وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

إسرائيل بعد 75 عاماً على قيامها

تأسيس دولة إسرائيل كان لحل "المسألة اليهودية" و"وضع نهاية لاضطهاد اليهود في أوروبا". لكن ذلك أدى إلى ظهور ثلاث مشكلات غير قابلة للحل.

إسرائيل بعد 75 عاماً
صورة تم التقاطها يوم 6 مايو 2003 لجنودٍ إسرائيليين وهم يطلقون النار في الهواء بالمقبرة العسكرية المطلة على القدس القديمة ومسجد قبة الصخرة، وذلك في ذكرى تأسيس دولة إسرائيل. المصدر: MENAHEM KAHANA/ AFP.

ماجد كيالي

قامت دولة إسرائيل في عام 1948 بفعل نشاط الحركة الصهيونية ودعم الدول الاستعمارية لها. وكان الهدف من إقامة هذه الدولة، بحسب وصف البعض، حلّ “المسألة اليهودية” و”وضع نهاية لاضطهاد اليهود في أوروبا”.

بيد أنّ إقامة إسرائيل أدى إلى نشوء العديد من القضايا الأخرى. ومن أبرز تلك القضايا المسألتان الإسرائيلية والفلسطينية. يضاف إلى ذلك الإشكالية المتعلقة بكيفية إدراك العرب للغرب، أو توتر العلاقات بين العرب والغرب.

في المحصلة، قامت إسرائيل قبل 75 عاماً على أساس صوغ الحركة الصهيونية لما يوصف بـ “حلّ قومي للمسألة اليهودية على أراضي فلسطين”. وهنا، لا بدّ من الإشارة إلى نشوء المسألة اليهودية في البلدان الأوروبية المعنية أصلاً، أي في مواطن اليهود ذاتهم. كما أنّ هذه المسألة جاءت في سياق التحولات السياسية والاقتصادية الحاصلة حينذاك في تلك البلدان. وعلى ذلك، فقد تم اقتلاع اليهود من بلادهم وتوطينهم في مكانٍ آخر على حساب شعبٍ آخر وهو الشعب الفلسطيني.

اللافت هو استغلال الحركة الصهيونية، التي يفترض أنها حركة علمانية، للدين اليهودي في أغراض التعبئة. وتم الترويج للعديد من الأساطير المماثلة لـ “شعب الله المختار” و”عودة اليهود من الشتات إلى أرض الميعاد”. ففي المعتقدات الدينية أو الأسطورية لليهود، فإن فلسطين “أرضٌ بلا شعب لشعبٍ بلا أرض”.

وبصرف النظر عن تسبّبها باقتلاع اليهود من مواطنهم ومجتمعاتهم وثقافاتهم السابقة، فإن فكرة “القومية اليهودية” انطوت على تناقض بيّن. وكما هو معروف، فإن القومية مفهومٌ سياسي حديث، ويختلف عن الفكرة الدينية. وليس ثمة فكرة سابقة تدّعي التطابق بين الدين والقومية في الديانات السماوية أو الأيدلوجيات الأرضية.

وحتى لو أخذنا الطابع الخاص للديانة اليهودية، فإنّ المجموعات البشرية بحاجة إلى عوامل أساسية كي تتطوّر إلى مرحلة “القومية”. ومن هذه العوامل الاشتراك في الثقافة والتاريخ والإقليم وطريقة العيش. وكما هو معروف، فإنّ اليهود جاؤوا من عشرات البلدان، على اختلاف لغات وثقافات وتاريخ وهويات تلك البلاد.

