وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

تونس: مقاومة الكورونا بالسخرية حيناً ونظرية المؤامرة أحياناً أخرى

تونس: مقاومة الكورونا بالسخرية
صورة تم التقاطها يوم ٢٠ يوليو ٢٠٢١ لرجل تونسي وهو يحصل على اللقاح الصيني سينوفارم في قصر المؤتمرات في العاصمة التونسية تونس. تونس التي بقي فيها مخزون اللقاحات محدود حتى فترة قريبة قامت بتلقيح ٩١٣ ألف شخص بشكلٍ كامل فقط، أي ما يناهز ٨٪ من عدد سكانها، علماً بأن هذه النسبة تعتبر من بين الأعلى في إفريقيا. المصدر: FETHI BELAID / AFP.

حكيم مرزوقي

غالبية من الناس في تونس والعالم العربي، لا يأخذوا التحذيرات من وباء كورونا على محمل الجد. هؤلاء يسخرون من حملات التوعية والترشيد التي تقوم بها على وسائل الإعلام.

هذا الاستهتار الجماعي أشد خطراً من وباء كورونا نفسه، ذلك أنه ينتقل بين الناس عبر مواقع التواصل الاجتماعي بسوية أسرع من انتقال الفايروس نفسه. كما أنه يصنع نوعا من “الممانعة الجماعية”، أي يجعل الجميع يستقوي بموجات السخرية والاستهتار. وهو يتحداها أيضاً ظنا منه أنه يتحدى الحكومة في شخصيتها الاعتبارية.

الأسباب التي تقف خلف هذا التعنت الغريب والعناد المستشري كثيرة ومتنوعة. ويمكن أن تصنف في خانات اجتماعية، ثقافية، اقتصادية وسياسية.

جميع الشعوب العربية فاقدة للثقة من دولها وحكوماتها. هذه الشعوب تعمل وفق قاعدة: لا تستمع ولا تعمل بنصيحة السارق والمراوغ. وكما جاء في الأقوال الشعبية المأثورة، فاللص هو الوحيد الذي يتمنى لك نوما هانئا كي يتمكن من سرقتك بكل أريحية وأمان.

يستدعي المواطن البسيط نظرية المؤامرة كي يثبت لنفسه كذب الحكومات وزيف ادعائها بأنها حريصة على راحته. فإن هي دعته لاتخاذ التدابير اللازمة والالتزام بالبروتوكولات الصحية، جاء من يقول إنّ في الحكومة من له مصلحة في بيع الكمامات والمعقمات والمطهرات.

وإن قامت الحكومات العربية بالإجراءات المتعلقة بالحجر الصحي وما يرافقه من منع التجوال والتنقل بين المدن، وجدت من يقول إنها تسعى لتجويع المواطنين من ضعاف الحال والدخل المحدود. وإذا فتحت الحكومات الأجواء قليلا وقامت بتدابير محدودة، قال أصحاب نظرية المؤامرة إنها تعمل على تمكين حلفائها من رجال الأعمال والسماسرة من الاستيراد والتوريد وتسهيل حركة البيع على حساب صحة وسلامة المواطن المغلوب على أمره.

التأخر في استيراد اللقاحات كان مشكلة أثارت ضجة واتهمت فيها الحكومات بالاستهتار بشعوبها أو أنها تنهج نوعا من المفاضلة والمحبات في إعطاء التطعيمات. أما تعجيل الحكومات وتسريعها في استيراد اللقاحات وتنوعها فأنتج انتقادات تتحدث عن صفقات مشبوهة في غرف سرية مغلقة.

تفشي الجائحة واقترابها من حافة الخروج على السيطرة في الأيام الأخيرة بمدن تونسية عديدة، جعل كلّ الذين كانوا بالأمس القريب مستهترين بالبروتوكولات الصحية، تتعالى أصواتهم بشتم حكوماتهم وتحميلها كافة أسباب هذه الجائحة.

يقول مثل شعبي عربي “احترنا يا أقرع من وين بدنا نبوسك”.. ورغم ما يحمل هذا المثل في طياته من تنمّر في حق فاقدي الشعر، فإنه يعكس “سوريالية” العلاقة بين المواطن العربي وحكوماته.

أما الأكثر سوريالية من هذا كلّه، هو استمرار الضحك والسخرية وإطلاق النكات حول كورونا ونحن في حالة غرق.

مؤسس علم الاجتماع، التونسي ابن خلدون الذي عاش في القرن الربع عشر، قال: “إذا رأيت الناس تكثر السخرية وقت الكوارث، فأعلم أن الفقر قد أقبع عليهم. وهم قوم بهم غفلة واستعباد ومهانة كمن يساق إلى الموت وهو مخمور”.

الحكومات العربية بدورها، تتحمّل قسطاً هائلاً من المسؤولية.. إنها أزمة ثقة بين هذه الشعوب ودولها، وأظنها ستبقى مستمرة بعد زوال كورونا.

 

ملاحظة

الأفكار الواردة في هذه التدوينة هي آراء المدوّن الخاص بنا ولا تعبّر بالضرورة عن آراء أو وجهات نظر فنك أو مجلس تحريرها.