تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

تونس: مجيء الإسلام

في منتصف القرن السابع، واجهت المسيحية تحديات كبيرة في شمال إفريقيا، بما فيها تونس الحالية. بعد وفاة النبي محمّد، سيطرت الخلافة الأموية، التي حكمت بين 661-750 من دمشق، على الدولة الاسلامية المؤسسة حديثاً. وبقيادة عقبة بن نافع، دخل جيش عربي مسلم عام 670 إلى مقاطعة أفريقية الرومانية، وأسس باسم الدولة الأموية في دمشق مدينة القيروان (الحصن) التي أصبحت قاعدتهم في نضالهم ضد الاحتلال. كشف موقع مدينة القيروان بين الساحل والجبال عزم عقبة بن نافع على توسيع نفوذه إلى المناطق البربرية الجنوبية المستقلة في تونس، والتي لم تنج من سيطرة القرطاجيين والرومان.

كانت المقاومة الرئيسية للجيوش العربية المسلمة تتألف من قوات بربريّة، وغالباً من المسيحيين بقيادة كسيلة. لكن في نهاية المطاف، هُزم البربر وسُجن كسيلة. بالكاد اكتمل الفتح الإسلامي لشمال إفريقيا حتى تولى الخليفة عبد الملك السلطة (685-705)، مما أدّى إلى احتلال قرطاج ذات الأهمية الاستراتيجية.

على الرغم من التقدم التدريجي للجيوش العربية المسلمة في الأراضي البربرية، واصل بعض البربر المقاومة بشراسة. فعلى سبيل المثال، هاجمت قبيلة جراوة، زعيمتها امرأة عُرفت بين العرب باسم “الكاهنة”، جيوش المسلمين باستمرار، مع أنّها لم تشكل تهديداً على قاعدتهم في القيروان لأسباب استراتيجية. عام 696، هزمت الكاهنة العرب في تبسة، في الجزائر اليوم، لكنها لاقت مصرعها في نهاية المطاف في مدينة الجم الرومانية. بعد وفاتها، أصبحت الكاهنة أسطورة وبطلة وطنية يُحتفل بذكراها في تونس حتى يومنا هذا.

المسجد الكبير في القيروان
المسجد الكبير في القيروان

بعد سقوط الخلافة الأموية في دمشق عام 750، ازداد اضطراب البربر في شمال إفريقيا. وساعد قيام الخلافة العباسية السريع في بغداد عام 750 على احتواء الاضطرابات بعض الشيء. كما ضايق البعد الجغرافي لعاصمة الخلافة بعضاً من عرب أفريقية، الذين أزعجهم تدخل الخليفة في ما اعتبروه شؤوناً إقليمية. خلال الاضطرابات المتزايدة، قاد ابراهيم بن الأغلب، أحد الزعماء المحليين، جيشاً مكّنه من إرساء الاستقرار في أفريقية. وبعدما أعاد الاستقرار، مُنح لقب “أمير” وحكم هو وسلالته أفريقية بين 800-909. وفي عهد الأغالبة، تحسن اقتصاد أفريقية بشكل ملحوظ. كما تم تحسين نظام توزيع المياه لتزويد المدن وتعزيز زراعة أشجار الزيتون وغيرها من المنتجات الزراعية. وتم إنشاء طرق تجارية تربط أفريقية بالمناطق الداخلية من القارة، بما فيها السودان والصّحراء الكبرى. وربطت الطرق البحرية أفريقية بالإسكندرية في مصر، والتي سرعان ما أصبحت وجهة رئيسية للتجار.

على الرغم من الازدهار النسبي للسكان في ذلك الوقت، لم يحظ الحكم بشعبية في صفوف العرب والبربر. ويعزى ذلك إلى عدة عوامل مشتركة: افتقار النظام إلى الشرعية، والذي حكم من بغداد البعيدة جداً؛ نمط حياة الحكام “غير إسلامي” ؛ وعدم احترامهم للبربر الذين اعتنقوا الإسلام. فمثل هذه الممارسات كانت متعارضة مع المذهب المالكي الإسلامي السائد في تونس.

