وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

في مصر، سكان سيناء يعيشون جحيماً لا يطاق

Egypt Sinai terrorism policemen
Egyptian policemen in the North Sinai provincial capital of El-Arish. Photo AFP

لعقودٍ طويلة، عانى أهالي شمال سيناء من التهميش وغياب الدولة وأجهزتها، مما أدى إلى العيش في ظروف صعبة وانتشار البطالة والفقر والمرض واعتناق كثير للفكر المتطرف الذي يجد بيئته الحاضنة في مثل تلك الأوضاع. ولكن بعد ثورة يناير من عام 2011 كان نصيب هؤلاء من المعاناة والتنكيل أكبر بكثير. فقد واجه الأهالي عنفاً غير مسبوق وتنكيلاً شديداً وسياسة ترحيل وإخلاء قسري منهجية جعلت الجزء الأكبر من تلك المنطقة عبارة عن مدن وقُرى للأشباح.

عرف سكان مُدن وقُرى سيناء المعاناة منذ زمن طويل نظراً لموقع شبه الجزيرة الاستراتيجي في شرق مصر حيث مدخل النزاعات التاريخية وخاصة مع الصراع العربي الإسرائيلي. وفي أعقاب إبرام معاهدة السلام مع إسرائيل في عام 1979 وعودة سيناء إلى السيادة المصرية في عام 1982، انتظر الناس زمن التنمية والإعمار الذي لم يأتِ أبداً. وخلال عهد حسني مبارك كان الغياب هو العنوان الكبير لعلاقة الدولة بشمال سيناء، حيث تردت الخدمات الصحية والتعليمية مع خلو تام من الجامعات أو المراكز الثقافية أو دور السينما في كامل محافظة شمال سيناء. ومع ندرة فرص العمل –إلا من بعض الأعمال الزراعية –ومع الحصار الذي ضُرب على قطاع غزة المجاور للمحافظة من قِبل مصر وإسرائيل، شاع التهريب كمصدر دخل للألاف من السكان، وفي بيئة كتلك بدأ الفكر المتطرف ينمو في تلك البقعة جالباً معه الويل للجميع.

سيناء والإرهاب

Sinai terrorist attacks AR 1024
المصدر: Wikipedia and Global Terrorism Database ©Fanack CC BY 4.0

شهدت سيناء عدة عمليات إرهابية قبل ثورة يناير 2011، وتحديداً في أعوام 2004 و2005 و2006 راح ضحيتها العشرات من السياح ورجال الأمن، إلا أن جميعها حدث في محافظة الجنوب، ولكن عادة ما كان يتبع ذلك تنكيلاً بأهالي سيناء جميعهم شمالاً وجنوباً. وبعد سقوط مبارك عام 2011، شهدت محافظة الشمال تزايد حدة العنف والحوادث المسلحة بدأت بعمليات تفجير خط الغاز الواصل بين مصر وإسرائيل قرابة 15 مرة.

تفجرت بعد ذلك العمليات الإرهابية خاصة الموجهة ضد قوات الجيش والشرطة مع تعدد التنظيمات المسلحة الذي ارتبط بعضها بتنظيم القاعدة، وخاصة جند الإسلام، والأخرى الأكثر نشاطاً المرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية أو المعروفة إعلامياً باسم ولاية سيناء. وقد كان أبرز تلك العمليات مذبحة رفح الأولى التي وقعت في أغسطس من عام 2012 بمنطقة الماسورة بمدخل مدينة رفح المصرية على الحدود مع فلسطين المحتلة، حيث أسفر الحادث عن استشهاد 16 ضابط ومجند وإصابة 7 آخرين، واستولى المنفذين على مدرعتين تابعتين للجيش حاولوا اقتحام الحدود بهما، إلا أنه تم مهاجمتهم بقوات إسرائيلية قتلت المهاجمين الثمانية.

