تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

إيتيل عدنان: مواطنة عالمية بهويات متعددة

إيتيل عدنان
الشاعرة والكاتبة العالمية إيتيل عدنان. المصدر: Wikimedia.

يوسف شرقاوي

قبل أن يولد لبنان كما نعرفه اليوم، جاءت الشاعرة والكاتبة والرسامة إيتيل عدنان إلى الحياة عام ١٩٢٥. ابنة أم يونانية مسيحية كانت عائلتها تعيش في أزمير، وأب سوري دمشقي مسلم، كان ضابطاً في الجيش العثماني. لذا، لم تعرف أي نزاع ديني في حياتها، كما تقول.

يمكن القول عن إيتيل إنها تقف حارسةً على أبواب الذاكرة الموغلة في قدمها، إذ تقول إنها رأت الانتداب والسراي الكبيرة التي كانت مقر رئاسة الأركان الفرنسية، ورأت الحرب العالمية الثانية، وشاهدت لبنان في مراحل مختلفة. كما أنها شهدت تطور حياة المرأة سواء في العالم العربي أو العالم كله، إذ كانت من أوائل اللبنانيات اللواتي عملن في المكتب، في الثامنة عشر من عمرها.

سافرت إيتيل في سن الرابعة والعشرين إلى فرنسا لدراسة الفلسفة، ثم إلى أمريكا لدراسة فلسفة الفن، وعادت إلى لبنان وغادرته في الحرب الأهلية، فقضت حياتها مسافرة.

أكثر من هوية

كانت إيتيل لبنانية المولد، سورية الأب، يونانية الأم، عربية، فرنسية وأمريكية. لكن الهويات المختلفة بالنسبة إليها ليست قاتلة، بل يمكن أن نتحكم بها ونعيش معها، كما تقول: يمكن أن نكون عدة أمور معاً.

أما عن المسافة بينها وبين اللغة العربية، لغتها الأم، فذلك لأنها ارتادت مدرسة الراهبات الفرنسيات، وكانت ممنوعة من تكلّم العربية. كانت أمها تتكلم اليونانية ووالدها التركية، لذا كبرتْ في عالمٍ جامع، ووجدت أنه من الطبيعي التكلم بعدة لغات.

مع ذلك، أحبّت العالم العربي واشتاقت إليه. وتقول إيتيل في إحدى مقابلاتها الأخيرة: “غالباً ما شعرتُ بأنني أتمتع بهذا الموقف الفريد من نوعه، بأن أكون جزءاً من عالم وأن أراه من الخارج. وكنتُ أقول إنني أحب العالم العربي كعربية، وكذلك كما الأجانب الذين يشعرون بالشغف تجاهه”. وتصف نفسها على أنها “شاعرة عربية” في اللغتين الإنكليزية والفرنسية. لذلك، حين عجزت عن الكتابة بهذه اللغة، أعلنت أنها “سترسم بالعربية”.

تطرقت إيتيل إلى هذا التعدد اللغوي في إحدى مقالاتها بعنوان “الكتابة بلغة أجنبية”، تذكر فيها كيف تعلقت بالخط العربي دون أن تجيد اللغة، وكيف وجدت ذاتها في بيروت.

مواطنة عالمية

على الطرف الآخر، اعتقدت إيتيل أنّ الأصل هو ما يفضّله الشخص بوصفه مفرداً، بقولها: “اللغة بالغة الأهمية بالنسبة إلى الهوية، لكن الأمانة في التعبير عن أعماق الكائن بواسطة أي لغة هي المدخل الحقيقي إلى الهوية”. وعندها، الهوية تكتسب بالاختيار، لذا انتمت إلى الإنسانية جمعاء.

انتمت إلى الشعوب المضطهدة من الهنود الحمر الذين كتبت عن قضيتهم. انتمت إلى الشعب الفيتنامي، إلى الجزائريين الذين خاضوا حرب التحرير، والفلسطينيين الذين تم احتلال أرضهم، حيث تقول: “شعرتُ أنّ خسارة فلسطين هي هزيمة العالم العربي كله”. وانتمت إلى العراقيين بعد الاجتياح الأمريكي.

