وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

فجوات التنمية المكانية في العراق

بعد غزو عام 2003، تغيرت طبيعة المشهد الحضري في العراق تغيّرًا كبيرًا. وكانت التنمية الحضرية في فترة ما بعد الحرب قاسية على الجميع

طفلان عراقيان ينظران من نافذة المنزل في حي الدورة في بغداد في 17 إبريل 2009. AFP PHOTO/AHMAD AL-RUBAYE

دينا عبد الرزاق

بعد غزو عام 2003، تغيرت طبيعة المشهد الحضري في العراق تغيّرًا كبيرًا. وكانت التنمية الحضرية في فترة ما بعد الحرب قاسية على الجميع. تقدم هذه المقالة نظرة عامة إلى تفاوت التنمية المكانية في العراق وعلاقته بالتراتبية الاجتماعية، فضلًا عن تأثيره على جودة حياة السكان.

ملخص

يعاني العراق حاليًا من مشكلات عديدة نتيجة التفاوت الحاصل بين محافظاته وإهمال التنمية المكانية في السنوات الأخيرة، فضلًا عن غياب استراتيجيات التنمية المتكاملة في أنحاء البلاد.

وبسبب تركّز الأصول في المناطق الحضرية وارتفاع معدلات الهجرة في هذه المناطق، بدأت الأحياء العشوائية تتطور داخل المدن الكبرى لا سيما في العاصمة بغداد، وذلك لتوافر فرص العمل والبنية التحتية الأساسية، فضلًا عن الرعاية الصحية والتعليم. ولكن ذلك أدى إلى ارتفاع عدد السكان وتزايد الضغط على الخدمات وسوق العقارات. ولم تكن تلك المدن مستعدة لاستيعاب هذا العدد من الناس.

ولأن المدن الكبيرة تجذب الموارد والخبرات، صارت المدن الصغيرة والقرى والمناطق الريفية تعاني نقص الموارد البشرية والخدمات الأساسية والبنية التحتية اللائقة.

تركز هذه المقالة على أسباب الفجوات في التنمية الحضرية في العراق. وتقدّم بعض الحلول التي قد تساعد في تحسين الأوضاع الاقتصادية والتنمية المكانية.

مقدمة

ينقسم العراق إلى ثلاث مناطق رئيسية وهي المنطقة الشمالية التي تتكون من كردستان وكركوك، والمنطقة الوسطى وتشمل محافظات نينوى وصلاح الدين وديالى والأنبار، والمنطقة الجنوبية وتضم بغداد وتمتد حتى البصرة. وقد طال التفاوت في التنمية المكانية تلك المناطق كلها.

ولما تركزت التنمية الاقتصادية والاجتماعية بوضوح في عدد قليل من المدن، زادت الهجرة إليها بطبيعة الحال. وبالنظر إلى أن النمو الاقتصادي يرتبط بالتجمعات السكانية الكبيرة، أصبحت مدينة بغداد هي الأولى على هذا الصعيد بين مدن العراق تليها الموصل والبصرة ثم السليمانية.

ورغم أن اقتصاد العراق يعتمد في الغالب على إنتاج النفط الذي يتركز في محافظتي البصرة وكركوك، تُعد هاتان المحافظتان من أفقر المحافظات في البلاد. ويتضح ذلك من خلال التفاوت بين المحافظات العراقية على صعيد مؤشرات نصيب الفرد من الإنفاق. واستحوذت كردستان على النصيب الأكبر من الإنفاق وبنسبة أعلى بكثير من المتوسط في سائر محافظات العراق.

ظلت النسبة الأكبر من الميزانية (وميزان المدفوعات) لسنوات عديدة ترد إلى خزانة الدولة من خلال عائدات النفط، ما أدى إلى تراجع مساهمة قطاعي الصناعة والزراعة في الناتج المحلي الإجمالي. ونتيجة لذلك، صارت مستويات الإنفاق في غالبية المحافظات الجنوبية، والمحافظات المنتجة النفط وبعض محافظات الوسط، أقل من المتوسط العام في البلاد.

