تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

عهد مبارك الصباح والحماية البريطانية (1896-1950)

عهد مبارك الصباح
علم الكويت (قبل 1899) .svg by TrooperAnimalLover is licensed under CC BY-SA 4.0

يمثل عهد مبارك الصباح (1896-1915) – مبارك الكبير، كما أصبح يُعرف – نقطة تحول في تاريخ الكويت السياسي. اعتمد حكم الصباح تقليدياً على انقسام حاد للأدوار داخل المجتمع الكويتي. حيث سيطر التجار على التجارة الخارجية، وخاصة البحرية، وصناعة اللؤلؤ. كانت قبيلة الصباح مسؤولة عن الأمن والاتصالات الدبلوماسية مع القبائل الصحراوية البدوية والإمبراطورية العثمانية. لم يقم آل صباح بفرض الضرائب على سكان الكويت مباشرة، ولم يعتبر الأخيرون أنفسهم رعايا آل صباح في المعنى الحديث. قدّمت عائلات التجار تبرعاتهم إلى حكام آل صباح في تبادل صريح للخدمات الأمنية والسياسية التي كانوا يقدمونها. لم يتمكن حكام آل الصباح أن يجبروا الناس على دفع الضرائب، واعتمد قبولهم كحكام إلى حد كبير على البراعة الشخصية والكفاءة.

في نهاية القرن التاسع عشر، شهد النظام السياسي التقليدي الكويتي المعتمد على الإجماع أزمة عنيفة. عام 1896، اغتيل اثنان من إخوة مبارك الكبير في انقلاب عنيف، وهما محمد الذي كان الحاكم آنذاك وجرّاح الصباح المقرّب له. ولكن كما تشير سيرة علمية حديثة لمبارك الكبير، ليس هناك ما يؤكد شخصية القتلة الفعليين ودوافعهم. ولكن الأمر الوحيد الواضح هو عندما خلف الرئيس مبارك شقيقه المغدور محمد، أيدته الغالبية العظمى من آل صباح والنخبة التجارية وقائد الجيش العثماني في المنطقة. وبالتالي، قد يكون من الواجب في المستقبل تعديل النظرة السائدة حول مبارك “الطاغية” الذي أنهى شخصياً الحكم ‘الجمهوري’ لآل صباح وحكم الكويت “من خلال عبيده”. وفي عهد مبارك، تم تفادي خطر الاستيعاب من قبل الإمبراطورية العثمانية أو غزو الملك محمد بن راشد من السعودية. ازدهرت التجارة وعاد الاستقرار السياسي.

كان لمزايا حكم مبارك ثمن. عام 1899، وقّع اتفاقاً سرياً مع القوة الإقليمية المهيمنة، حكومة الهند البريطانية. بموجب هذه المعاهدة التي كانت على غرار المعاهدات التي أبرمها البريطانيون مع مشيخات جنوب الخليج العربي في وقت سابق، نقل مبارك سيطرته على “العلاقات الخارجية” للكويت إلى حكومة الهند. وبالمقابل، وعدت الحكومة البريطانية بالدفاع عن الكويت ضد الامبراطورية العثمانية. عزّز الدعم البريطاني-الهندي المركز المهيمن للرئيس مبارك في الكويت: وما أنجزه الرئيس مبارك في الحقيقة كان تبادل سيادته الدبلوماسية مقابل مجال أكبر للمناورة المحلية. ومن خلال التلاعب بذكاء بالوضع الدولي – خاصة التنافس البريطاني العثماني وتهديد محمد بن راشد السعودي – استطاع كسب سيطرة محكمة على الكويت. ويتضح ذلك من فرض مبارك ضريبة جمركية على التجار عام 1899، وإدخاله لاحقاً سلسلة من الضرائب الجديدة الأخرى. واستخدم موارده الجديدة لتمويل إدارة ابتدائية للدولة.

حركة المجلس والمحمية البريطانية

عهد مبارك الصباح
“علوي Alawi” by iDip is licensed with CC BY-NC-SA 2.0. To view a copy of this license, visit https://creativecommons.org/licenses/by-nc-sa/2.0/

استمر نمط حكم مبارك الاستبدادي في عهد ابنيه، جابر (1915-1917) وسالم (1917-1921) وحفيده أحمد (1921-1950). وخلال تلك الفترة، ناور حكام آل الصباح والتجار على السلطة، مع محاولة الأخيرين لاستعادة هيمنتهم السابقة. اضطر جابر إلى إلغاء بعض ضرائب مبارك التي لم تكن تحظى بشعبية، إلا أن سالم نجح في إدخال أول جهاز أمني رسمي في الكويت. وعندما منح الشيخ أحمد عام 1934 امتيازاً نفطياً لشركة نفط الكويت الخاضعة للسيطرة البريطانية الأمريكية، ضمن الحاكم دخلاً منتظماً، بالإضافة إلى الضريبة على التجار. شعر التجار بحق أن هذا من شأنه التقليل أكثر من نفوذهم السياسي، مما قادهم إلى اختيار أول مجلس أمة في الكويت من بين صفوفهم لمواجهة قوة الصباح المتنامية. إلا أن حركة المجلس عام 1938 تعثرت بسبب افتقاره إلى الوحدة وموقفه الموالي للعراق عموماً وسحب الدعم البريطاني الأولي. عندئذ قسّم آل صباح السيطرة على جميع الدوائر الحكومية الوليدة – بعضها أنشأها المجلس – بين أفراد العائلة البارزين. وهكذا ولدت أول ملكية سلالية في منطقة الخليج.

أحكمت بريطانيا من قبضتها على الكويت بعد الحرب العالمية الأولى التي أدت إلى انهيار الدولة العثمانية. ومع إزالة آخر آثار السيادة العثمانية الاسمية، أصبحت الكويت محمية بريطانية. عام 1922، وفي ميناء العقير شرقي العربية السعودية، كان يفترض أن تقوم كل من الكويت ومملكة العراق الخاضعة للسيطرة البريطانية الجديدة وعبد العزيز سعود (ابن سعود) من نجد بحسم صراعاتهم الإقليمية ورسم الحدود المشتركة بينهم. مثّل كل من شيخ الكويت وملك العراق ضابط بريطاني. وفي العقير، وتأكيداً على الحقائق الجغرافية السياسية يومها، سلّم السير بيرسي كوكس، المندوب السامي البريطاني في بغداد، أكثر من ثلثي الأراضي التي طالبت بها الكويت إلى ابن سعود، الذي أسس المملكة العربية السعودية لاحقاً. لم يكن الكويتيون في موقف يسمح لهم بالاحتجاج: فقد كان من الممكن جداً لبيرسي كوكس أن يضم الكويت إلى الدولة العراقية الجديدة، أو ربما يترك المشيخة دون حماية من الإخوان (الوهابيين) الشرسين، ميليشيات ابن سعود، من باب التهديد.

[/vc_column_text][/vc_column][/vc_row]