تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
ابحث في fanack.com
Please enter search keyword.

تنظيم الدولة الإسلامية منذ النشوء وحتى الزوال

تنظيم الدولة الإسلامية
صورة نشرها حساب البركة الإخبارية الجهادي على موقع تويتر في 9 يونيو 2014، يُزعم أنها تُظهر مقاتلي الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) وهم يلوحون بالأعلام الجهادية المعروفين بها بينما تسير المركبات على طريق شُق حديثًا عبر الحدود السورية العراقية، بين محافظة نينوى العراقية ومدينة الحسكة السورية. البركة نيوز/ وكالة الأنباء الفرنسية.

المقدمة

بعد الغزو الأميركي للعراق في عام 2003، تشكّلت مجموعات جهاديّة إسلامية مختلفة حاربت الوجود الأجنبي في البلد المسلم. وكان من الطبيعي حينها أن تكون القوى السلفية الجهادية القريبة بأفكارها ومشروعها من تنظيم القاعدة، هي القوى الأكثر قدرةً على التنظيم والانتشار.

لذلك، كانت “جماعة التوحيد والجهاد“، التي أسّسها القيادي الجهادي الأردني أبو مصعب الزرقاوي  في عام 1999، واحدة من بين أقوى التيارات الجهادية المقاتلة في العراق، وكانت قريبة بأفكارها وتنظيمها من تنظيم القاعدة. وفي عام 2004 أعلنت “جماعة التوحيد والجهاد” مبايعتها لأسامة بن لادن، قائد التنظيم آنذاك ، ليصبح اسم المجموعة “تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين” ثم تغيّر ليصبح “الدولة الإسلامية في العراق”. 

وتوسّع حضور تلك الأخيرة فيما بعد ليشمل مناطق من سوريا أيضًا مستغلّةً أجواء الحرب والفوضى فيها، وذلك عن طريق تنظيم “جبهة النصرة” وهي أيضًا تنظيم جهادي انتشر في مناطق من سوريا. لكن الخلاف حول العمل في سوريا الذي نشأ بين الدولة الإسلامية في العراق وبين قيادة تنظيم القاعدة، إضافةً إلى خلافات عقائدية و”منهجية، أدى إلى الفصل التام بين “جبهة النصرة” التي استمرّت في انتمائها للقاعدة، وبين تنظيم الدولة في العراق الذي جمّع القوة التابعة له في سوريا والقوة المنشقّة عن جبهة النصرة إثر الخلاف بين التنظيمين، ليتم رسميًا الإعلان عن نشوء الدولة الإسلامية في العراق والشام في حزيران عام 2014 بقيادة أبو بكر البغدادي.

 وتمّت مبايعة أبو بكر البغدادي من قِبل قياديّي وعناصر التنظيم كـ “خليفة للمسلمين في كل مكان”، وقد كان واحدًا من أكبر قياديّي الجهاد في العراق وصديقًا شخصيًا للزرقاوي الذي كان قد قُتل في عام 2006. وعُرف تنظيم الدولة إعلاميًا باسم “داعش”، وهو ليس اسمًا رسميًا مُستخدمًا لدى التنظيم، إنّما تم تداوله على وسائل الإعلام العالمية، كاختصار يتضمن أوائل أحرف الكلمات من الاسم الحقيقي للتنظيم.

الانتشار الجغرافي

من أوضح أوجه الاختلاف بين تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” وبقية التنظيمات الجهادية المنتشرة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، هو اعتماده مفهوم “الدولة”؛ المصطلح الأوّل الوارد في اسم التنظيم، وهو ما يقتضي بالدرجة الأولى تكوين مساحة جغرافية يقدر من خلالها على بناء الأطر الإدارية وممارسة السلطة. وهذا ما سعى إلى تحقيقه التنظيم منذ بداية انتشاره في سوريا من خلال السيطرة على المدن والقرى، مستغلًا عدّة عوامل في مقدّمتها الفوضى، وضعف السلطة المركزية في سيطرتها على المناطق السورية، خاصةً مناطق الشرق السوري الواسعة.