ومن ناحية أخرى، أثّر الصراع والحرب في العراق تأثيرًا كبيرًا على الخدمات الرئيسة وجودة الحياة، وهذا ما يرتبط أساسًا بالخسائر البشرية وتدمير سبل العيش وتشريد الناس. كما يرتبط بشكل غير مباشر بانهيار البنية التحتية، الأمر الذي أثر بطبيعة الحال على القطاعين الصناعي والزراعي.

وبناء عليه، صارت بغداد وجهة الهجرة الداخلية من المحافظات العراقية لعدة أسباب أبرزها توفّر الأمن والدوافع الاقتصادية، كتأمين فرص العمل وارتفاع الأجور.

ويضاف إلى ذلك تدهور البنية التحتية وصعوبة توفير الاحتياجات الأساسية في القرى والمناطق الريفية والمحافظات العراقية الأخرى، فضلًا عن غياب الخدمات الصحية والمرافق التعليمية، ما ساهم في زيادة الهجرة إلى بغداد.

ولذلك، تركز هذه المقالة على ظاهرة تفاوت التنمية المكانية بين المحافظات بسبب إهمال البعد المكاني وغياب استراتيجيات التنمية المتكاملة في أنحاء العراق.

اعتمد المقال في جمع بياناته على مصادر ثانوية. ولزيادة دقة المعلومات، أُجري التحليل الأوّليّ استنادًا إلى أبحاث وتحليلات ومقارنة المعلومات من عدة كتب ودوريات علمية ومنشورات حكومية، إلى جانب المعلومات المستمدة من المنظمات غير الحكومية ذات الصلة بموضوع المقال. كما يستند المقال إلى مصادر ثانوية تمثلت في البيانات المتاحة للعموم حول شؤون العراق الحالية وشهادات سكانها.

أسباب فجوات التنمية المكانية في العراق

خلال العقود الأربعة الماضية، اعتمدت خطط التنمية المكانية في العراق على محورين رئيسين هما الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. وهدفت تلك الخطط إلى تقليل فجوة التنمية المكانية بين المحافظات والمناطق الحضرية والريفية. إلا أن الواقع ومؤشرات التنمية ما زالت تكشف عن ارتفاع معدلات الفقر واتساع فجوة التنمية المكانية بين المحافظات.

 

العنف وانعدام الأمن

دخل العراق منذ سبعينيات القرن العشرين في دوامة من الصراعات بدءًا من الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات ثم غزو الكويت عام 1990. وقد أدى الأخير إلى فرض عقوبات شاملة شلّت اقتصاد البلاد حتى رُفعت بعد الغزو الأمريكي عام 2003.

ظلّت المنطقتان الوسطى والجنوبية تعانيان ويلات الفقر. ولم يتغير ذلك الوضع حتى بعد عام 2003 حين كان من المفترض أن تعيد الحكومة العراقية توجيه مواردها إلى المناطق الأشد حاجة. ويظهر من التفاوت الكبير في جودة تقديم الخدمات مدى فشل الحكومة في تحقيق قدر من المساواة.

ولم يكن عام 2003 نهاية لتجارب الصراعات المريرة في العراق والحروب الطائفية والإرهاب والتشرذم الإقليمي. إذ شهدت البلاد العديد من النكبات حتى عام 2014، حين اجتاحت قوات تنظيم الدولة الإسلامية أجزاء من البلاد شملت الموصل، ما نتج عنه موجة نزوح كبيرة من المناطق المتضررة إلى بغداد وشمال العراق.

