وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

صباح الأحمد الجابر الصباح (حاكم 2006-2020)

صباح الأحمد الجابر الصباح
الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أمير الكويت في ذلك الوقت، يلوّح بيده لدى وصوله لافتتاح الدورة البرلمانية الجديدة في مجلس الأمة بالإمارة الخليجية في مدينة الكويت، في 29 أكتوبر 2019. ياسر الزيات / وكالة الصحافة الفرنسية

عملاق الدبلوماسية العربية“، “رجل السلام والحوار“، “اللاعب الذكي”، و”مهندس السياسة الخارجية الحديثة للكويت“. كانت هذه العبارات من بعض ردود الفعل على وفاة  أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح بين عاميّ 2006 و 2020. والقاسم المشترك واضح: لقد كان دبلوماسيًا محترمًا، أمضى حياته المهنية في سدّ الفجوات ومعالجة الانشقاقات وتقليص الانقسامات.

وُلِد صباح الأحمد في مدينة الجهراء عام 1929، والتحق بأوّل مدرسة حديثة افتُتِحت في الكويت عام 1911، مدرسة المباركية (وكانت  ثاني مدرسة حديثة في منطقة الخليج بعد البحرين). وأكمل تعليمه مع مدرّسين خاصين. تزوّج صباح الأحمد من ابنة عمّه فتوح بنت سلمان الصباح التي توفيت عام 1990، ولهما ثلاثة أبناء (أحمد وحامد وناصر) وابنة (اسمها سلوى).

توفِّيَ نجلهُ أحمد عام 1969 في حادث سيارة، وابنته سلوى بسرطان الثدي عام 2002؛ بعد فترة وجيزة من إطلاق والدها اسمها على قصره السكني البحري. وفي 29 سبتمبر 2020، توفِّيَ صباح الأحمد نفسه في مركز مايو كلينيك في مدينة روتشستر بولاية مينيسوتا. وبعدها بفترة وجيزة توفِّيَ نجله ناصر في ديسمبر 2020.

جهود دبلوماسية وإنسانية

كان صباح الأحمد دبلوماسيًا مخضرمًا. عمل وزيرًا للخارجية لما يقرب من 40 عامًا بين عاميّ 1963 و 2003؛ عندما أصبح رئيسًا للوزراء. وشكّل صباح الأحمد إلى حد كبير سياسة الكويت الخارجية الحديثة القائمة على السلام والوساطة – ولم يكن الأمر مفاجئًا أنّه بمجرّد أن أصبح أميرًا، واصل استراتيجيّته الدبلوماسية على المستوى الدولي. 

وكان المكوّن الرئيسي لـ “العلامة المميّزة للكويت”، كما يسمّيها البعض، هو “البحث المستمر عن السلام والاستقرار الذي يأخذ في الاعتبار مصالح جميع الأطراف. ولطالما كان البحث عن توازن القوى، والتوسّط في الخلافات، وتخفيف حدّة الصراعات، سمات مميزة للدبلوماسية الكويتية “. لقد حافظ صباح الأحمد على علاقات جيدة مع إيران والمملكة العربية السعودية في الوقت نفسه، وحاول التوسّط للسلام في اليمن خلال العديد من النزاعات.

كذلك حاول، بلا كلل، حلّ أزمة المقاطعة السعودية والإماراتية لقطر. ولكونه القوّة الرئيسية وراء إنشاء مجلس التعاون الخليجي في عام 1981،  رأى صباح الأحمد في هذا الصدع كارثةً وتهديدًا كبيرًا لمجلس التعاون الخليجي، وهو اتحاد كان يؤمن به بشدّة.

وشُكِّلت وزارة الخارجية الكويتية من قبله وتحتفظ ببعثات دبلوماسية واسعة النطاق في الخارج مقارنةً بحجم هذا البلد الصغير. كما أنها تدعم الدول الأجنبية للاحتفاظ بسفارات في الكويت. لقد فهم صباح الأحمد حدود الكويت كدولة صغيرة واتّبع أجندة دبلوماسية متعدّدة الأطراف للتعويض عن تلك القيود. واستكمل الدبلوماسية الكويتية بحقيبة واسعة من العمل الإنساني، إذ دعم مبادرات في البلدان التي مزّقتها الحرب أو تلك المضطربة مثل ليبيا، واليمن، وسوريا، وفلسطين، وتشاد، وإثيوبيا، والسودان، وميانمار. 