تنظيم الدولة الإسلامية
التوزيع الجغرافي لتنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية (اعتباراً من 2016)

 ثمّ تفرّقت القوى المعارضة المسلَّحة في تلك المناطق ورضخت لقوّة التنظيم العسكرية والاقتصادية، لتتمكّن المجموعة خلال عاميّ 2014 و2015 من السيطرة على مساحات كبيرة من سوريا، كانت أوّلها مدينة الرقة السورية، وبعدها محافظة دير الزور بمدنها الصغيرة المتفرّقة، ثم مناطق ريفية من حمص وحلب، وصولًا إلى ريف دمشق ودرعا، لتتسّع المساحات التي يسيطر عليها وتشمل حوالي نصف مساحة سوريا.


ومن النقاط المفصلية في السيطرة الجغرافية لتنظيم الدولة كانت اجتياح مدينة الموصل العراقية؛ ثاني أكبر مدن العراق. وبعد سيطرته على الموصل في 10 يونيو 2014، وعلى مدينتيّ الفلوجة والرمادي وجزء من الأنبار خلال أشهرٍ سابقة، بلغت المساحة التي سيطر عليها التنظيم في العراق أكثر من ثلث مساحة البلد. وبذلك بلغ مجمل مساحة المناطق التي سيطر عليها في سوريا والعراق حوالي 300 ألف كيلومتر مربع وهي مساحة تكاد تبلغ ضعف مساحة سوريا.

وبالتوازي مع هذا الانتشار في العراق وسوريا، بدا الانتشار واضحًا في بلدانٍ أخرى مثل مصر بعد إعلان تنظيمات جهادية في صحراء سيناء مبايعتها لتنظيم الدولة، وفي نيجيريا بعد إعلان تنظيم “بوكو حرام” المبايعة أيضًا في عام 2015، من ثم ليبيا وباكستان وأفغانستان وأوزباكستان وغيرها من دول نشطت في صحاريها أو جبالها تنظيمات جهادية استغلّها تنظيم الدولة لمزيدٍ من الانتشار. ومن خلال ذلك، استطاع التنظيم تكوين سلسلة “ولايات”، ليظهر على شكل “الخلافة” الذي ينشده، حتى وإن كان انتشاره في بعض الدول غير واضح ومقتصرًا على عشرات المقاتلين الذين لا دور حقيقي لهم سوى الدور الإعلامي، الذي يشي بانتشار”دولة الخلافة” خارج مناطق سيطرتها المباشرة.

القوّة العسكرية

تنظيم الدولة الإسلامية
قوات الأمن الكويتية تتجمع خارج مسجد الإمام الصادق الشيعي بعد استهدافه بتفجير انتحاري خلال صلاة الجمعة في 26 يونيو 2015 في مدينة الكويت. وقالت الجماعة التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية في المملكة العربية السعودية، والتي تطلق على نفسها اسم ولاية نجد، إن المسلح أبو سليمان الموحد هو من نفذ الهجوم ضد المسجد، الذي زعم التنظيم أنه ينشر التعاليم الشيعية بين المسلمين السنة. صورة لوكالة الأنباء الفرنسية/ ياسر الزيات.

لفت الانتشار الجغرافي السريع لتنظيم الدولة الأنظار إلى القوة العسكرية التي يمتلكها، وهو ما ربطه المحلّلون والمراقبون الميدانيون والخبراء العسكريون بعوامل عدّة. 

أوّلها: أنه ضمّ في بداية نشوئه في سوريا فصائل عسكرية معارضة صغيرة، كانت تمتلك أسلحة سيطرت عليها سابقًا عندما هاجمت مناطق عسكرية تابعة للنظام السوري.

ثانيها: أنّ قيادات التنظيم هي قيادات مدرّبة ومختصّة في عمليات رسم الخرائط العسكرية وتنفيذ الهجمات وتحقيق المكاسب العسكرية على الأرض. 

ثالثها: أنّ بعض القيادات العسكرية السابقة في الجيش العراقي تعرّضت للطرد أو السجن بعد سقوط نظام الرئيس السابق صدام حسين وانضمّت إلى التنظيم.

رابعها: وأهمّها هو سيطرة التنظيم على مواقع عسكرية كبيرة وهامّة خلال معاركه في سوريا والعراق، منها الفرقة 17 في منطقة الرقة السورية، وهي واحدة من أكبر البقع العسكرية السورية في الشمال والشرق السوريّين، ثم سيطرته على الموصل بما فيها وحولها من بقع عسكرية ومخازن أسلحة تركتها فصائل الجيش العراقي عند انسحابها أمام تقدّم تنظيم الدولة السريع في المنطقة.