المملكة الرستمية

تونس تاريخ
المملكة الرستمية (الاسود)

تأسست المملكة الرستمية إثر تمرّد الخوارج على علي بن أبي طالب، الخليفة الرابع، الأمر الذي تسبب بانقسام جيوشه. كان الخوارج من أتباع معتقد متزمت ينادي بالمساواة استقطب عدداً كبيراً من البربر. وما لبث أن ثار الخوارج من البربر في شمال إفريقيا ضد الحكام بسبب سياسة التمييز ضد البربر المسلمين على شكل فرض ضريبة خاصة عليهم. وتلى ذلك عقود من الاشتباكات بين الخوارج والنظام الإسلامي العربي، نتج عنه هزيمة الخوارج البربر عام 772.

بقي بعض الخوارج في المنطقة وأسسوا دولة عاصمتها تيارت عام 776، على المنحدر الجنوبي من جبال الونشريس الموجودة اليوم في الجزائر. استمرت هذه الدولة حتى عام 909 وأصبحت جزءً من المملكة الرستمية التي أسسها عبد الرحمن بن رستم، إمام ذو أصول تونسية وفارسية. وحكمها زعماء دينيون من سلالة بن رستم.

لم يتمكن الأغالبة في أفريقية من هزيمة المملكة الرستمية المجاورة، وأرغموا على الاعتراف بسلطتها على منطقة الصحراء الكبرى في شمال إفريقيا. استمدت العاصمة تيارت ثروتها من سيطرتها على التجارة عبر الصحراء الكبرى؛ كان يتم نقل الذهب والعاج والعبيد على طول الطريق، مقابل الحصول على سلع مصنعة في حوض البحر الأبيض المتوسط. استقطبت المملكة الناس من جميع أنحاء العالم الإسلامي، بما في ذلك المسيحيين الذين كان الخوارج يرحبون بهم. عام 909، احتل الفاطميون المملكة الرستمية ومقاطعة الأغالبة في أفريقية لكن لا يزال هناك بعض الخوارج في شرق الجزائر وغرب ليبيا وجزيرة جربة في تونس.

تونس
الخلافة الفاطمية. @Fanack

السلالة الفاطمية

تأسست الحركة الفاطمية على يد أبو عبد الله الشيعي من اليمن وعبيد الله من سوريا. ظهرت هذه الحركة في المغرب بدعم من قبيلة كتامة البربرية من شرق الجزائر الحالية. كانت الحركة الفاطمية فرعاً من المذهب الشيعي، نظراً إلى أن عبيد الله المهدي بالله متحدر من نسب فاطمة ابنة النبي محمّد، ومن هنا جاء اسم الحركة. رحبت قبيلة كتامة البربرية برفض الفاطميين للخلافة في بغداد وانضموا

إليهم. وحرصاً على توسيع نطاق أراضيهم، هاجم الفاطميون الحكام الأغالبة على نحو متكرر، مما زاد من عدم استقرار أفريقية. عام 909، غزا الفاطميّون مدينة القيروان وفرضوا إخلاء قصر رقادة، كما استولوا في الوقت ذاته تقريباً على المملكة الرستمية.

بنيت “المهدية”، عاصمة الفاطميين على الساحل الشرقي لأفريقية، على اسم المهدي بالله، اللقب الذي كان يطلقه عبيد الله المهدي بالله على نفسه. استمدّ الفاطميون شرعيتهم من مصدرين: صلتهم المباشرة بالنبي محمّد؛ ولقب الخليفة الذي مُنح لأول حاكم لهم. مع ذلك، عارض العديد من السنّة بشدة توسع الفاطميين في أفريقية، بما في ذلك القيروان، نظراً إلى أن التعاليم الفاطمية الشيعية كانت متعارضة بشدة مع تعاليم المذهب المالكي السائد في ذلك الوقت. بشكل خاص، لم يكن نظام ضرائب الفاطميين القاسي مستحباً بين السكان السنّة. وكانت وفاة عبيد الله المهدي فرصة للخوارج لشن هجوم واسع النطاق على الفاطميين الذين كانوا حينها خاضعين لحكم ابن عبيد الله المهدي. أدى هذا الأمر إلى هزيمة هذا الأخير في المهدية في منتصف القرن العاشر، ولكن الفاطميين عادوا في النهاية إلى ساحة المعركة ونجحوا في محاصرة الخوارج.

