وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

يذّكر قيس سعيّد في تونس بشبح نظام بن علي

قيس سعيّد في تونس
تظاهر أنصار حملة “المواطنين ضد الانقلاب” ضد الرئيس كايس سعيد في 17 ديسمبر 2021 في العاصمة تونس، في الذكرى الحادية عشرة لانطلاق الثورة 2011. FETHI BELAID / AFP

جاستن صالحاني

بعد 11 عامًا من ثورة تونس وإنهاء الحكم الاستبدادي، يبدو أن البلاد تنزلق مرة أخرى إلى الديكتاتورية بسبب قرارات الرئيس “قيس سعيّد” منذ أحكم قبضته على السلطة في 25 يوليو من عام 2021، مما أثار قلق الجهات الدولية والمحللين المعنيين بالشأن التونسي.

وقدْ علّق سعيّد في يوليو 2021 عمل البرلمان وأقال رئيس الوزراء وسيطر على مكتب النائب العام في خطوة اعتبرها بعض المحللين انقلابًا رغم ما حظيت به من دعم شعبي، لكن هذا الدعم يتضاءل مع اشتداد وتفاقم الأزمة الاقتصادية وإحكام سعيّد قبضته الأمنية على خصومه ومعارضيه السياسيين.

وقالت “وفاء بن حسين” – الناشطة في مجال حقوق الإنسان في واشنطن – لموقع فنك: “لقد بدأ التونسيون يدركون أن هذا الرئيس لا يلتزم بواجباته القانونية وأن ما يفعله الآن هو خرق للقانون ولا يقع ضمن صلاحياته الدستورية” .

وتركزت الانتقادات على خطوات سعيّد العنيفة في قمع حرية التعبير، ففي 23 ديسمبر، حُكم على الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي بالسجن غيابيًا لمدة أربع سنوات بتهمة محاولة الانقلاب على نظام الحكم، وقد أفادت تقارير لمنظمة هيومن رايتس ووتش وصحفيين معتقلين بأنّ سعيّد قد اعتقل أعضاء في البرلمان لمجرد التعبير عن آرائهم، كما فرض الإقامة الجبرية وحظر السفر بشكل تعسفي على العديد من المسؤولين السابقين والمشرّعين بحجة تهديد أمن الدولة.

ويعتبر حزب النهضة الإسلامي هو الحزب الحاكم للبلاد منذ عام 2011، إذ كانت مهمته تنحصر في تطبيق إصلاحات ديمقراطية، لكن معارضيه يرون بأنه حاول توطيد سلطته وبناء علاقات مع حلفاء أيديولوجيين في النظامين التركي والقطري . وقد مهد السخط الشعبي الطريق لإجراءات سعيّد حتى أن الاتحاد العام التونسي للشغل صاحب التأثير الواسع، والذي كان جزءًا من المجموعة الرباعية التي فازت بجائزة نوبل للسلام في عام 2015، قد أيّد في البداية تعليق عمل البرلمان.

لكن مع مرور الوقت تراجع الدعم الشعبي لسعيّد، وبدأ الاتحاد العام التونسي للشغل انتقاده مطلع هذا الشهر واعترض على خارطة الطريق للخروج من الأزمة وكرر دعوته لإجراء إنتخابات مبكرة. وتظهر أحدث استطلاعات الرأي تراجع نسبة تأييد التونسيين لقرارات سعيّد من 87% في يوليو إلى 55% في نهاية ديسمبر. وقد يعود هذا التراجع إلى الوضع الاقتصادي غير المستقر، كما أن الفساد وسوء التعامل مع جائحة كورونا قد ساهما في تعظيم الاستياء الشعبي العام بعدما تدهور حال قطاع السياحة في البلاد. 

وفي أكتوبر 2021، عيّن سعيد نجلاء بودن رمضان رئيسة لمجلس الوزراء، ورغم أنّها أول رئيسة وزراء في العالم العربي، فإن المحللين يعتقدون أن تعيينها كان شكليًا إلى حدٍّ كبيرٍ بعدما استحوذ سعيد على كل السلطات منذ شهر يوليو.

   ودشن سعيّد خطة لاستقصاء رأي التونسيين في القضايا العملية الانتخابية ، ونظام التأمين الصّحي الاقتصادي، بالإضافة إلى التعليم عبر منصةٍ إلكترونيةٍ واستشارات شعبية. ويُفترض أن هذه الاستشارات ستؤثر على صياغة الدستور الجديد الذي ستضعه لجنة يعينها سعيّد. لكن يرى بعض المحللين أن هذه العملية تفتقر إلى الشفافية لأن سعيّد لم يوضح كيفية تأثير هذه الآراء على صياغة الدستور. 

