وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

استطلاعٌ جديد يكشف خيبة أمل سياسية كبيرة قبيل الانتخابات الإيرانية

الانتخابات الإيرانية
صورة تم التقاطها يوم ١٨ يونيو ٢٠٢١ في أحد مراكز الاقتراع المخصصة في مدينة النجف العراقية لرجل إيراني أثناء تصويته في الانتخابات الرئاسية. المصدر: Ali NAJAFI / AFP.

بويان تميمي عرب: أستاذ مساعد في الدراسات الدينية بجامعة أوتريخت

عمار مالكي: أستاذ مساعد في القانون والإدارة العامة بجامعة تيلبورخ

لم تشهد الجمهورية الإسلامية الإيرانية إجراء أيّ انتخابات حرة ونزيهة منذ قيامها عام 1979. وبطبيعة الحال، لن يسمح نظامٌ يجمع بين الأسلوب الشمولي الحديث والثيوقراطية الإسلامية تحت قيادة المرشد الأعلى بأكثر من مجرد انتخابات صورية بلا معنى.

ومع ذلك، يرى معظم الإيرانيين في الانتخابات فرصةً لتأكيد وجودهم، فهم فعلوا ذلك عام 1997 مع صعود ما يسمى بالإصلاحيين. كما أنهم نظموا تظاهرات حاشدة عقب انتخابات عام 2009 التي أثارت جدلاً واسعاً. وتكررت مشاركتهم عام 2017 حين أُعيد انتخاب الرئيس الحالي حسن روحاني بنسبة مشاركة وصلت إلى 70%. أما الآن، فقد تبدّلت طريقة الشعب في التعبير، إذ يرفض كثيرٌ من الإيرانيين المشاركة في الانتخابات القادمة مهددين بذلك الركيزة الوحيدة المتبقية لشرعية النظام.

ومن المقرر أن تجري الانتخابات الرئاسية في 18 يونيو 2021 بعد انتهاء ولاية روحاني الثانية. ويُعتبر الأوفر حظاً بين المرشحين إبراهيم رئيسي السياسي المحافظ ورئيس السلطة القضائية الذي كان مسؤولاً عن أحكام بإعدام آلاف من السجناء السياسيين عام 1988. ويجب أن يحصل المرشحون على موافقة مجلس صيانة الدستور، وهو مجلسٌ مكوّن من 12 عضواً يعيّنهم المرشد الأعلى علي خامنئي وإبراهيم رئيسي نفسه بصفته رئيساً للسلطة القضائية. وتجدر الإشارة إلى أن قائمة المرشحين الذين رفضهم المجلس تشمل الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد.

وكانت مجموعة تحليل وقياس المواقف في إيران – غامان البحثية “GAMAAN” قد أجرت استطلاع رأي على شبكة الإنترنت حول الانتخابات المقبلة، وذلك في الفترة الممتدة ما بين 27 مايو 2021 و3 يونيو 2021. وتظهر النتائج أن الجمهورية الإسلامية قد تشهد أدنى نسبة مشاركة على الإطلاق، إذ عبّر 25% فقط ممّن شملهم الاستطلاع عن رغبتهم في المشاركة بالانتخابات.

الاقتراع في الدول الاستبدادية

قد تقلّ نسبة المشاركة وفق تقديراتنا عن الأرقام الرسمية التي نشرتها هيئة استطلاعات رأي الطلاب الإيرانيين “ISPA”، إذ توقعت هذه الهيئة التي تديرها الدولة أن يقلّ الإقبال عن 40%. وقد يعود هذا الفارق في التقدير إلى الاختلاف في طريقة الاستطلاع التقليدية عن طريق الهاتف أو من أرض الواقع من ناحية، وفي ضعف تمثيل الأقاليم في الشريحة التي تم استهدافها للاستطلاع عبر الإنترنت من ناحية أخرى.

لكنّنا نعلم من الأبحاث عن الدول السلطوية الأخرى مثل روسيا والصين أنّ احتمالية إفصاح المشاركين في الاستطلاعات عن آرائهم بصراحة تقل عندما تكون وسيلة الاستطلاع تقليدية وبعيدة عن الإنترنت. ومن ثمّ، يمكن استخدام هذه الأرقام المتضخمة لتمرير نتائج انتخابية موجّهة حتى يحافظ المستبدون على صورتهم أمام الرأي العام.

ولهذا السبب، يقوم مركز غامان “GAMAAN” بإجراء الاستطلاعات عبر منصة رقمية يمكن المشاركة في استطلاعاتها دون اسم، وهذا الأمر يجعل الناس يشاركون بلا خوف ويعبّرون عن آرائهم في المسائل السياسية الشائكة.

في إيران، يضاهي معدل انتشار الإنترنت نظيره في ألمانيا. ووفقاً لآخر الإحصاءات، فإن هناك 77 مليون مشترك في الإنترنت عبر الهواتف النقالة، كما أن نحو 74% من الإيرانيين فوق 18 عاماً يستخدمون على الأقل واحدة من منصات التواصل الاجتماعي. ولهذا السبب، يمكن الوصول إلى نسبة معتبرة من الإيرانيين عبر الإنترنت وسؤالهم عن آرائهم.