كما نظّم مؤتمرات للمانحين في الكويت من أجل سوريا والعراق، حيث لم تكن تلك الفعاليات المُقامة للمواطنين العراقيين محلّ تقدير من الشعب الكويتي. ولا يزال البعض يرى العراق على أنّه العدو الرئيسي الذي غزا بلادهم في عام 1990، ما يجعل البلد ومواطنيها غير جديرين بالأموال الكويتية. ويقولون أنّه من الأفضل إنفاق الأموال على القضايا الداخلية مثل مساعدة الأشخاص الذين لا يستطيعون سداد ديونهم.

 وبغض النظر عن الانتقادات الداخلية المثارة من حين لآخر، اعترف الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، في عام 2014، بصباح الأحمد كقائد إنساني. ولا شكّ أبدًا أنّ هذه الجهود الدبلوماسية والإنسانية أكسبته احترامًا لا لبس فيه داخل الكويت وخارجها. ومع ذلك، فإنّ هذا يستدعي التساؤل: هل كان أسلوبه في الوصول إلى حلول للنزاعات الداخلية متناغمًا بالدرجة نفسها؟

الخلافة

عندما أصبح صباح الأحمد أميرًا عام 2006، لم يكن ذلك سوى شأن دبلوماسيّ أو تصالحي. فعندما يتعلّق الأمر بتولّي السلطة، تنقسم العائلة المالكة الكويتية إلى فرعين رئيسيّين؛ فرع جابر وفرع سالم. وتقليديًا، يتداول الفرعان منصب الأمير بالتناوب. لذا، في عام 2006، عندما توفيّ الأمير جابر الأحمد (الأخ غير الشقيق لصباح الأحمد)، كان الدور على عضو بارز في فرع سالم: سعد العبد الله السالم الصباح.

لكن أعضاء بارزين في العائلة المالكة وأعضاء في البرلمان اعتبروا الشيخ سعد المريض والمصاب بنوع من الخرف غير لائق للوظيفة. لذا، تفاوضوا معًا على نقل السلطة إلى رئيس الوزراء، الشيخ صباح الأحمد، الذي كان الحاكم الفعلي للبلاد في السنوات السابقة، ليحل محل الأمير آنذاك جابر الأحمد الذي كان في حالة صحية سيئة لفترة طويلة.

 وهكذا كان استلام صباح الأحمد للسلطة خطوة قطعت حكم التناوب بين فرعي جابر وسالم، حيث أصبح هناك اثنان من كبار أعضاء فرع جابر في طابور الحكم. ليس ذلك فحسب، فقد عيّن صباح الأحمد أخيه غير الشقيق نواف الأحمد وليًا للعهد وابن أخيه ناصر المحمد رئيسًا للوزراء، كلاهما من فرعه. لقد قام فعليًا بتهميش فرع سالم، وهو تطوّر استمر بتعيين نواف الأحمد للشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح وليًا للعهد له، وهو – مجددًا – من فرع جابر.

بصرف النظر عن الخلافات العائلية (هناك الكثير من الخلافات داخل الفروع أيضًا)، حيث واجه صباح الأحمد مشاكل وطنية أكثر إلحاحًا. ففي السنوات التي أعقبت الغزو، مع شغل صباح منصب وزير الخارجية، تمكّنت الكويت من إعادة بناء البلاد، لكنّها فشلت في استعادة ثقة الناس في الحكومة (التي شكّل فيها أفرادٌ من العائلة المالكة المناصب الأهم). وأراد المواطنون الكويتيون المزيد من المشاركة السياسية، والحد من الفساد، وحلّ المشاكل طويلة الأجل مثل تنويع الاقتصاد، وإنهاء أزمة الإسكان، وحلّ أزمة “البدون” أو عديمي الجنسية.

في الكويت، ما بعد الغزو، لم تُلبّى أي من هذه المطالب ولم يُحدِث حكم صباح الأحمد فرقًا يُذكر.

ومع ذلك، لا يمكن أن يُعزى هذا إليه فقط – أو إلى أي أمير آخر في هذا الشأن – لأن النظام شبه الديمقراطي في الكويت يسمح، في كثير من الأحيان، بشلِّ جهود المقايضة والمساومة في البرلمان والحكومة والعائلة المالكة نفسها. وغالبًا ما يؤدّي هذا إلى عدم اتخاذ القرارات، أو اتخاذها من دون تنفيذه، أو حتى تنفيذها من ثمّ التوقّف في منتصف الطريق.

 ولم يكن هذا مختلفًا في عهد صباح الأحمد الذي تُعرف فترة حكمه بالأزمات المسدودة المتكرّرة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. وأدى ذلك إلى حلّ  البرلمان سبع مرات واستقالة أربعة عشر حكومة وتعيين ثلاثة وزراء. كما أدى إلى كارثة “توزيع منحة على السكان” عام 2011 التي أشعلت الربيع العربي في الكويت.