وقالت وفاء بن حسين: “تفتقر خارطة الطريق للشفافية ، فلا يعلم أحد من سيقود هذه العملية، أو كيف سيجري اختيار رئيس الوزراء ليكون رئيسًا للحكومة الجديدة ، كل ما يفعله سعيّد يفتقر للشفافية باختصارٍ”.

وقال محمد ضياء حمامي ، الباحث السّياسي والمحلل التونسي لنيويورك تايمز : “أظن أن تلك الخطوات ما هي إلا بحث عن شرعية لقرارات قد اتخذها سعيّد سلفًا “. 

ولا تقتصر مشكلة تونس على مسألة الشفافية فحسب، فقد يستمر التدهور الاقتصادي والأمني طوال الشهور المقبلة، كما أن أسعار القمح قد ارتفعت ارتفاعًا كبيرًا على مستوى العالم، مما يعني أن الحكومة ستعاني حتى تُبقي على دعم الخبز. أمّا عن ميزانية البلاد فيذهب حوالي 70% منها إلى دفع أجور 700 ألف موظف في القطاع العام، وتبلغ نسبة البطالة 18% وهي أعلى بخمس نقاط عما كانت عليه في سنة  2010 حين خرج الناس لإسقاط زين العابدين بن علي.

وفي السياق ذاته ، طالت الانتقادات كلًّا من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لفشلهما في الدفاع عن الديمقراطية في تونس . ويبدو أن ما يشغل الاتحاد الأوروبي هو قدرة تونس على منع أمواج المهاجرين فحسب. وقد تأخر الاتحاد الأوروبي في إرسال مبعوث إلى تونس حتى سبتمبر. بينما كان ممثلو السعودية والإمارات ومصر -الأنظمة المستبدة التي تدعم إجراءات سعيّد – قد زاروا تونس جميعًا.

قد لا يتمتع سعيّد حاليًا بالدعم المالي الذي تمتع به نظام بن علي في ذروته ليوطد حكمه ، لكن إجراءاته منذ شهر يوليو الماضي تُظهِر نمطًا استبداديًا واضحًا. ولم يرض كثيرون عن سياساته الشعبوية وخارطة الطريق للإصلاح الدستوري، بما في ذلك المنظمات الحقوقية الدولية، وإن لم يتحسن الوضع الاقتصادي بشكل ملحوظ فإنّ معارضة حكم سعيّد قد تعمّ الشوارع.

وقالت وفاء بن حسين أن الوضع الاقتصادي الهش يمكن أن يؤدي إلى احتجاجات واسعة ، لكن ثمة خطر لم يتضح بعد وقد يُحدث الوقيعة بين المواطنين أنفسهم، لكنها لا تعتقد أن الإسلاميين ومعارضيهم قد ينقلب بعضهم على بعض. كما أن إجراءات سعيّد الاستبدادية لن تُفرّق بين المعارضين، وهو ما فعله رؤساء المنطقة بعد الثورات. 

وتابعت: “إن العنفَ الوحيد الذي أخشاه هو عنف الدولة؛ فالشرطة التونسية متمرسة وكانت جزءًا أصيلًا من دولة بوليسية دامت لأكثر من 40 عامًا “. 

على الرئيس سعيّد إيجاد حلول للأزمة الاقتصادية إن كان يريد حشد الدّعم الشّعبي والسيطرة على الاحتجاجات التي بدأت تنتشر في شوارع تونس العاصمة ومدن أخرى. ومن جهتها، ترى بن حسين أن تونس قد أحرزت تقدمًا ملحوظًا على صعيد الحكم الديمقراطي منذ الثورة على الرغم من أن شبح نظام “بن علي” يلوح في الأفق نتيجة طريقة سعيّد في الحكم.

وقالت بن حسين: “إن سعيّد يحكم بموجب إعلان منذ يوليو الماضي، لكن الأمر لم يستتب له بعد؛ فالمجتمع المدني له تأثير كبير في تونس وما يزال التونسيون يرفعون رؤوسهم فخرًا بثورتهم”.

 

ملاحظة

الأفكار الواردة في هذه التدوينة هي آراء المدوّن الخاص بنا ولا تعبّر بالضرورة عن آراء أو وجهات نظر فنك أو مجلس تحريرها.