تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
ابحث في fanack.com
Please enter search keyword.

هل فقدت إسرائيل رشدها؟

هل فقدت إسرائيل رشدها
صورة تم التقاطها يوم ٢٩ مايو ٢٠٢٢ في مدينة القدس القديمة لمتظاهرين يرتدون قمصاناً عليها شعار نجمة داود اليهودي ومزيّن ببندقية هجومية عليها شعار “يحيا شعب إسرائيل” اليهودي، وذلك أثناء مشاركتهم في تظاهرة الأعلام الإسرائيلية بمناسبة يوم القدس. HAZEM BADER / AFP

ماجد كيالي

ما جرى في القدس مؤخراً سواء تعلّق باقتحام الجنود الإسرائيليين لجنازة الصحفية شيرين أبو عاقلة أو هجماتهم لمنع الفلسطينيين من رفع علمهم في القدس الشرقية، يؤكد مدى الاضطراب الذي تعيشه إسرائيل. وعلى الرغم من ظهورها بمظهر الدولة الأكثر قوة واستقراراً في الشرق الأوسط، فإن لدى إسرائيل قلقا وجوديا يقطن في عقلها الباطن.

ولعلّ الحدثين المذكورين يؤكدان طبيعة إسرائيل كدولة استعمارية وعنصرية إزاء الفلسطينيين. هذا التوصيف استخدمته العديد من المنظمات الأممية كمنظمة هيومن رايتس ووتش، ومنظمة العفو الدولية، ومفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وحتى منظمة بتسيليم الإسرائيلية.

إسرائيل ظهرت في الأيام الأخيرة كدولة متعصّبة ومتطرّفة وعنيفة. ومن الأمثلة على هذا الجانب مشاهد الجنود المدججين بالسلاح والدروع، وما قامت به جماعات المستوطنين من اليهود المتطرفين القوميين والدينيين واليمينيين.

إسرائيل تصارع الآن الفلسطينيين الذين ذهبوا للتسوية معها على مسجد، وعلى جزء صغير من الأرض هنا وهناك، أو بضعة بيوت في هذه المنطقة أو تلك. ووصلت الأمور بإسرائيل إلى مصارعة الفلسطينيين على علمٍ سبق لها الاعتراف به في اتفاق أوسلو؛ علمٌ تعترف به معظم دول العالم، ويرفع في الأمم المتحدة، وفي البيت الأبيض الأمريكي!

واضح أن إسرائيل في كلّ ذلك تسير بخطوات حثيثة نحو كونها دولة يمينية وقومية ودينية متطرفة. ولا يقتصر الأمر على مجموعة مستوطنين فقط، إذ أن الأحزاب الكبرى، العلمانية والقومية واليسارية، لا تستطيع شيئا إزاء صعود التيار الديني والقومي المتطرف. بل إن هذه الأحزاب تعمل على مجاملتهم، وهذا ما يفعله الائتلاف الحاكم، وكلّ من سبقته من الحكومات الائتلافية في إسرائيل.

ومؤخراً، قدّم النائب إيلي كوهين عن حزب الليكود مشروع قانون للإقرار في الكنيست يحظر رفع العلم الفلسطيني. هذا المشروع لم يكن مقبولاً حتى لصحيفة هآرتس التي اعتبرته “غير منطقي”. وبحسب المقالة الافتتاحية للصحيفة يوم ٣٠ مايو ٢٠٢٢، فإنّ “العلم الفلسطيني هو علم الشعب الفلسطيني، وينبغي أن يكون في المستقبل علم دولة فلسطينية تقام إلى جانب دولة إسرائيل”. هآرتس قالت إنّ العلم الفلسطيني هو علم السلطة الفلسطينية التي أقيمت بقوة اتفاق سياسي مع إسرائيل، وهو رمزٌ شرعي لسلطة يعترف بها كلّ العالم، بما في ذلك إسرائيل. وأضافت الصحيفة: “إنّ الموقف المعادي من العلم الفلسطيني يدلّ على عملية تطرّف يجتازها المجتمع الإسرائيلي”. كما أنّ الهوس بالعلم الفلسطيني يمكن تفسيره على أنه “يذكّر الإسرائيليين بخطيئة الاحتلال، التي يتنكرون لها”. وختمت هآرتس بالتالي: “بقدر ما تواصل دولة إسرائيل محاولاتها التنكّر لوجود الشعب الفلسطيني، ورموزه، وعلمه، وتاريخه وتطلعاته للاستقلال، فإن الأمر لن ينجح”.

التيارات التي أقامت الحركة الصهيونية وإسرائيل كانت محسوبة على التيار العلماني والديمقراطي. لكن هذا التيار طابق بين القومية والدين، وهذه مطابقةٌ مزيفة. كما أنّه استند إلى الأسطورة الدينية التوراتية لكسب جماهير اليهود، وتبرير إقامة دولة فيما اعتبر أنه “الأرض التي وعد الرب بها شعبه المختار!”. بيد أنّ سخرية التاريخ كانت مريرة، فبدلاً من أن تعمل هذه التيارات العلمانية على توظيف الدين لصالحها، فإذا بها تعمل لخدمته كما نشهد من كلّ التطورات الداخلية في المجتمع الإسرائيلي. هذا الأمر يظهر بوضوح أيضاً في نمط القوانين، وفي مدى تحكّم التيار الديني بالحياة في إسرائيل، وضمنها نمط العلاقة مع الفلسطينيين.