ويُضاف إلى مجمل تلك العوامل عمليات التجنيد التي قام بها التنظيم في المناطق الواقعة تحت سيطرته، ومعسكرات التدريب التي شملت مقاتلين من مختلف الجنسيات والأعمار، من بينهم أطفال حيث “تم تجنيد آلاف الأطفال في الموصل وسوريا والعراق للقتال في التنظيم”. وكان التجنيد بشكل عام يتم من خلال الإغراء بالمكاسب المالية في مناطق كانت تعاني من فقر مدقع، وأيضًا من خلال التنشئة العقائدية الجهادية التي كان التنظيم يبنيها في مراكز تدريبه ومدارسه.


وحتى اليوم، لا يوجد مؤشّر حقيقي واضح عن أعداد مقاتلي تنظيم الدولة، حيث تختلف المصادر والتحليلات، فالغالبية تقّر الأعداد بين 30 و50 ألف مقاتل في أوج قوّة التنظيم بين عامي 2014 و2016. وقالت وكالة الاستخبارات الأميركية المركزيّة أن أعداد الأفراد الذين ذهبوا للانضمام إلى التنظيم بين عامي 2011 و2018 يتراوح بين 40,000 و 50,000 ينتمون إلى 80 دولة حول العالم، أغلبهم من الرجال الذين تلقوا تدريبات عسكرية.

 اقتصاد التنظيم



مع توسّع التنظيم وتعدّد موارده، تنامت قوّته الاقتصادية بشكل سريع في كل من سوريا والعراق، حيث اعتمد على مجموعة كبيرة من مصادر التمويل.

أوّلها: الضرائب التي كان يفرضها على السكان في المناطق التي يسيطر عليها. 

ثانيها: المؤسّسات الإنتاجية التي تبعت له بعد خروج السلطات السورية والعراقية منها. 

ثالثها: تجارة النفط خاصةً أن المناطق التي سيطر عليها كانت مناطق غنيّة بالنفط والثروات الباطنية. 

رابعها: التبرّعات والهبات التي كان يحصل عليها من قِبل الداعمين والمتعاطفين معه عقائديًا، من أفرادٍ ومنظّماتٍ في دول عربية وغربية. 

خامسها: عوائد إطلاق سراح المختطفين، حيث كثيرًا ما مارس التنظيم عمليات الاختطاف وطلب الفدية من مؤسّسات ودول. 

سادسها: وأهمّها الأموال التي حصل عليها من البنك المركزي في الموصل بعد سيطرته عليها والتي قُدّرَت حينها بأكثر من 400 مليون دولار بين أوراقٍ مالية وسبائك ذهبية.
سابعها: عمليات تهريب الآثار وتجارتها، خاصةً وأن التنظيم انتشر في مناطق تتضمّن متاحف ومواقع أثرية هامة.


كانت تلك الإمكانيات الاقتصادية التي امتلكها التنظيم هي النقطة الأساسية في مجمل صناعة قوّنه، والانتشار الذي حققه، والقدرة على الاستمرار لفترة طويلة على الرغم من شن الحرب ضده وفرض الحصار على الكثير من المناطق التي كانت تابعة له.

البنية الداخلية – الترهيب والترغيب

أتاحت القوّتان الاقتصادية والعسكرية للتنظيم بناء منظومة إدارية قادرة على تسيير أموره وحفظه من الداخل، وضبط مفاصل الحياة في المناطق التي يسيطر عليها، حيث بنى سلسلة هرمية للسلطة يترأّسها “الخليفة”، ثم مجلس الشورى الذي يضمّ القيادات العليا في التنظيم، والتي تضع السياسة العامة والاستراتيجيات الكبرى والمصيرية في حياة التنظيم، وتُعيّن قيادات أصغر منها في مجالس إدارية و”شرعية” تنتشر في مناطق سيطرته وتُشرف على تسيير الأمور الداخلية.


كما أنشأ التنظيم هيئات مختصة لكل شؤون حياته، بدءًا من المجلس العسكري المشرف على الأعمال الحربية والتدريب، والهيئة الشرعية المختصة بالأمور الدينية وتطبيق الشريعة التي يتبنّاها التنظيم ويُجبر السكان في مناطق سيطرته على تطبيقها، وصولًا إلى الهيئة الإعلامية المشرفة على تسويق صورة التنظيم وتسيير المؤسّسات الإعلامية والدعويّة الكثيرة التي كانت تابعة له.