الرد على الاحتجاجات

في يناير 2011، أعطى صباح الأحمد لكل مواطن كويتي ألف دينار كويتي. رسميًا، كان هذا تخليدًا لذكرى مرور 20 عامًا على التحرّر من الاحتلال العراقي. لقد اعتقد المشكّكون أن الهدية جاءت في وقت مناسب لاسترضاء السكان في وقت الاضطرابات المدنية في البلاد. أيّ كان السبب، كان معظم المواطنين الكويتيين سعداء بالهدية، باستثناء “البدون” أو عديمي الجنسية الذين لم يحصلوا على شيء. وأثار هذا أولى مظاهرات البدون للمطالبة بحقّهم في المواطنة.

 ووسط موجة الاضطرابات (الوطنية والدولية)، دعت المعارضة إلى مزيد من التظاهرات ضد الحكومة، مطالبةً بإصلاحات وتنحّي رئيس الوزراء الشيخ ناصر المحمد. ما أعقب ذلك كان شهورًا من الاضطرابات شملت الاحتجاجات واقتحام البرلمان.

واعتقلت قوات الأمن المحرّضين الرئيسيّين على الاحتجاجات، وحلّ الأمير البرلمان في يونيو 2012 (بموجب حقه الدستوري) لإفساح المجال لبرلمان جديد (كان عمليًا برلمان 2009 القديم) يكون أكثر موالاةً للحكومة.

وفي أكتوبر 2012، دفع الأمير لتمرير قانون انتخابي جديد، (يسمح للناخبين بالإدلاء بأصواتهم لمرشح واحد فقط، بدلاً من أربعة)، كان من المفترض أن يؤدي إلى تكافؤ الفرص وتحطيم التحالفات القبلية الكبيرة. اكن كانت النتيجة المزيد من الاحتجاجات (على الأقل من قِبل تلك التحالفات القبلية الكبيرة). وألقى زعيم المعارضة البرلمانية مسلم البراك خطابًا شديد اللّهجة أمام أنصاره، حيث اتّهم فيه العائلة المالكة بأنّها “استبدادية”. وصاح مخاطبًا الأمير مباشرةً، “لن نسمح لك بممارسة الاستبداد!”، وبعد ذلك صاح الحشد “لن نسمح لك، لن نسمح لك!”.

ودفع البراك ثمن انتقاده الأمير (وبالتالي تجاوز الخطوط الحمراء)، واعتُقِل وحُكِم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات، والتي خُفِّضت فيما بعد إلى سنتَيْن.

علاوةً على ذلك، تهاوت الثقة في الحكومة أكثر، ولم تساعدها حقيقة تحجيم الانتقادات أكثر في ظل حكم صباح الأحمد.

ومع تطبيق القانون الانتخابي الجديد، قاطعت المعارضة انتخابات ديسمبر 2012، وبعدها تقلّص دور المعارضة التي اتحدت في تحالف فضفاض.

وفي السنوات التالية، واصلت الحكومة بقيادة صباح الأحمد قمعها للنشطاء وأصوات المعارضة، وقمع حرية التعبير، خاصةً على وسائل التواصل الاجتماعي. كما أقدمت السلطات على احتجاز ومحاكمة نشطاء المجتمع المدني ومعارضي حكومة صباح عبر قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية الصادر في عام 2016.

توحيد الكويتيين

يمكن القول بثقة أنّ تعامل صباح الأحمد مع المعارضة – التي تتراوح ما بين إسلاميين وقبليين وشخصيات ليبرالية – لم يكن دبلوماسيًا ومداويًا للخلافات مثل أسلوب عمله في الساحة الدولية. وحتى عام 2015، لم يكن الأمير الحبيب الذي سيصبح فيما بعد. وبدا أنّ ذلك قد يتغيّر، حيث توحّدت البلاد حزنًا بعد أن تعرّضت لكارثة: التفجير الانتحاري في مسجد الإمام الصادق الشيعي، الذي أودى بحياة 27 مصليًا صباح يوم الجمعة في يونيو 2015. 

بينما كان الدخان لا يزال في الهواء، والزجاج متناثر على الأرض، والناس المرتبكون والملطّخون بالدماء لا يزالون  يتجوّلون في موقع الهجوم، وصل الأمير لإظهار دعمه للمجتمع الشيعي في البلاد. لقد كان قرارًا ذكيًا، حيث نال تقديرًا عميقًا من جانب الشيعة والسنة في الكويت، وهي دولة تتفهّم الخطر المحتمل الذي تخلقه الانقسامات الطائفية.