وقد أجرينا العديد من الاستطلاعات عن الدين وعقوبة الإعدام ومدى رضاء الناس عن الإعلام، ما مكّننا من فهم سلوك مستخدمي الإنترنت الإيرانيين وهو ما يساعدنا بدوره على استهداف طيف مناسب من القنوات الإعلامية الرقمية المنتشرة في البلاد.

وبعد تنقيح البيانات الناتجة عن أحدث استطلاعاتنا، فإنّ حجم العينة بلغ حوالي 68 ألف إيراني مقيم في إيران. وتمّ قياس العينة المستطلعة وموازنتها مع السكان المستهدفين من الإيرانيين المتعلمين فوق 19 عاماً باستخدام متغيرات ديموغرافية خمسة، فضلاً عن تحليل السلوك السياسي في الانتخابات الرئاسية لعام 2017 وبيانات استطلاعية جديدة عن التفضيلات السياسية.

وكانت مشاركة مصوتين مؤيدين للنظام عاملاً حاسماً في الموازنة؛ سيّما وأنّ غيابهم كان سيؤدي إلى انحراف النتائج. وقد تمكنّا في هذا الاستطلاع من استقطاب 9 آلاف مشارك ممّن صوتوا للمرشح المحافظ إبراهيم رئيسي في انتخابات عام 2017.

معنى الامتناع عن التصويت

كيف يمكن تفسير انخفاض نسبة المشاركة من 70% عام 2017 إلى توقعات بأقل من 30% اليوم؟ الأغلبية العظمى من المستطلعين ونسبتهم 71% قالوا إنّ السبب الرئيسي لامتناعهم عن التصويت يرجع إلى “الطبيعة القمعية للنظام وعدم جدوى الانتخابات في الجمهورية الإسلامية”. بينما ردّ ما لا يزيد عن 7% السبب في ذلك إلى استبعاد مجلس صيانة الدستور لمرشحهم.

وفي استطلاعٍ سابق أجريناه في أبريل 2019، قال 79% من المستطلعين إنهم سيرفضون النظام الإسلامي في استفتاء حر. وكان ذلك قبل القمع الدموي الذي وقع في نوفمبر من نفس العام وأسفر عن مقتل 1500 شخص تقريباً، وقبل أن يعترف الحرس الثوري بإسقاطه طائرة الركاب الأوكرانية عام 2020.

تُظهر نتائجنا الأخيرة أن رغبة الأغلبية في التخلّص من النظام الثيوقراطي لم تتغير. فما يقارب نصف السكان يؤيد تغيير النظام باعتباره شرطاً مسبقاً لأي تغيير جاد، ويؤيد ربعهم إحداث تغيير أقل في النظام الحالي. بينما أيّد نظام الجمهورية الإسلامية صراحة حوالي 8% فقط، واعتبر هؤلاء أنفسهم إصلاحيين، بينما يرى 13% فقط أنهم محافظون يدعمون الثورة الإسلامية ومرشدها الأعلى.

ولم نكن وحدنا من انفرد بهذه النتائج، إذ أظهر استطلاع رأي أجرته الحكومة الإيرانية مؤخراً أن مؤيدي المحافظين والإصلاحيين معاً يشكّلون 20%. كما وجدت شبكة مسح القيم العالمية ذات السمعة الحسنة في استطلاع رقمي أجرته عام 2020 أن قاعدة المحافظين لا تتجاوز 16%.

كما سارع المرشد الأعلى للثورة إلى اعتبار التصويت واجباً دينياً خوفاً من انخفاض نسبة المشاركة. وفي ظل تحوّل خيبة أمل الإيرانيين السياسية إلى خيبة أمل دينية وسط عزوف الملايين عن عقيدتهم، فإن القائد الأعلى جعل من الانتخابات اختباراً لتديّن الأمة. وهذا التداخل بين الدين والسياسة هو نفسه جوهر سخط الإيرانيين، ولم يكن الفساد وسوء الإدارة والعقوبات الاقتصادية إلا أسباباً لتفاقمه.

وبصورةٍ مماثلة للدول الاستبدادية الأخرى، فإنّ الجمهورية الإسلامية بحاجة إلى نسبة مشاركة مرتفعة بما يكفي حتى يستطيع وزير خارجيتها الترويج لشرعية حكومته خارجياً. وبمقاطعة ما لا يعدو عن كونه مسرحية انتخابية، يرفض الإيرانيون العاديون المشاركة في هذه المهزلة السياسية. وقد حان الوقت ليعترف المجتمع الدولي برغبة هؤلاء الناس في إحداث تغيير حقيقي في إيران.

ملاحظة

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن آراء الكاتب (الكتّاب)، وليس المقصود منها التعبير عن آراء أو وجهات نظر فَنَك أو مجلس تحريرها.

ملاحظة

تم نشر هذه المقالة في الأصل على موقع https://theconversation.com/au في 10 يونيو 2021