لو كانت متعددة الجذور والهويات واللغات، فإنها ما تزال تنتمي إلى الإنسانية من غير أن يحرجها هذا الانتماء المفتوح، كما يقول عبده وازن. “وطنها اللغة التي تخاطب بها من يقرأها بالفرنسية أو الإنكليزية، أو العربية التي ترجم الكثير من كتبها وقصائدها إليها. حتى في الرسم بدت لوحاتها تفيض بروحانية الشرق ونور المتوسط وزرقة بحره وسمائه وملامح الحداثة الأوروبية والأميركية، ما جعل فنها عالمياً بقدر تجذره في أرض الشرق والمتوسط. ولعلّ هذا التفرد الفني هو ما جعل المتاحف الكبيرة تفتح أبوابها لأعمالها البديعة”.

المرأة والالتزام

إيتيل عدنان
لوحة مفعمة بالألوان للشاعرة والفنانة اللبنانية – الأمريكية إيتيل عدنان في معرض “dOCUMENTA(13)”. المصدر: Flickr, Richard Lemarchand.
  1. يقول فواز طرابلسي إن إيتيل أرجعت صدى معادلة كارل ماركس الشهيرة التي تقول إنّ المرأة هي مستقبل الرجل. ولا تكتفي بهذا فقط، بل تلتقط أقوى ما في الرجل لتؤنثه. تقبض على الذكر في أضعف حالاته وأجملها: حالة اللذة. وهو إذ يستسلم للّذة يتأنث. ونسوية إيتيل، بقول طرابلسي، غير مدعية، وليست أصولية أو معادية.إنّ ما شهدت إيتيل عليه خلال حياتها التي كادت تبلغ القرن، جعلها تتخذ منهج الالتزام في كتابتها. فهي غير حضورها زمن الحرب العالمية الثانية، وخسارة فلسطين في نكبة ١٩٤٨؛ كانت من الجيل الذي هزته هزيمة ١٩٦٧، وانتشى بانتصار فيتنام. كما شهدت ثورة شباب فرنسا في ١٩٦٨. رأت أيضاً اجتياح إسرائيل لبيروت وغزو أمريكا للعراق. سجّلت هذا الغزو في كتابها “في قلب قلب بلد آخر”. 

    ذكّرتها مأساة الهندي الأحمر بالإنسان الفلسطيني المُقتلع من أرضه. ووخزتها بيروت، فسجلّت الحرب الأهلية في كتابتها، منها رواية “ست ماري روز” التي أصبحت من كلاسيكيات أدب الحرب ودُرِّست في أمريكا. وأيضاً، في كتابها “سفر الرؤيا العربي“، رمّزت إلى هزيمة ١٩٦٧ وذاكرة الحروب الاستعمارية والحرب الأهلية اللبنانية.

     

    آمنت إيتيل أنّ الشعر يخيف السلطة، لذلك دأبت السلطة على شراء الشعراء. تقول إنّ خطورة الشعر تكمن في أنه “يخرج من روح ويصل إلى روح، لذلك فإنّ السلطة الطاغية تخاف سلطة الشعر، لأنها غير مرئية. الشعر له مفعول المنوم المغناطيسي، والسلطة خير من يدرك ذلك”.

    لذا، وجهت إيتيل رسالتها إلى الشعراء، تقول فيها: “أيها الشعراء، غيّروا العالم، أو اذهبوا إلى بيوتكم”!

    كانت مأخوذة بهموم الشعر والفن والثقافة والالتزام والنضال، بمفهومه الإنساني الشامل. حيث منذ اعتناقها اللغة الإنجليزية كتبت قصيدة عن حرب فيتنام تعلن رفضها لها، وأثبتت أنها مواطنة من العالم.

    في شعرها، كما يقول عبده وازن، دعوة للمحبة وصرخة ضد الظلم والمهمشين. نرى ذلك في أبرز أعمالها الشعرية السياسية، مثل “يوم القيامة العربي”، قصيدة “٢٧ أكتوبر”، التي كتبتها على أثر الغزو الأمريكي للعراق.
    “أن تكون حياً يعني أن تكون حراً”. هذا تعريف الحياة عند إيتيل”.