في هذا السياق، يتناول المحلل الإسرائيلي ناحوم برنياع التجاوزات التي قام بها المستوطنون والمتطرفون اليهود في يوم القدس. وكتب برنياع في صحيفة يديعوت أحرونوت: “هيمن الصهاينة من المتدينين واليمينيين على هذا اليوم واحتكروه لأنفسهم. هذا اليوم بات سبباً للاستفزاز أكثر من كونه سبباً للاحتفال. فهؤلاء المتطرفون استخدموا اليوم لاستفزاز الحكومة لأنها ليست يمينية بما يكفي على حد رأيهم. كما سخّر هؤلاء اليوم لمعارضة وجود العرب في القدس والضفة الغربية. كما أن مشاعر الكراهية تجاه العرب حلّت مكان محبّة القدس”.

المحلل السياسي الإسرائيلي نير حسون تناول بدوره ما حدث في يوم القدس. وكتب نير حسون في صحيفة هآرتس: “المشاركون في المسيرة انطلقوا بأغنية “الموت للعرب” أو “لتحرق قريتكم””.

إسرائيل منذ قيامها تصرفت باعتبارها دولة يهودية، أو على نحو أدق باعتبارها دولة اليهود الخاصة. ويمكن ملاحظة هذا الأمر في “إعلان الاستقلال”، وشبكة المؤسسات، والعلم والنشيد والرموز. كما أن الأمر ينسحب على منظومة القوانين، خاصة قانون “العودة”، الذي يمنح أي يهودي مهاجر إليها مكانة مواطن، وقانون “ملكية الأراضي”، الذي يجعل أراضي فلسطين، أي ما تسميه “أرض إسرائيل”، ملكا حصريا لـ “شعب إسرائيل”.

كلّ ما سبق أدى إلى ثلاث مشكلات. وتمكن المشكلة الأولى في التناقض بين اليهودية والإسرائيلية، أو بين ما يمكن تسميته بالقومية الإسرائيلية الناشئة عن قيام إسرائيل، واعتبار اليهودية بمثابة هوية أو رابطة قومية. أما المشكلة الثانية فتتعلق بتعريف من هو اليهودي: فهل هو المتدين حصرا، أم أن التعريف يشمل اليهودي العلماني؟ وهل اليهودية قومية، أم هي دين؟ وبديهي أن تلقي هذه الأسئلة بظلالها على علاقة الدين بالدولة، وعلاقة الدين بالقومية. وعلى ضوء ذلك، فقد تطلّب هذا الأمر نقاشات مضنية في الوسط الأكاديمي الإسرائيلي، فضلا عن أوساط المتدينين والسياسيين والمثقفين. وتكمن المشكلة الثالثة في البناء الديمقراطي للمجتمع والدولة، تبعا للسؤال عن العلاقة بين الدين والدولة. ويعني تعريف إسرائيل باعتبارها الدولة القومية لليهود إخراج المواطنين من غير اليهود من دائرة المواطنة من الناحية القانونية. وبكلماتٍ أخرى، فإن ذلك سيؤدي للتمييز ضد غير اليهود على أساس الدين، واعتبارهم مواطنين من درجة أدنى. وبديهي أنّ ذلك يهدّد أساسا الفلسطينيين من مواطني إسرائيل.

التوجّه الراهن لا ينمّ عن واقع قوة في إسرائيل، وإنّما عن توتر وتأزم وقلق في أوضاعها الداخلية وفي رؤيتها لذاتها وفي علاقتها مع الفلسطينيين والمحيط العربي. كما أنّ هذا التوجه يبيّن أن إسرائيل، التي طالما اعتبرت ذاتها واحة للعلمانية والحداثة في المنطقة، تتراجع لصالح اليمين القومي والديني فيها، لاسيما أننا نتحدث عن دولة لا زالت لم تعرف حدودها لا الجغرافية ولا البشرية.

أخيرا، يجدر التذكير أن مدينة القدس ظلت بمثابة بؤرة أو مفجرة لعديد من الانتفاضات والهبات. يأتي ضمن ذلك هبة النفق التي نجمت عن حفر إسرائيل لنفق تحت المسجد الأقصى في أول عهد لبنيامين نتنياهو في رئاسة الحكومة. وأسفرت هذه الحادثة عن مصرع 65 فلسطينيا مقابل 17 إسرائيلياً. وشاركت في هذه الهبّة قوات الأمن الفلسطينية، وكانت أوّل مواجهة فلسطينية – إسرائيلية بعد اتفاق أوسلو. وفي عام 2000، أدى انتهاك أريئيل شارون لحرمة المسجد الأقصى إلى وقوع الانتفاضة الثانية. ونجم عن هذه الانتفاضة مصرع حوالي 5000 من الفلسطينيين مقابل 1040 من الإسرائيليين. وفي العام الماضي، شهدنا هبة الفلسطينيين، من النهر إلى البحر احتجاجا على محاولة اقتلاع فلسطينيين من بيوتهم في حي الشيخ جراح في القدس الشرقية.

تصرّ إسرائيل على طابعها كدولة استعمارية واستيطانية ويهودية وعنصرية. وكلّ ما يجري يؤكد أنها غرقت في مستنقع التيارات الأصولية المتطرفة والتي تقبع أسيرة أساطير التاريخ، والأوهام الخرافية. وبطبيعة الحال، فإن هذا التوجّه الإسرائيلي لن يكون في صالح اليهود فيها، ولا في صالح العلاقة مع الفلسطينيين.

ملاحظة

الأفكار الواردة في هذه التدوينة هي آراء المدوّن الخاص بنا ولا تعبّر بالضرورة عن آراء أو وجهات نظر فنك أو مجلس تحريرها.