لقد أدّت تلك الأزمات الأمنية في البلاد إلى استنزاف وقت الحكومة ومواردها، ما منعها من الاستثمار في إعادة الإعمار. ويُعد قطاعا الصناعة والزراعة تحديدًا من أكثر القطاعات المتضررة نظرًا إلى اعتمادهما على بنية تحتية متواضعة مثل قلة شبكات الكهرباء والمياه. ونتيجة لذلك، توقف النمو الاقتصادي وخطط التنمية الكبيرة التي تستلزم وجود بنية أساسية راسخة إلى حين استعادة نوع من الاستقرار.

 

التركز المكاني للأنشطة الاقتصادية

ظل النشاط الاقتصادي والتوزيع السكاني متركزًا في عدد صغير من المدن والمراكز الحضرية الكبرى في العراق، وذلك رغم أن تلك المسألة ظلت محورًا أساسيًّا في وضع خطط التنمية الوطنية منذ أوائل السبعينيات. ويعني ذلك وجود علاقة واضحة بين تركّز الأنشطة الاقتصادية وتزايد الهجرة الداخلية مدفوعة بتراكم الاستثمارات في مناطق معينة.

وبالنظر إلى بيانات التوزيع السكاني في محافظات العراق خلال العقد الماضي، فإنّنا نجد أن ثمة اختلال بين مساحة المدن وعدد سكانها. إذ يعيش أكثر من ثلثي سكان العراق في التجمعات الحضرية، ويتجلى ذلك في بغداد حيث يعيش ربع سكان العراق رغم أن مساحتها لا تتجاوز 1% من مساحة البلاد.

وبمرور الوقت، زاد عدد سكان المناطق الحضرية بسبب اتساع الفجوة بين المحافظات في الخدمات والفرص الاقتصادية. وقد أدى ذلك إلى الضغط على البنية التحتية والإسكان والرعاية الصحية والتعليم في تلك المناطق. وتبعًا لذلك، اهتم المسؤولون بتطوير الأحياء الفقيرة في العاصمة بعد أن أصبحت مرتعًا للجريمة والتفكك المجتمعي والاكتظاظ.

 

تفاوت معدلات الفقر بين السكان

وفقًا لبيانات مؤشر جودة المعيشة، وصلت معدلات الفقر في المناطق الريفية في العراق إلى 58% عام 2012، وهي نسبة أعلى بكثير من مثيلتها في المدن والمراكز الحضرية التي تبلغ معدلات الفقر فيها نحو 17%. ويُعد الوضع الاقتصادي في المناطق الريفية من الأسباب الرئيسة لارتفاع معدلات الهجرة الداخلية.

ويتضح من هذه البيانات وجود اختلافات كبيرة في مستويات الفقر بين المحافظات. بحسب إحصاء عام 2012، سجلت محافظة الأنبار أدنى معدل فقر بنسبة 10%، في حين سجلت محافظة ميسان أعلى معدل بنسبة 56%، كما تشهد محافظات ذي قار والقادسية والمثنى معدلات فقر مرتفعة نسبيًا.

 

الفجوة التنموية بين الجنسين

وفقًا لإحصاءات السكان عام 2022، تشكّل النساء نصف سكان العراق. لذلك يُعد تعزيز المساواة وتمكين المرأة في المجتمع والسياسة والاقتصاد من الخطوات المهمة لتوفير العيش الكريم، فضلًا عن تأثيرها الإيجابي على اقتصاد البلاد.

ولكن، لسنوات عديدة، شهد العراق اتساع الفجوة بين الرجال والنساء في الحصول على الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وتظهر المؤشرات الخاصة بالجنسين امتداد الفجوة إلى خدمات مثل التعليم. ولما كان التعليم العالي من عوامل التمكين الأساسية للمرأة حتى تشارك في القوى العاملة والعمل السياسي والاجتماعي، فإن هذه الفجوة في التعليم تقلل فرص النساء في التمكين السياسي والمشاركة الاقتصادية.