وتبع تلك المذبحة مذابح عدة زادت وتيرتها بعد عزل رئيس الجمهورية السابق محمد مرسي بانقلابٍ مسلح في يوليو 2013. وقد بلغ عدد تلك العمليات أكثر من ألف عملية كان من أبرزها عملية كرم القواديس التي هاجمت المجموعات المسلحة فيها عدة أكمنة أمنية بشكل متزامن في أكتوبر من عام 2014، وعملية تفجير الطائرة الروسية متروجيت، الرحلة 9268، بعبوة ناسفة زرعها تنظيم الدولة الإسلامية وأودى بحياة كل من كان عليها وبلغ عددهم 224 راكب بجانب الطاقم، وكذلك مذبحة مسجد قرية الروضة والتي راح ضحيتها حوالي 305 من المصلين وهو ما مثل قرابة ثُلث الذكور في القرية. وكان آخرها الهجوم الذي وقع على كمين أمني أثناء صلاة العيد الذي وافق يوم 5 يونيو الجاري أدى إلى مقتل ضابطين و8 جنود. بالمجمل، أودت العمليات الإرهابية بحياة قرابة ألف من جنود وضباط الجيش والشرطة إضافة إلى آلاف من الأهالي المدنيين الذين راحوا ضحايا الإرهاب وعمليات مكافحة الإرهاب.

العمليات العسكرية

أطلق الجيش المصري عدة عمليات عسكرية لمكافحة الإرهاب، كان أولها العملية نسر التي انطلقت في أغسطس عام 2011، تبعها عملية سيناء في أغسطس 2012، وحق الشهيد عام 2016، والعملية الشاملة عام 2018. تخللت العمليات مواجهاتٍ متواصلة ومداهمات بين الطرفين، إلا أن خلال تلك المواجهات نال أهالي سيناء من المدنيين النصيب الأكبر من التنكيل والأذى من الطرفين المتحاربين. كما استهدفت الجماعات المسلحة المدنيين في كثير من العمليات، لا سيما المتعاونين مع الجيش، الذين عادة ما يتم التنكيل بهم علناً بقطع رؤوسهم أو إعدامهم ميدانياً أمام الناس لتخويفهم.

من جهته، توسع الجيش في عمليات القتل والاعتقال العشوائي والتعذيب للأهالي للحصول على معلومات خاصة بالجماعات أو للاشتباه في التعاون معهم. وقالت منظمة هيومان رايتس ووتش إن القوات المصرية اعتقلت بين عامي 2013 و2015 قرابة 12 ألف شخص، عانى أغلبهم من الاختفاء القسري والتعذيب. بينما وثق مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب عام 2016 فقط أكثر من 1200 عملية إعدام خارج نطاق القانون قبل أن يتم إغلاقه من قبل السُلطات.

التهجير

وداخل هذا الجحيم المُحقق بين طلقات المدفعية والقصف الجوي وطلقات الرصاص واجه الأهالي خطة منهجية للترحيل قسراً من مدنهم وقراهم. بدأ ذلك بالقرار الحكومي بإخلاء مساحة عمقها 400 متر على طول الحدود بين مصر وقطاع غزة بإجمالي مساحة تقارب 80 كيلو متر مربع، ثم تمدد الإخلاء حتى شمل مدينة رفح بأكملها وكل قراها تقريباً وذلك عبر حصار فُرض عليها من قبل قوات الجيش والشرطة مُنع خلاله إدخال أي مواد غذائية أو سلع للأهالي، وسُمح فقط بمرر السيارات لنقل من يود الخروج. ووفق شهادات من بعض الأهالي لفَنَك، فقد قامت القوات بحرق عدة سيارات بعد ضبطها نقل مواد غذائية لتلك القُرى مما دفع بعضهم للعيش على أوراق الشجر وبعض الثمار، حتى لم يتبقِ من الـ 11 قرية التابعة لمركز رفح إلا عدد قليل من السكان بقرية الحسينات والتي يتم تهجيرهم حالياً وفق شهادة بعض سكان الشيخ زويد القريبة منها.

وبعد تهجير رفح جاء الدور على الشيخ زويد والعريش. ووفق شهادات من أهالي الشيخ زويد، تم تهجير جميع السكان من قُرى التومة، واللفيتات، والزوارعة، والمقاطعة، والغراء والخروبة، بينما تقلص عدد السكان في باقي القرى بشكل كبير. أما العريش فقد أصدر السيسي قراراً بعمل حرم لمطارها بمساحة تبلغ 5 كيلو مترات من جميع الاتجاهات، وهو ما عنى إخلاء مساحة 25 كيلو متراً من مساحة المدينة البالغة 48 كيلو متراً، وهو القرار الذي شرّد الآلاف من السكان وجرف المئات من الدونمات من الأراضي الزراعية التي تُعتبر مصدر دخل الآلاف من السكان. وقد نشرت منظمة هيومان رايتس ووتش منتصف عام 2018 صوراً جوية أظهرت توسع شديد في أعمال التهجير والقصف.

