تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
ابحث في fanack.com
Please enter search keyword.

الاستعصاء السوري وتداعياته المستقبلية

سورية
صورة تظهر فوهات دخان من محطة ماء العرشاني، بعد أن تعرضت لضربة جوية روسية، في قرية تحمل نفس الاسم، شمال مدينة إدلب التي يسيطر عليها المتمردون، في 2 كانون الثاني/يناير 2022. OMAR HAJ KADOUR / AFP

 غازي دحمان

جاء اعتراف المبعوث الأممي لسورية، غير بيدرسون، بأن الأزمة السورية دخلت في مرحلة الاستعصاء، متأخراً، ربما كثيراً، عن الوقائع والسياقات التي رسمت مسارات الأزمة في الآونة الأخيرة. ذلك أن ملامح هذا الاستعصاء سبق أن أعلنت عن نفسها قبل زمن من إدراك، من يفترض أنهم صُناع الحلول، وعندما أدركوها، كان الاستعصاء قد تجذّر وبات مزمناً، وصار تفكيكه يحتاج إلى مجهودات دبلوماسية عالية وربما جولات صراعية جديدة، أو حتى إعادة تعريف الأزمة ورسم مندرجات جديدة للحل السياسي، ليست كتلك التي تطالب بها روسيا والنظام السوري وإيران، والتي تحث على ضرورة أخذ المتغيرات الميدانية في الحساب، بل النظر في خطورة التداعيات وإيقاف دورة مسبباتها الجهنمية، والتي في حال استمرار دينامياتها، لن يكون من المستغرب وصول الأزمة إلى مطارح من خارج السيناريوهات التي تصورها الفاعلون في الداخل، واللاعبون الخارجيون.

مكونات الاستعصاء

بداية المقصود بالاستعصاء هو وصول الأزمة السورية إلى مرحلة ثبات التعطّل وتحوّله إلى واقع غير قابل للتغيير، بما ينطوي عليه هذا الواقع من مخاطر عدّة، ليس بالضرورة أن تكون مقصودة بذاتها، بل ربما تخرج عن قدرة الفاعلين عن إدارتها والتحكم بها، ويمكن ترتيب مكونات الاستعصاء السوري حسب الآتي:

تطييف الصراع.

هذا النمط من الصراعات لا يتأثر كثيرا بحسابات الربح والخسارة كما أنه غير قابل للتساوم، بمعنى أنه صراع صفري يجب أن يؤدي في النهاية إلى اجتثاث الطرف الآخر أو على الأقل حصول تحوّل ديمغرافي جذري، هذا، ورغم إتباع إيران سياسات التطهير العرقي الواسعة وتهجير أعداد كبيرة من السنة، وكذلك محاولتها تشييع السنة، إلا أن برامجها هذه لن تحقق النتيجة المطلوبة، وهي تحويل السنّة إلى أقلية بسبب كثرتهم.

ويأتي رفض إيران، التي تملك تأثيراً كبيراً على النظام السوري، لأي حلول سلمية، لاعتقادها أنها لم تصل بعد إلى مرحلة تغيير المعادلات الديمغرافية في سورية، وأن هناك فسحة من الوقت، لا يعلم أحد كم تطول، لتحقيق هذا الأمر الغير واقعي في نظر الكثير من خبراء السياسة نظراً لتكاليفه البشرية والمادية الهائلة، غير أن صانع القرار الإيراني، المهجوس بخلق مساحات حيوية شاسعة في المشرق العربي كحدائق خلفية لإيران تدفعه إلى الاستمرار في هذه اللعبة المجنونة، متكئاً على معطيات سياسية، تتمثل بشكل أساسي في الدعم الروسي للمشروع الجيوسياسي الإيراني، والذي وفق حسابات الكرملين سيمهد الأرض لسيطرة روسية حاسمة على المنطقة، بما فيها إيران والخليج العربي، التي ستنهكها هذه الصراعات، ولن تجد هذه الأطراف في ظل الانسحاب الأميركي من المنطقة، سوى اللاعب الروسي يحكّم بينها ويدير لعبة الصراع والسلام بينها.

إدارة النزاع بديل استراتيجيات الخروج.

انخرط جميع اللاعبون، الدوليون والإقليميون، في لعبة إدارة النزاع، بانتظار حصول متغيرات قد تدفع الأطراف المقابلة إلى تغيير مواقفها، وقد نتج عن ذلك تعطّل جميع مقاربات الحلول، بما فيها تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، وقد استتبع ذلك أيضاً، استقرار نمط التفاعلات بين الفاعلين وتركزها على التنسيق وابتعاد مؤشرات الصراع.