وتبلغ نسبة الأمية بين الرجال في سن العاشرة 11.6%، ونحو 21.6% بين النساء. كما أن النساء يشغلن ثلاث حقائب وزارية من أصل خمس وعشرين. ويسرى ذلك الوضع في القطاع الاقتصادي أيضًا ، إذ شكّلت النساء 13.9% من القوى العاملة عام 2018. وترتفع هذه النسبة قليلًا في المناطق الريفية حيث تشارك النساء في قطاع الزراعة بنسبة أكبر.

خاتمة

افتقار المحافظات العراقية إلى التنمية المكانية ألحق بالبلاد أضرارًا جسيمة. ولكن الحكومة الحالية تعجز عن إجراء أي تحسين بسبب الاضطراب الأمني والسياسي والاقتصادي، فضلًا عن ضعف المؤسسات وسوء الرقابة والإشراف وغياب التشريعات. وقد ساهمت هذه العوامل كلها في تفشي الفساد الذي يُصعّب من مهمة تخطيط التنمية المكانية.

كما تتباين مخصصات التنمية في مختلف محافظات العراق تباينًا كبيرًا. فمنذ خطة 1970-1974، ركزت سائر خطط التنمية الوطنية على مشروعات التنمية والاستثمار في مناطق معينة من البلاد مثل العاصمة. وبلغ نصيب بغداد من إجمالي مخصصات الاستثمار حينها نحو 24%، في حين حصلت البصرة على نحو 15%. وما تزال تلك الترتيبات على حالها إلى اليوم للأسف.

لذلك، على العراق أن يتحرك بسرعة من أجل تنفيذ استراتيجيات التنمية الاقتصادية والمكانية في جميع أنحاء البلاد. وأفضل سبيل لتحقيق ذلك هو التوزيع العادل في الموازنة التنموية وتوفير الفرص الاستثمارية في المشروعات المختلفة بما يضمن العدالة الاقتصادية.

كما يمكن منع موجات جديدة من الهجرة إلى المناطق الحضرية إذا وفرت الحكومة الخدمات الأساسية في المناطق الريفية، لا سيما البنية التحتية الأساسية مثل المياه والصرف الصحي والكهرباء، فضلًا عن الخدمات الأخرى مثل التعليم والرعاية الصحية.
ومن الضروري كذلك الاستثمار في الموارد البشرية والطبيعية في المناطق الريفية من خلال دعم القطاع الزراعي وربطها بالمناطق الحضرية عبر شبكة من الطرق السريعة.

المراجع

حسين الشديدي، 2012. التفاوت التنموي المكاني في العراق بمقاييس تنموية مقترحة وآليات مواجهته.
https://www.iasj.net/iasj/article/74559

Merza, A. 2016. Disparities in Regional Incomes and Spending: Spatial economic interdependence in Iraq. Iraqi Economists Network Website.

Disparities in Regional Incomes and Spending: Spatial economic interdependence in Iraq. By Ali Merza

وزارة التخطيط العراقية: التنمية المكانية 2012. بيانات حكومية.
https://mop.gov.iq/static/uploads/7/pdf/1507186079191ad4ee5ef7c810dc4539cb9b10820f–%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%83%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9%207-11-2012.pdf

Iraq – The unfulfilled promise of oil and growth: Poverty, inclusion and welfare in Iraq, 2007-2012: Full report (English). Washington, D.C.: World Bank Group. https://documents.worldbank.org/curated/en/204911468044383593/Full-report

وزارة التخطيط، تحليل الوضع السكاني في العراق لعام 2012، اللجنة الوطنية للسياسات السكانية. بدعم من صندوق الأمم المتحدة
للسكان.
https://iraq.unfpa.org/sites/default/files/pub-pdf/Arabic%20PSA%20Report%202012.pdf

الروابط
UN-Habitat, Iraq Urban Issues. https://unhabitat.org/iraq-urban-issues

user placeholder
written by
Kawthar Metwalli
المزيد Kawthar Metwalli articles