تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

النفوذ الأوروبي والعثماني في الجزائر

النفوذ الأوروبي والعثماني في الجزائر
حدود الامبراطورية العثمانية عام 1680 ميلادي

أعقبت نهاية حكم الموحدين في أوائل القرن الثالث عشر فترة من الهدوء النسبي في عهد سلالة الزيانيين التي حكمت غرب الجزائر من عاصمتهم تلمسان. وعادت منطقة شمال إفريقيا نوعاً ما إلى الوضع السياسي الذي كان سائداً في الفترة الرومانية، مع قيام ثلاث إمبراطوريات بربرية على الأراضي التي تعرف اليوم بالجزائر والمغرب وتونس على التوالي. ونظراً إلى عدم وجود إمبراطورية إسلامية قوية تواجهها، سعت القوى الأوروبية المتنامية إلى تعزيز نفوذها في منطقة البحر الأبيض المتوسط. تزامن ذلك مع فترة اضطراب نتيجة غزو القوات الأوروبية للمغرب العربي وحكم زعماء محليين جعلوا معيشتهم من الإغارة على السفن التجارية في البحر الأبيض المتوسط. وسعت إسبانيا بشكل خاص إلى نشر حكمها في شمال إفريقيا وتورطت في صراع قوي مع الإمبراطورية العثمانية الناشئة. وتدريجياً، احتل العثمانيون الأتراك أجزاء كبيرة من العالم العربي (باستثناء المغرب) ومنطقة البحر الأبيض المتوسط.

طالب سكان مدينة الجزائر السلطان العثماني بالحفاظ على النظام، وبالتالي أصبحت مدينة الجزائر جزءً من الإمبراطورية العثمانية في القرن السادس عشر. فأصبح لممثلي الإمبراطورية المحليين في مدينة الجزائر يتمتعون باستقلالية واسعة. سيطر القادة الأتراك على المدن الساحلية بشكل خاص، وكانوا أقل نفوذاً في المناطق الداخلية التي شهدت اندلاع ثورات محلية قامت بها مجموعات قبلية. وبقيت الانقسامات الإقليمية قائمة، حيث لم يكن هناك هوية جزائرية في ذلك الوقت.

حقبة الاستعمار الفرنسي

الجزائر فرنسا غزو
الغزو الفرنسي للجزائر مابين اعوام (1830-1956)

عام 1830، غزت حملة عسكرية فرنسية مدينة الجزائر بحجة تعرض السفير الفرنسي للإهانة من قبل الحاكم العثماني المحلي (الداي). في الواقع، كان الغرض من هذه العملية العسكرية التستر على سوء الإدارة الاقتصادية المحلية من قبل حكومة باريس وذلك بإثارة المشاعر الوطنية. وتماشياً مع النظام الإمبريالي في أوروبا، تمسك الفرنسيون بالأرض عندما وجدوا فيها فرصاً اقتصادية وسياسية هامة من وراء استعمار الجزائر. لم تكن السهول الساحلية خصبة وذات أهمية اقتصادية كبيرة فحسب، إنما أيضاً “صمام أمان” سياسي، وذلك من خلال توفير الأراضي للفلاحين الفقراء القادمين من فرنسا. وبشكل عام، سيطر الأراضي الجزائرية شركات زراعية كبرى، خاصة صناعة النبيذ.

منذ البداية، أدى الاستعمار المستمر إلى بروز مقاومة شديدة من قبل الزعماء المحليين والسكان. وكان أبرز زعماء المقاومة الأمير عبد القادر الجزائري، الذي تمكن لبعض الوقت من السيطرة على جزء كبير من الجزائر. غير أن جيوش عبد القادر تعرضت للهزيمة على يد القوات العسكرية الفرنسية. بعد عام 1962، احتل الأمير مكانة مرموقة في التاريخ الرسمي للدولة المستقلة، باعتباره مؤسس الدولة الجزائرية الأولى وبالتالي طليعة “جبهة التحرير الوطني”. شهدت منطقة القبائل ثورات منتظمة، شملت ثورة المقراني عام 1871. وفي الصحراء الكبرى الجنوبية، قاومت جيوش الطوارق أيضاً الجيش الفرنسي، الذي لم يتمكن من السيطرة على المناطق الساحلية إلا بعد هزيمة الطوارق عام 1902.

أصبحت الأراضي المستعمرة موطناً لمئات آلاف المستوطنين القادمين من فرنسا وغيرها من الدول الأوروبية الجنوبية. عام 1848، تم ضم الجزائر إلى فرنسا وتقسيمها إلى ثلاث مقاطعات. وأصبح المستعمرون الأوروبيون وذريتهم مواطنين فرنسيين بشكل تلقائي. وينطبق الأمر ذاته على الطائفة اليهودية، والتي شكلت جزءً من الجزائر مدة ألفي سنة. وبموجب مرسوم “كريميو” لعام 1870، أصبح كافة اليهود الجزائريين مواطنين فرنسيين.

أسس معظم المستعمرين، والذين يطلق عليهم أيضاً اسم “الأقدام السوداء”، شركات زراعية لإنتاج عنب النبيذ أو البرتقال أو الحبوب. ونمت المدن الرئيسية لتصبح شبيهة كالمدن الفرنسية – حيث أن الجزائر لم تكن بنظر المستعمرين والقيادة السياسية في باريس مجرد مستعمرة، وإنما أيضاً جزء من فرنسا ذاتها. ونتيجة الهيمنة الفرنسية أصبح الجزائريون مواطنين من الدرجة الثانية في بلادهم. ولم يتمكنوا من الحصول على الجنسية الفرنسية إلا عام 1958، أي بعد اندلاع حرب الاستقلال. وكمسلمين ضمن فرنسا، لم يكن لهم حقوق الأوروبيين الذين استوطنوا البلاد. وفي حال دمجهم في النظام الاقتصادي، كانوا يعملون كعمال في الممتلكات الاستعمارية. وكانت فرص التعليم محصورة بأقلية صغيرة من السكان الأصليين.