لم يتمكن الفاطميون من فرض حكم صارم على شمال إفريقيا وتوسيع نطاق أراضيهم إلا في عهد المعز لدين الله، الخليفة الفاطمي الرابع، الذي تميز بسياساته الحربية الناجحة ودبلوماسيته الفعالة. لكن عام 968 اتجه الفاطميون شرقاً واحتلوا مصر وأسسوا عاصمتهم القاهرة. كما أسّسوا الجامع الأزهر الذي أصبح المركز الأساسي للمسلمين السنّة. عام 973، انتقل الخليفة الفاطمي المعزّ من أفريقية إلى مصر، و حكم حتّى عام 1171. ولم يعد الفاطميّون – الذين شكّلوا لفترة ما القوّة الإسلامية المهيمنة – إلى أفريقية على الإطلاق. واختفت قبيلة كتامة البربرية تدريجيّاً من مصر و شمال إفريقيا بعد صراع مرهق مع الفاطميين. وفي نهاية المطاف، أصبحت أفريقية خاضعة للبربر. وأصبح بولوغين بن زيري مؤسس السلالة الزيرية أول حاكم عليها. في حين كان البربر في البداية تحت حماية الخليفة الفاطمي الشيعي، إلا أنهم نالوا استقلالهم عام 1048. ونحو نهاية القرن الحادي عشر، غزت قبيلة بني هلال أفريقية وأضعفت السلالة الزيرية بشكل كبير. وإلى جانب عدم الاستقرار، استولى الصقليون النورمانديون على مدينة المهدية عام 1148.

تونس تاريخ
دولة الموحدون. @Fanack

الموحدون

تأسست حركة الموحدين في المغرب من قبل ابن تومرت من قبيلة مصمودة البربرية، وحكمت شمال إفريقيا منذ عام 1130. اتبعت هذه الحركة التفسير المتزمت للشريعة الإسلامية الذي يعلّم بوحدانية الله. ورفضوا تعاليم المذهب المالكي السني وكافة المذاهب الإسلامية الأخرى. بعد وفاة ابن تومرت، خلفه عبد المؤمن كأول خليفة من الموحّدين، وكانت مهمته تشكيل مجتمع إسلامي موحّد في شمال

إفريقيا بهدف غزو شرق المغرب العربي. في منتصف القرن الثاني عشر، وصل عبد المؤمن إلى الإمبراطورية الزيرية التي كانت آنذاك مزعزعة جداً جرّاء غزو النورمانديين لمدنية المهدية قبل بضع سنوات.

احتل عبد المؤمن مدينة تونس، مستفيداً من عدم الاستقرار في أفريقية، وتمكن من هزم النّورمانديين الذين غادر معظمهم أفريقية وبقي عدد قليل منهم كتجار. واصل عبد المؤمن احتلال الأراضي واستولى على طرابلس في نهاية المطاف. وللمرة الأولى، اتحد المغرب العربي تحت سلطة محلية. دفعت قوة الموحدين وثروتهم وصيت جيوشهم بملك إنكلترا جون إلى التحقق من قوة المغرب العربي الكبيرة لتحديد فيما إذا كان الموحدون يخططون للاستيلاء على إقليم أكيتانيا الإنجليزي شمال جبال البيرينيه.

لكن في النهاية، لم يكن للموحّدين الموارد البشرية والمادية اللازمة لإدارة إمبراطوريتهم البعيدة والدفاع عنها. ولم يمض عقدان من الزمن حتى أطلق بنو غانية، الذين كانوا يعتبرون أنفسهم ورثة المرابطين، ثورة في جزر البليار. فبلغ التمرد أفريقية عام 1148 وتزعزع استقرار المنطقة خلال العقود الخمسة التالية.