إسرائيل تمكّنت، فيما بعد، من تخليق مجتمع يعيد إنتاج ذاته بفضل ما تسميه “بوتقة الصهر” خاصّتها. والآن بات نحو 70 بالمئة من يهود إسرائيل من مواليدها. واعتمدت بوتقة الصهر الإسرائيلية على إحياء اللغة العبرية، والاستناد على سردية دينية للتاريخ، وإضفاء تبرير تاريخي و”أخلاقي” على قيامها. ولعبت العديد من المؤسسات دوراً في تحقيق هذه السياسة. وتمتد القائمة لتشمل الجيش الإسرائيلي، والجامعات، واتحاد عمال إسرائيل “هستدروت“. يضاف إلى ذلك الأحزاب، والمستوطنات الجماعية الإسرائيلية “الكيبوتسات” والمستوطنات الزراعية التعاونية “الموشاف“، ومتحف الهولوكوست والصحف.

وتكمن المفارقة في أنّ الصهيونية التي نجحت في إنشاء إسرائيل انحسر وجودها. وعلى هذا الأساس، انتهى دور كيانات مثل “المنظمة الصهيونية” و”المؤتمر اليهودي العالمي” و”الوكالة اليهودية“. وحتى الكيانات الجمعية التي تم ذكرها، تكاد تتلاشى، أو انحسر دورها نتيجة عدّة تحولات. وتشمل هذه التحولات الخصخصة في إسرائيل، وسياسات حكومة ليكود، والتحالف بين اليمين القومي والديني المتطرف.

الصهيونية ذهبت ككيانية سياسية. وباتت صنيعتها إسرائيل النتاج المتجسّد لحلّ المسألة اليهودية في أوروبا. بيد أنّ “حل المسألة اليهودية” أدى إلى ولادة “المسألة الإسرائيلية”. ولا تتعلق هذه المسألة بوجود اليهود الإسرائيليين في مقابل وجود الفلسطينيين أو وجود الدول العربية، بل إنها تتعلق بيهود إسرائيل وحدهم، وبمعنى وجود دولتهم. بالنسبة لهؤلاء، ثمة هوية إسرائيلية يجري تطويرها في إطار دولةٍ تختلف فيها سرديات الثقافة والتاريخ والسياسة ونمط الحياة.

وبطبيعة الحال، فإنّ هذه الهوية تمايز بين “اليشوف” ويهود الشتات. ويفسّر هذا التمييز الجدل الدائر حول ماهية اليهودي (هل هو متدين أم علماني). كما يبرز لنا هذا التصوّر التساؤل الدائر حول اليهودي الحقيقي أو الصهيوني الحقيقي (من الذي يحقّ له التقرير في شؤون إسرائيل، هل هو اليهودي الإسرائيلي، أم اليهودي خارجها). كما يأتي في هذا السياق الجدل الدائر حول إذا ما كانت إسرائيل مركزاً ليهود العالم أو أنها فقط أحد مراكزهم.

هكذا، وبدل أن تتحوّل إسرائيل إلى “دولة حلّ”، فإنّها أضحت “دولة مشكلة”. وهنا، نشأت هوية إسرائيلية مدنية مقابل هوية يهودية دينية ومتخيّلة. وبدل أن تحمي هذه الدولة اليهود وتقدّم الدعم لهم، فإنها باتت بمثابة عبء سياسي وأمني واقتصادي وأخلاقي على يهود العالم، والدول التي تدعمهم.

فوق كلّ ذلك، لا بد من الانتباه إلى أنّ المسألة الإسرائيلية نجمت أيضاً عن الإخفاق في إقامة دولة يهودية خالصة. وكما هو معروف، فقد ظلّت إسرائيل بمثابة دولة “ثنائية القومية” مع وجود الفلسطينيين فيها. والأنكى أنّ هذه الدولة لم تحافظ على كونها دولة ديمقراطية سليمة، فهي تمارس إجراءات تمييزية بحقّ الفلسطينيين بسبب الدين.

تديين الصهيونية بدل علمنتها لم يؤثّر فقط في مفاقمة التمييز ضد الفلسطينيين، وإنما أيضاً في التضييق على اليهود العلمانيين أنفسهم. وبات هؤلاء يرون أنفسهم في دولةٍ دينية أخرى. والدليل على ذلك ما تشهده إسرائيل هذه الأيام من مظاهرات حاشدة ضد حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة. وكما هو معروف، فإن هذه الحكومة تحاول مصادرة الديمقراطية بالتزامن مع تعزيز طابع إسرائيل كدولة يهودية.