    بين الرسم والكتابة

    في المعرض الاستعادي لأعمال إيتيل، الذي يقيمه مركز بومبيدو- ميتز، تم اختيار عنوان “أن أكتب يعني أن أرسم”. فهي “شاعرة الرسم، ورسامة الشعر”.

    يقول الناقد الفرنسي بودسون عن تجربتها في الرسم: “ما يجذب العين في لوحات إيتيل عدنان قبل كل شيء هو السرور، لا بل سعادة التأمل. إلا أن هذه البساطة المطبوعة بالفرح التي تتكشف عن هذا الانطباع الأول، لن يكتمل معناها، ولن تترك بصمة فينا، إلا إذا وجهنا انتباهنا من ثم إلى تنوع شخصيتها وعمقها وحيويتها”. بكلمات إيتيل نفسها: “أرى لأرسم، وأرسم لأرى… إن الرسم يعبر عن مكاني السعيد، ذلك الذي يشكل واحداً مع الكون”.

    أما عن إيتيل الشاعرة، فتصف هي شعرها بنفسها على هذا النحو: “شعري لا يخرج من تاريخ الشعر، وإنما من خبرة الكائن الفطرية، ومن تفكّره في الوجود بصفاء. لذلك أحس عندما أكتب أن الدنيا تتحول إلى وجود جديد. أكتب بلا ذاكرة أدبية. وهذا النمط من العلاقة مع الكتابة بدأ مع كتابي الشعري الأول، ورافقني خلال أعمالي اللاحقة. إنه ينطبق على كل ما كتبت”.

    غادرت إيتيل عدنان الحياة في ١٤ نوفمبر ٢٠٢١، طفلةً كما يصفها أصدقاؤها ومحبوها، وكما تقول في إحدى قصائدها: “هذا المساء، سأنام مبكراً يا أصدقائي لأن الظلمة تكاثفت كثيراً…/ وسأحاول ألا أضيع المفتاح/ وأن أنام مثلما ينام الأطفال/ كما أظن”، شاعرة أنها احتفظت بالقدرة على الحلم، على تمنّي عالمٍ أفضل، كما تقول، ومؤمنة أنّ الموت ليس الكلمة الأخيرة.

     

    المصادر:

    1. EtelAdnan.com, website. http://www.eteladnan.com/
    2. Asfour, Nana – Etel Adnan, Lebanese American Author and Artist, Dies at 96 – The New York Times, 2021. https://www.nytimes.com/2021/11/14/obituaries/etel-adnan-dead.html

    ٣. إتيل عدنان، الشاعرة الكاتبة والرسامة – ندوة لإتيل عدنان – دار التنوير – ٢٠١٣. https://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=lbb224358-200916&search=books

    ٤. الجراح، نوري – إيتيل عدنان: أنا دمشقية يونانية – حوار، مجلة الجديد، ٢٠٢٠. https://aljadeedmagazine.com/%D8%A5%D9%8A%D8%AA%D9%8A%D9%84-%D8%B9%D8%AF%D9%86%D8%A7%D9%86-%D8%A3%D9%86%D8%A7-%D8%AF%D9%85%D8%B4%D9%82%D9%8A%D8%A9-%D9%8A%D9%88%D9%86%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9

    ٥. وازن، عبده – رحيل إيتيل عدنان المبدعة العالمية بين الشعر والرسم – إندبندنت عربية، ٢٠٢١. https://www.independentarabia.com/node/277291

    ٦. فواز طرابلسي يكتب عن إيتيل عدنان – الرومي، مجلة الثقافة في العالم العربي، ٢٠١٤. https://www.alrumi.com/2014/02/blog-post_6694.html

    1. Maa Ricardo Karam, Etel Adnan. https://youtu.be/f3L8zlCWbUY

ملاحظة

الأفكار الواردة في هذه التدوينة هي آراء المدوّن الخاص بنا ولا تعبّر بالضرورة عن آراء أو وجهات نظر فنك أو مجلس تحريرها.