تونس
الحفصيون. @Fanack

سلالة الحفصيين

خلفت سلالة الحفصيين إمبراطورية الموحدين عام 1230، واستمرت حتى عام 1574. رفض الحفصيون سلطة الموحدين، مدعين أنهم الورثة الحقيقيون لابن تومرت، مؤسس حركة الموحدين. خلال حياته، أسّس ابن تومرت “مجلس العشرة” الذي تألف من أكثر الموالين للموحدين. وكان أبو حفص عمر الهنتاني أحد الأعضاء النافذين في هذا المجلس، والذي كان ابنه عمر الهنتاني حاكم إقليم أفريقية

منذ عام 1207 وحتى وفاته عام 1221. أصبح أبو زكريا، ابن عمر الهنتاني، حاكم قابس وفي وقت لاحق مدينة تونس.

عقب الخلافات مع الموحدين، أعلن أبو زكريا استقلال الدولة الحفصية، ومنح نفسه لقب “أمير”. خلال السنوات اللاحقة، استولى أبو زكريا على مدن أفريقية، كما الجزائر في الغرب وطرابلس في الشرق. ركّز الحفصيون حكمهم في المناطق الساحلية، تاركين المناطق الداخلية للبربر. وسرعان ما تم الاعتراف رسمياً بسيادة الحفصيين على المنطقة من قبل الدول المجاورة، كالمغرب والأندلس. عام 1259، أصبح المستنصر ابن أبي زكريا خليفة العالم الإسلامي رسمياً بعد سقوط بغداد عام 1258. لكن بعد ثلاث سنوات فقط خسر الحفصيون اللقب لأعدائهم، إلا أنهم بقوا قوة إقليمية كبيرة. في عهد السلالة الحفصية، أصبح المذهب المالكي مرة أخرى المذهب الرئيسي في المنطقة، بيد أنه تغير من الداخل وتحرر جزئياً. وتم قبول العرف المحلي كجزء من الإطار القانوني. وفي القيروان مثلاً، أعيدت صياغة عقود الزواج لمراعاة حقوق المرأة بشكل يحظر على الزوج اتخاذ أكثر من زوجة واحدة. وفتح مفهوم “المصلحة العامة” الشريعة الإسلامية على تفسيرات تأخذ في الاعتبار احتياجات المجتمع وظروفه الخاصة، وهو تطور أدى إلى تشكيل تونس حتى وقتنا الحاضر.

ازدهرت الدولة الحفصية نسبياً من خلال زيادة التجارة الإقليمية، لا سيما بين الصحراء الكبرى والسودان ومع دول البحر الأبيض المتوسط، بما في ذلك الدول الأوروبية التي تبادل الحفصيون السفراء معها. تم تطوير الأنظمة والقوانين في جميع أنحاء المنطقة لتنظيم التجارة. كما تم تحسين أنظمة الشحن لضمان كفاءة التجارة البحرية، وأصبحت مدن تونس والمهدية وقابس وجربة أهم الموانئ فيما يعرف اليوم بتونس. وتم إغناء الشريعة وتوسيعها لضمان القضايا الأخلاقية وتنظيم التجارة من خلال تعزيز الأمن في السوق ومبادئ العمل النزيه والإشراف على الممارسات التجارية الهامة.

لكن في بداية منتصف القرن الرابع عشر، واجهت المنطقة صعوبات اقتصادية كبيرة ناشئة عن عوامل عديدة، منها المشاكل المتزايدة في تجارة الصحراء الكبرى. كما تعرض نفوذ الحفصيين للخطر بسبب نزاعات القوى الإقليمية. عام 1270، وخلال الحملة الصليبية الثامنة، ساءت العلاقات بين أوروبا والحفصيين عندما حاول ملك فرنسا لويس التاسع الاستيلاء على تونس. وفي منتصف القرن الثالث عشر، شكلت قوة المغرب المتصاعدة، الخاضعة للمرينيين في فاس، تهديداً للدولة الحفصية؛ استولت المغرب على مدينة تونس مرتين لفترة وجيزة. وفي النهاية، أدى الصراع الداخلي بين الحفصيين – والحرب التي جرت بين الأتراك والأسبان – إلى انحطاط سلالة الحفصيين. وأصبح الحكام الحفصيون ضعفاء إلى درجة أنهم وقفوا عاجزين أمام التدخل الخارجي: أدّى الغزو التركي لتونس عام 1574 إلى نهاية السلالة الحفصية.

في هذه المقالة: تونس | التاريخ