المسألة الثانية هي المسألة الفلسطينية. وهذه المسألة متشعّبة وفهمها يتطلب التعرّف على مكوناتها الديمغرافية. ونبدأ شرح هذه المسألة بالفلسطينيين الذين تشبّثوا في أراضيهم عند قيام إسرائيل. وبات هؤلاء يشكلون اليوم 24 بالمئة من مواطني إسرائيل. وشكّل هؤلاء عامل كبح لإمكان تحوّل إسرائيل إلى دولة يهودية خالصة. كما أنّ نضالهم ضد التمييز ضدهم كشف حدود الديمقراطية الإسرائيلية وطابعها العنصري.

أيضا، ثمة فلسطينيون في الأراضي المحتلة عام 1967. ويعيش هؤلاء في ظل الاحتلال الإسرائيلي. وتثير مقاومتهم تعاطف العالم، وتعرض إسرائيل باعتبارها دولة استعمارية وعنصرية ودينية.

وفوق هذين المكونين الفلسطينيين، فإن هناك الفلسطينيين‏ اللاجئين، وقضيتهم حقّ العودة. ويشكّل هذا الحق عقبةً رئيسة في إمكان تطبيع إسرائيل وجودها في المنطقة. كما أنّ وجود اللاجئين الفلسطينيين يحول دون إمكان عقد تسوية تختزل قضية فلسطين في الاحتلال الإسرائيلي الذي بدأ عام 1967. وهنا، لا بد من الإشارة إلى أنّ قضية اللاجئين وروايتهم تشكلان أساس الهوية والوطنية الفلسطينية المعاصرة.

أما المسألة الثالثة، فتتعلق بإدراكات العرب للغرب. وفي هذا المقام، علينا أن نكون على دراية بأنّ وجود إسرائيل أصبح عبئاً سياسياً وأخلاقياً على الدول الغربية. ليس ذلك فحسب، بل إنّ هذه الدولة باتت تشكل عبئاً أمنياً واقتصادياً على العالم الغربي.

ومن منظور معظم مواطني البلدان العربية، لا يمكن النظر إلى الدول الغربية دون رؤية الدعم الذي قدمته هذه الدول لإسرائيل. وبالتالي، فإنّ هذا التصوّر يثقل على إمكانية خلق علاقات سوية أو سليمة بين العرب والغرب. وبطبيعة الحال، لا بد من العمل على تشكيل العرب لإدراكاتٍ أكثر موضوعية عن الغرب، بما يمكّنهم من المصالحة مع ذاتهم ومحيطهم وعصرهم. كما أنّ هذه الإدراكات يحتاجها الغرب لعالمٍ أكثر استقراراً وطمأنينة وسلاماً.

ومن الأمثلة على ما يحول دون خلق تصوّر عربي سليم عن الغرب هو تصريحات رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين الأخيرة لتهنئة إسرائيل بذكرى تأسيسها الخامسة والسبعين. ففي حين تحدثت المسؤولة الأوروبية عن “تحقيق الشعب اليهودي حلمه بتأسيس دولة في أرض الميعاد”، فإنها تناست مأساة الشعب الفلسطيني نتيجة النكبة. وفي الوقت الذي تغنّت به بـ “ديمقراطية إسرائيل في الشرق الأوسط”، فإنها تناست ما تقوم به هذه الدولة من انتهاكات لحقوق الشعب الفلسطيني، وهي انتهاكاتٌ موثقة في تقاريرٍ دولية كثيرة.

ملاحظة

الأفكار الواردة في هذه التدوينة هي آراء الكاتب الخاص بنا ولا تعبّر بالضرورة عن آراء أو وجهات نظر فنك أو مجلس تحريرها.