمساعدة المجتمع على حل المشكلات الاجتماعية المعقدة والاهتمام بالوضع الراهن.

وعلى سبيل المثال، تبلغ نسبة النساء حوالي ٩٠٪ من العدد الإجمالي لطلاب الجامعة الوطنية، إلا أنه يجري فصل الذكور عن الإناث في المباني الجامعية. ومن المفترض أن تقوم النساء باكتساب المهارات العملية التي تساعدهن على الاندماج في القوى العاملة عبر الدراسة في الجامعة، دون أن تؤدي هذه الدراسة إلى فقدانهن لأدوارهن التقليدية كأمهات وزوجات.

ويرى ناغل أن دولة الإمارات تخوض معركة خاسرة في هذا المجال، خاصةً في تناقص معدلات الزواج واحتلال الإمارات للمركز الأول على مستوى المنطقة في معدلات الطلاق مع مطالبة النساء بالحصول على المزيد من الاستقلالية. وبحسب تجربة صاحب المقالة، فإن الطالبات الإماراتيات يتميزن باجتهادهن الكبير وانخراطهن بطريقةٍ إيجابية في المجتمع وبطموحهن في ظل تزايد فرص العمل. كما يعتقد الكاتب أن حرية التعبير قد تصبح القضية التي تشغل الطلاب قريباً.

إغراء الإمارات

باتت الإمارات من الوجهات الجاذبة للجامعات البريطانية التي تعاني أزمات مالية، خاصةً وأن بعض الطلاب الأثرياء يحرضون على الدراسة في مؤسسات تعليمية عالمية. وعلى سبيل المثال، قامت جامعة برمنغهام بافتتاح فرع لها بدبي في سبتمبر الماضي. ويرى ناغل أن الحرية الأكاديمية من المسائل التي ستقوم هذه المؤسسات بمواجهتها بصورةٍ حتمية أثناء العمل في الإمارات. وكانت جامعة نيويورك في أبو ظبي قد شهدت منذ افتتاحها في عام ٢٠٠٨ عدداً من الحالات البارزة في هذا الخصوص.

ويقول الكاتب: “لقد استمتعت كثيراً بعملي في دولة الإمارات العربية المتحدة ولا يمكنني القول إنني تعرضت لأي تجربة مسيئة على المستوى الشخصي. لكنني تعلمت بسرعة حدود الحرية الأكاديمية. وعلى الرغم من رغبتي بالعودة إلى هذه الدولة، لكنني أخشى أن تجعلني كتابة هذه المقالة مخالفاً للقانون بنظر السلطات الإماراتية“.

ويختم ناغل مقالته بالتالي: “لقد تم منع بعض الأكاديميين العاملين في المملكة المتحدة من دخول دولة الإمارات بسبب التوقيع على انتقاداتٍ تم توجيهها لهذه الدولة الخليجية. وبحسب ما ظهر للعيان في قضية هيدجيز، فإن البحث في موضوعاتٍ حساسة يقود إلى عواقب مخيفة لا يحمد عقباها”.

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.

  • الصراع على ذاكرة الثورة المصرية

    صحيحٌ أن النظام هو من يملك اليد العليا في الصراع على قصة الثورة وذاكرتها. إلا أن محاولات النظام لفرض النسيان على مبادئ الثورة ولحظات انتصارها لا تمر دون مقاومة. وعلى الرغم من معاناتهم الصعبة، ومحاولات أكثرهم للنسيان حتى يتسنى لهم العيش، فإن بعض مؤيدي الثورة ما زالوا يواجهون بروباغندا النظام وسردياته الكاذبة باستخدام الفنون والسخرية والأرشفة، في الخارج وعلى الإنترنت، ليعيدوا بذلك تقديم قصص ثورة ٢٥ يناير الديمقراطية وذكرياتها.
  • الثورة في السودان: فليسقط النظام!

    الآن تنتهي سنوات الغرور والفساد والظلم والعنف الممنهج ضد المدنيين. فقد تكلم الناس وكشفوا حقيقة طغاة الجمود والتشدد. ولم يعد بإمكانهم الاختباء بعد الآن. الشباب السوداني يهتف: يسقط تجار الدين. فليسقط النظام، وهو يمر بالفعل في حالة تداعٍ، والسودانيون مستعدون تماماً لاستعادة بلدهم.
  • اقتراحات بيع المفاعلات النووية للسعودية تدقّ ناقوس الخطر

    خفّض القادة السعوديون من مشترياتهم المخطط لها، ومن المتوقع حالياً أن تقوم المملكة ببناء مفاعلين فقط. وترى صاحبة المقالة أنه لا بد من التفاوض على اتفاقية تعاونٍ نووي مع المملكة بحسب لما ينص عليه القانون الأمريكي في حال استمرت إدارة ترامب في متابعة خطتها لتصدير الطاقة النووية إلى الرياض، كما يجب اتخاذ خطواتٍ إضافية للحد من مخاطر الانتشار النووي.