تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

الاعتدال السعودي له حدود

Saudi human rights
صورة تم التقاطها يوم ١٩ نوفمبر ٢٠٢٠ لخبيرة الموارد البشرية السعودية مشاعل الجلعود وهي تركب سيارتها في العاصمة السعودية الرياض. وكانت السعودية، وهي أول دولة عربية تستضيف قمة العشرين، قد خططت لتنظيم قمة كبرى تظهر حملة التحديث التي يقودها حاكم السعودية الفعلي وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لكن جائحة فيروس كورونا أحبطت هذه الآمال. وفي أغسطس من العام الماضي، سمحت السعودية للنساء ممن تزيد أعمارهن عن ٢١ عاماً بالحصول على جوازات السفر والسفر للخارج دون موافقة “أولياء أمورهن” – أي آبائهن، أو أزواجهن أو أي قريب لهن من الذكور. وأنهت هذه الخطوة حكماً طويل الأمد دفع نساء سعوديات للقيام بمحاولات خطيرة للهروب من المملكة. المصدر: FAYEZ NURELDINE / AFP.

نشرت مدونة “The Turbulent World of Middle East Soccer” مقالة سلطت الضوء على حدود الاعتدال السعودي. ويقوم صاحب المقالة جيمس دورسي، وهو صحفيٌ بارز وباحث معروف في معهد الشرق الأوسط بجامعة سنغافورة القومية، باستعراض ما تقوم به المملكة مؤخراً من مساعي وجهود لتصدير صورة عن نفسها على أنها زعيمة العالم الإسلامي “المعتدل”. وذلك على الرغم من الحملات الوحشية التي تشنّها لقمع المعارضة وحرية التعبير. ويرصد الكاتب التغيرات التي أجرتها المملكة مؤخراً على سياساتها.

ووثّق تقريران حديثان التقدم الكبير الذي حققته السعودية في مواجهة التعصب الديني المعادي لليهود والمسيحيين والشيعة والغرب وأنواع شتى من كراهية الأجانب، ويشير التقريران إلى تقبّل المملكة للضغط الخارجي في ظل سعيها إلى تصوير البلاد باعتبارها الداعم الأول لتلك الفكرة المبهمة عن الإسلام “المعتدل”.

وفي السياق ذاته، حُجبت العديد من المواقع الحكومية السعودية لعدة أيام، بما في ذلك موقع وزارة الدفاع السعودية بنسختيه الإنجليزية والعربية، وذلك لإزالة المحتوى العنصري الذي قد يضع الجهود السعودية في محل شك.

ويشمل ذلك التنقيح حذف خطب محمد العيسى المعادية للسامية، وهو وزير العدل السابق ورئيس رابطة العالم الإسلامي والذي أصبح رمزاً للتعبير عن الاعتدال الديني السعودي وانفتاح البلاد على التعددية والتسامح. وكانت الرابطة في الماضي واحدة من المنظمات الرئيسية التي تستعملها المملكة في التمويل العالمي للمؤسسات الدينية والثقافية لجماعات سنية متشددة.

ويشير التقريران المذكوران إلى أن الخطوات التي اتُخذت لتحقيق ذلك التقدم قد بدأت قبل انتصار الرئيس الأمريكي جو بايدن في نوفمبر الماضي، والذي وعد بجعل حقوق الإنسان أولوية في سياسته الخارجية كما وعد بمخالفة سياسة سلفه ترامب في نهجه الوديع تجاه السعودية.

وقد اقترنت هذه الخطوات بمحاولات ضعيفة لتحسين صورة المملكة التي شوهتها الانتهاكات المتكررة لحقوق الإنسان التي وقعت جرّاء حملة قمعية وحشية ضد جميع الأصوات المعارضة.

وتهدف هذه الخطوات التي تتخذها المملكة إلى دعم طموحات القيادة السعودية بقدر ما تهدف إلى تسهيل الاستثمار الأجنبي المباشر اللازم لتنفيذ خطط التنويع الاقتصادي التي تشمل مشاريع ضخمة مستقبلية ضمن خطة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

وتمثلت أحدث هذه الخطوات هذا الأسبوع في إطلاق سراح الناشطة النسوية البارزة لجين الهذلول، والتي أصبحت سبباً رئيساً في الانتقاد الدولي لملف حقوق الإنسان في السعودية.

وحُكم على الهذلول في ديسمبر بالسجن بنحو ست سنوات، وقضت ثلاثاً منها في الحبس الاحتياطي قبل المحاكمة. وأشارت التقارير أن الهذلول قد أصبحت قيد الإفراج المشروط لمدة ثلاث سنوات كما مُنعت وأسرتها من السفر مدة خمس سنوات.

أما عن إزالة خطاب الكراهية من الكتب المدرسية السعودية، فقد تلقت المملكة إشادة من دراسة أجرتها مجموعة Impact-se، وهي مجموعة بحثية إسرائيلية تركز على التعليم. كما احتفى تقرير لم يُنشر بعد من بين عدة تقارير أخرى صادرة عن معهد شؤون الخليج ومقره واشنطن بجهود المملكة في هذا المجال.

ووصفت المؤسسة الإسرائيلية هذه الخطوة بأنها “تحسنٌ كبير وتطور مشجع نعتبره خطوة نحو الاعتدال”.

وأشار معهد شؤون الخليج إلى أن “تسليط الضوء على المستويين العام والخاص على التعصب الفج في المنصات السعودية الرسمية قد أدى مؤخراً إلى تطور محدد…. وإن هذه الخطوات الإيجابية الأخيرة تؤكد على فعالية معالجة مشاكل محددة والدفع باتجاه الإصلاح”.