ونتيجة ذلك، دخلت الأطراف في مرحلة انتظارية، بل حتى أنه تم إهمال الأزمة السورية مؤخرا ووضعها على الرف وانشغال الأمريكيين والروس بالأزمة الأوكرانية التي تبدو أكثر إلحاحاً، وهناك تقديرات باحتمالية انعكاس الأزمة الأوكرانية، أيا تكن مخرجاتها، على الأزمة السورية، عبر زيادة درجة استعصائيتها.

تكلس خطوط الصراع.

يؤشر الثبات الذي تشهده خطوط الصراع إلى احتمالية استدامة هذا الوضع، وقد يتحوّل إلى وضع نهائي مع مرور الأيام، بالنظر لخضوعه لقواعد الاشتباك التي تم التواضع عليها بين الأطراف، وصياغة هذا الواقع ضمن تفاهمات، بعضها معلن وبعضها ضمني.

الأهم من ذلك، توافق هذه الأوضاع مع مصالح اللاعبين، أو اندماجها ضمن تعقيدات العلاقات الدولية في هذه المرحلة وتشابكات حساباتها، ويتضح ذلك جلياً من التفاهمات الجارية بين روسيا وتركيا في شمال سورية، حيث تندرج هذه العلاقة ضمن شبكة مصالح أوسع بين الطرفين، ويستدعي الحفاظ على توازن العلاقة بينهما وضمان عدم تأثر مصالحهما، إبقاء الوضع على ما هو عليه في شمال سورية.

ساحة صراع إقليمية دولية.

لعل أصعب مكونات الاستعصاء السوري هو تحول سورية إلى قاعدة للصراع بين القوى الإقليمية والدولية، فالنظام الدولي يمر في هذه اللحظة بمرحلة انتقالية، ويمكن وصفه بأنه نظام متحرك ينتقل تدريجياً إلى هندسة مختلفة، وهناك صراع يجري في أكثر من ساحة، يحاول من خلاله الفاعلون الدوليون الكبار حجز مكانة متقدمة في النظام الدولي قيد التشكّل.

تمنح الساحة السورية فرصة لهؤلاء اللاعبين لحوار صراعي منخفض المخاطر، إذ أن أغلب الأطراف المنخرطة في الصراع السوري، توجد بينها صراعات في ساحات أخرى، روسيا وتركيا في ليبيا وأسيا الوسطى، الولايات المتحدة وروسيا في أوكرانيا، الولايات المتحدة الأمريكية وإيران في الملف النووي والموقف من الأمن الإسرائيلي، ويدرك هؤلاء أن الصراع المباشر في تلك الملفات ينطوي على مخاطر كبيرة، لذا تتجه تفضيلات هذه الأطراف إلى اعتماد الساحة السورية كصندوق بريد بين الأطراف بشأن ملفاتها العالقة.

التداعيات المحتملة.

من بين تداعيات عديدة يعيشها السوريون اليوم نتيجة الاستعصاء الحاصل في أزمتهم، تبدو ملامح خطرين قد بدأت بالتبلور:

الخطر الأول: تحوّل التقسيم الجغرافي الحاصل إلى أمر واقع مع طول الزمن، ويبدو أن الأطراف بدأت بتأسيس بنى ووقائع لتثبيت هذا التقسيم، ما يعني أن سورية ما قبل 2011 انتهت إلى الأبد، وإخراج الواقع الجديد ينتظر الظرف المناسب للإعلان عنه.

الخطر الثاني: تدمير الديمغرافيا السورية، حيث تحولت سورية إلى أرض طاردة لأبنائها نتيجة الواقع المعاشي الصعب وظروف عدم الاستقرار، إذ تشير التقارير إلى نزيف بشري حاد من الأراضي السورية، سواء الواقعة تحت سيطرة النظام أو خارج سيطرته، حتى يمكن القول أن رقم 12 مليون عن عدد المهاجرين السوريين نتيجة الحرب هو رقم قديم وقد تجاوزت الأعداد الحقيقية هذا الرقم بكثير.

هل من ضوء في نهاية نفق الاستعصاء السوري؟ لا يبدو الأمر ممكناً في الأفق المنظور، ما دامت المسألة مرهونة بمصالح الآخرين وتقديراتهم وحساباتهم الخاصة.

 

ملاحظة

الأفكار الواردة في هذه التدوينة هي آراء المدوّن الخاص بنا ولا تعبّر بالضرورة عن آراء أو وجهات نظر فنك أو مجلس تحريرها.