صباح الأحمد الجابر الصباح
أمير الكويت في ذلك الوقت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح (الثاني على اليسار) والمتحدّث باسم مجلس النواب مرزوق الغانم (على اليمين) يَصِلان لأداء صلاة الجمعة، حيث اجتمع المصلّون السنة والشيعة للصلاة كبادرة تضامنية في المسجد الكبير السني في مدينة الكويت في 3 يوليو 2015. ودعت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الكويتية الشعب الكويتي من جميع الطوائف لأداء صلاة الجمعة معًا تعبيرًا عن الوحدة الوطنية في أعقاب تفجير انتحاري في مسجد شيعي الأسبوع السابق. صورة لوكالة فرانس برس / ياسر الزيات

كان من الواضح أنّ حدث الإمام الصادق أعاد إلى الواجهة مرة أخرى مهارات هذا الأمير في تقليص الانقسامات. فقد ارتفعت شعبيته بشكل كبير، وهو ما اتّضح بعد بضعة أشهر أثناء افتتاح استاد جابر، عندما ظهرت صورة للأمير على شاشة كبيرة، وأصبح الجمهور جامحًا.

وفي وقت لاحق، دخل الأمير بنفسه إلى الملعب وطاف حوله في سيارته، وصار الحشد أكثر جموحًا، وردّدوا شعارات مثل “أنت والدنا جميعًا”. ولم يكن مهمًا في تلك الليلة حقيقة أنّ افتتاح الملعب قد تمّ تأجيله لمدة خمس سنوات بسبب مشاكل البناء الناجمة عن قضايا الفساد.

وبعد هجوم الإمام الصادق، استمرّت شعبيّته في النموّ، ولعلّ أهم أسباب هذا هو دعمه لنظيره القطري تميم بن حمد آل ثاني خلال المقاطعة التي قادتها السعودية والإمارات. وقدّر المواطنون الكويتيون بشكل جماعي دعمه لما اعتبروه الطرف المستضعف، وهو شيء يميلون إلى تقديره  كونهم مواطنين في دولة صغيرة محصورة بين قوّتيّ المملكة العربية السعودية وإيران. وبعد فترة وجيزة من بدء القطريّين التجوّل واضعين ملصقات وجه تميم على سياراتهم، حذا الكويتيون حذوهم بملصقاتهم الخاصة بصباح الأحمد.

ورغم ذلك، استمرّت العلاقة المتوترة بين الحكومة والبرلمان، حيث استمرّ النواب في معارضة إجراءات التقشّف الحكومية في سياق انخفاض أسعار النفط.

وعند إضافة الأرقام، يمكن اعتبار صباح الأحمد أميرًا شعبيًا وناجحًا إلى حد ما، على الرغم من حقيقة أنّه لم يحدث تغيير كبير في البلاد بعد احتجاجات 2011/2012. لا اقتصاديًا (فلا يزال الاقتصاد يعتمد بشكل كبير على النفط)، ولا اجتماعيًا (لا يزال البدون يكافحون من أجل المواطنة)، ولا سياسيًا (لا تزال المعارضة مسحوقة إلى حد كبير أو تُرشى كي تصبح مؤيدة للحكومة).

وبعد فترة من النموّ السريع من خمسينيات إلى سبعينيات القرن الماضي، بدأ الركود يصيب التنمية في الكويت، في حين تسارع نموّ بقية دول مجلس التعاون الخليجي. هناك خطط منتظمة طويلة الأجل، تُسمى عادةً الرؤى، والتي تأتي مصحوبةً بشعارات مثل “الكويت الجديدة”. وفي عام 2016، تم تقديم أحدث إصدار – وهو رؤية 2035.

وفي ذلك الوقت، لاحظ النقّاد أنها ستبقى على الأرجح مجرّد رؤية. بصرف النظر عن كونها نصًا على لوحة إعلانية، فبعد خمس سنوات، يبدو أنّ “الكويت الجديدة” ليست قريبة بأيّ حال. وكما أشرنا أعلاه، لا يمكن بالضرورة إلقاء اللوم كله على الأمير؛ يسمح النظام السياسي في الكويت بالمشاركة، والتي تُفسَّر بشكل أساسي على أنها معارضة. ويؤدّي هذا إلى نشوء نظام  قد لا يتحقّق فيه ما يريده القصر – على عكس البلدان المجاورة. 

لذلك ليس مستغرَبًا أن صباح الأحمد كان يركّز في الغالب على بيع “العلامة المميّزة الكويتية” في الخارج (قد ونجح في هذا): إنّها منطقة لم يقابل فيها سوى القليل من المعارضة الداخلية وكان يتمتع بحرية الحركة. لقد فعل ذلك بمهارة!