كما تناول المعهد أيضاً التعصب الذي تروج له المؤسسات العسكرية السعودية وخطب الشخصيات الدينية البارزة.

وأفاد المعهد أن من بين المحتوى الذي حُذف من موقع وزارة الدفاع كانت هناك خطبة حذّر فيها إبراهيم بن صالح عبد العزيز العجلان، وهو محاضر في جامعة الملك سعود وخطيب في مسجد الشيخ عبد العزيز بن باز بالرياض، من أن “خطر الشيعة أكبر من اليهود والنصارى، لأن عداوتهم مستترة وكراهيتهم لأهل السنة أقوى وأطول”.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن العجلان يساهم ككاتب في مجلة “الجندي المسلم”، وهي إحدى المجلات التابعة لوزارة الدفاع السعودية.

وأكد التقرير أن ست خطب سابقة معادية للسامية ألقاها العيسى قد حُذفت في سبتمبر بعد انتقادها من المعهد، بما في ذلك خطبة بثتها إذاعة القرآن بعنوان “عناد اليهود وقسوة قلوبهم”.

ورغم أن العيسى لم يعلن تراجعه أو اعتذاره عن تصريحاته السابقة، إلا أنه أصبح وجهاً مفضلاً للجماعات اليهودية الأمريكية التي تسعى إلى تعزيز ارتباط إسرائيل بالدول العربية وفي مقدمتها السعودية.

وعزز العيسى من هذا التصوّر في يناير 2020 عندما قاد بالتنسيق مع اللجنة اليهودية الأمريكية مجموعة من القادة الدينيين المسلمين في زيارة إلى أوشفيتز معسكر الاعتقال والإبادة النازية في بولندا.

قد ترى قلة أن هناك تقدم ملحوظ في جهود المملكة لمكافحة فكر التفوّق والتعالي وخطاب الكراهية في البنية التحتية الثقافية للمؤسسات السعودية إلى جانب الإصلاحات الاجتماعية الكبرى مثل رفع الحظر عن قيادة المرأة للسيارة، وزيادة الحراك الاجتماعي والمهني للمرأة وتوسيع فرص الترفيه.

كما يُسلط هؤلاء الضوء على حدود تحول المملكة نحو الاعتدال. ويرون أن الإصلاحات السعودية تأتي بغرض تنويع الاقتصاد وليست مستمدة من عزم حقيقي على القطيعة مع تاريخ المملكة المتشدد.

وبحسب دورسي، يبدو أن الإصلاحات تعتمد نهجاً يسعى إلى إعادة كتابة التاريخ وليس مساءلته، وهو ما يتضح في ملاحقة المملكة للنشطاء الذين يدعمون الإصلاحات وناضلوا من أجلها.

وتظهر هذه القيود أيضاً في تعامل الحكومة مع سياسات حقوق الإنسان الأمريكية التي سوف يتبعها بايدن، فقد اكتفت المملكة بإيماءات بعيدة عن التغيير الهيكلي.

وأخيراً، تتضح هذه القيود في رفض المملكة حتى الآن السماح بممارسة الشعائر الدينية في الفضاء العام باستثناء المسلمين بالطبع كما ترفض بناء دور عبادة لغير المسلمين، رغم أنها تغض الطرف عن النشاط الديني المحدود للمغتربين المسيحيين وغيرهم من أتباع الديانات الأخرى.

وعندما طلبت وزارة الخارجية الأمريكية من الكاتب والواعظ البروتستانتي جويل ريتشاردسون “توخي الحذر” لأنه قرأ الإنجيل جهراً على 25 شخصاً مسيحياً أمريكياً عند جبل اللوز، وهو جبل في شمال غرب المملكة العربية السعودية يُعتقد أنه جبل الطور الحقيقي، فإن هذا الأمر أثار سخرية ريتشاردسون.

ورفض طلب ريتشاردسون، مثل مسؤولين أمريكيين آخرين، عندما سأل الأمير محمد في اجتماع استمر ساعتين عن التوقيت الذي سيُسمح فيه ببناء كنيسة في المملكة. وقد أجابه الأمير محمد “ليس الآن. فهذا الأمر سيكون بمثابة هدية للقاعدة“.

وبحسب دورسي، فإن رد ولي العهد السعودي استند على رجال على شاكلة العيسى ومنظمات أنشئت في عهد أسلافه كرابطة العالم الإسلامي.

ونجح هؤلاء في إقناع المسلمين وغير المسلمين على حد سواء، بما في ذلك مسؤولين أمريكيين ضغطوا من أجل رفع ذلك الحظر، بأن المملكة تختلف عن أي دولة أخرى ذات أغلبية مسلمة لأنها تحتضن أقدس مدينتين في الإسلام، مكة والمدينة.

قلة هم من يشككون في أن السعوديين المتدينين قد يعترضون على وجود دور عبادة لغير المسلمين أو ممارسة الشعائر علناً، لكن كما في جرى في الإصلاحات الأخرى التي قام عليها الأمير محمد، لا يعتقد هؤلاء أن مثل ذلك الإصلاح قد يواجه بمقاومة عنيفة.

وقال علي الأحمد مدير معهد شؤون الخليج: “لن يُقابل هذا الإصلاح بالعنف. إنه مجرد ذريعة للسعودية. دول إسلامية أخرى مثل قطر والكويت لديها كنائس ولا مشكلة في ذلك”.

ملاحظة

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن آراء الكاتب (الكتّاب)، وليس المقصود منها التعبير عن آراء أو وجهات نظر فَنَك أو مجلس تحريرها.

* تم نشر هذه المقالة في الأصل على موقع https://mideastsoccer.blogspot.com في 07 فبراير 2021.

user placeholder
written by
Mohammed Abdullatif
المزيد Mohammed Abdullatif articles