ومؤخراً، ووفق شهادات من سكان مدينة الشيخ زويد، فإن الأحوال المعيشية في عام 2019 قد تحسنت مقارنة بالعام الماضي الذي وصفوه بشديد القسوة، حيث أصبح هناك توافر للسلع الغذائية والبضائع، مع تقنين في بيع الوقود بمعدل 30 لتر في الأسبوع للسيارات الخاصة، و60 لتر لسيارات النقل، وعادت محطة الغاز الوحيدة بالمحافظة للعمل من 6 صباحاً وحتى 12 ليلاً، بينما لم يتوقف القصف المدفعي أو الجوي في محيط المدن وعمليات تدمير المنازل. وفي مايو، قتل 5 أشخاص وأصيب 8 بقرية الجورة التي تبعد 10 كيلومترات جنوب مدينة الشيخ زويد بصاروخين من طائرة حربية.

علاوةً على ذلك، لا تزال إجراءات التفتيش الطويلة والمهينة والكثيرة داخل الكمائن والنقاط الأمنية بين المدن والقرى قائمة. كما تشهد المناطق اعتقالات بشكل دوري تشمل رجالاً وسيدات سواء للاشتباه أو لصلتهم أو قربهم العائلي من بعض المطلوبين حتى لو من طرف بعيد. المحظوظون منهم يتم احتجازهم ومنهم من لا يُرى مُجدداً إلا في بيانات المتحدث العسكري على أنهم قتلى اشتباكات مسلحة.

إلى جانب تلك الأوضاع الأمنية فإن هناك ظروفاً معيشية شديدة القسوة يُعانيها السكان في عموم المحافظة، فبعد تجريف ومصادرة الأراضي الزراعية وفرض الطوق العسكري على عموم المحافظة عمّ الفقر المدقع على عموم السكان. كما أن هناك انقطاع شبه دائم للتيار الكهربائي، يستمر أحياناً ليوم أو يومين متواصلين. وكذلك مياه الشرب التي لم تُضخ للمدينة منذ فبراير 2018، بينما يعتمد السكان على المياه الجوفية، وتوقف الغالبية العُظمى من المدارس والمستشفيات والوحدات الصحية في القرى بالرغم من عمل أغلب الموجود في المدن، كل هذا تحت ستار من قرارات منع النشر والتضييق التام على العمل الصحفي وحظر التجول الدائم ومنع من الدخول، حتى صارت محافظة شمال سيناء معزولة تماماً عن مصر.

صفقة القرن

تزامناً مع تلك الأوضاع، ترددت شائعات كثيفة حول دخول تلك المناطق فيما عُرف إعلامياً بصفقة القرن الأمريكية، حيث نشرت صحف إسرائيل اليوم ويدعوت أحرنوت العبرية أن جزءاً كبيراً من الصفقة سيكون بإقامة مشاريع صناعية وتجارية للفلسطينيين في شرق سيناء وكذلك إنشاء مطار لهم مع تسهيلات مصرية بدخول وخروج الفلسطينيين إلى تلك الأماكن مقابل امتيازات مالية ضخمة ستحصل عليها القاهرة.

تلك التسريبات والشائعات مع الصمت المصري المُطبق جعل أهالي سيناء في مهب الريح. ويقول أحد أهالي المحافظة في حديث لـفنك، “إن كل ما نعيشه من ظروف بالغة القسوة ليست هي المعاناة الحقيقية، إن معاناتنا الحقيقية هي المجهول الذي تُسلمنا إليه الدولة وغياب المستقبل. تلك الحالة التي تركتنا فريسة للشائعات التي تُعطل أي خطط بشأن الاستقرار او القدرة على الثبات.”


user placeholder
written by
veronica
المزيد veronica articles