 

تنظيم الدولة الإسلامية
نساء يرتدين النقاب ويمشين أسفل لوحة إعلانية أقامها تنظيم الدولة الإسلامية كجزء من حملة في مدينة الرقة السورية التي يسيطر عليها التنظيم في 1 نوفمبر 2014. تقول الكتابة العربية على اللوحة الإعلانية “سننتصر رغم التحالف العالمي”. صورة لوكالة الأنباء الفرنسية/RMC/STR

وعلى صعيد العلاقة مع السكان، عُرفت في التنظيم شخصيتان أساسيتان، هما “الأمني” و”الشرعي”، والذين يتوفران في كل مناطق سيطرته في سوريا وفي العراق، وفي غالب الأحيان يتم تعيينهما من المقاتلين العرب والأجانب في التنظيم. وغالبًا ما يكونون من الجنسية التونسية أو السعودية أو المصرية أو العراقية حتى من إحدى الدول الأوربية، ونادرًا ما يكونون من الجنسية السورية. و”الأمني” هو شخصية استخباراتية مختصة بالشأن السياسي، وكان من المعروف أن من يتم اعتقاله من قِبل “الأمنيين”، فهذا يعني عدم عودته إلى بيته. أما “الشرعي” فيراقب تطبيق السكان للشريعة ويمنع الاختلاط بين الجنسين، والتدخين، ويراقب ملابس السكان في الخارج، ويعاقب المخالفين بعقوبات متعدّدة، أشهرها كان الجلد في الساحات العامة. لقد تسرّبت من شوارع الرقة ومدن سورية أخرى عشرات مقاطع الفيديو التي تصوّر عملية جلد المواطنين أمام الناس، إضافةً إلى قطع الأيدي، وكانت تلك الأحكام تصدر بحق مرتكبي السرقات، بل وبحق مدخّني السجائر أيضًا. 

 

وكانت تلك الممارسات العنيفة جزء من أساليب التنظيم في إحكام سيطرته على المدن والقرى، إلا أن ممارسات عنيفة أكبر كانت تُظهر للعالم أجمع مدى دمويّة التنظيم، مثل عمليات الإعدام الميداني لصحفيّين أجانب أو مقاتلين أسرى والتي كانت تتم أمام كاميرا احترافية حيث يُصدر الإعلاميون المختصون في التنظيم إصدارات فيديو ذات وقع سينمائي، صوّرها وأنتجها محترفون حسب ما يظهر، تهدف إلى بث رسائل الذعر حول إمكانيات التنظيم ودمويّته وسطوته، وقابليته الشديدة لممارسة العنف كلّما تصاعد العنف ضدّه، حيث تزايدت وتيرة تلك الإصدارات مع إعلان التحالف الدولي الحرب ضده في العراق وسوريا.


ورافق الترهيب الداخلي، ترهيب خارجي أيضًا، حيث قام التنظيم عن طريق عناصر منتمية إليه أو متعاطفة معه بعمليات إرهابية في مدن كثيرة حول العالم، مثل الولايات المتحدة وفرنسا وأستراليا والدنمارك وتركيا وليبيا ومصر وتونس والسعودية والكويت. وفي 13 نوفمبر عام 2015، سقط 130 قتيلًا و350 جريحًا في 6 هجمات في يوم واحد في العاصمة الفرنسية باريس، والتي تبنّاها تنظيم الدولة الإسلامية. كان ذلك جزء من عمليات التنظيم خارج مناطق سيطرته.


أما داخليًا وأمام السطوة الكبيرة التي مارسها التنظيم تجاه سكان المناطق الخاضعة له، حاول توفير كل احتياجات الحياة هناك، بل وكانت أسعار المواد الغذائية، وفق تجارب سوريين عاشوا في مرحلة سيطرة التنظيم على الرقة ودير الزور، أقل من أسعارها في مناطق سيطرة النظام السوري أو بقية القوى العسكرية في سورية آنذاك. لكن لم يدم هذا الأمر طويلًا تحت وطأة الحروب المستمرة والقصف الذي جرى بحق تلك المناطق خلال الحرب ضد التنظيم.

الاستنفار الدولي


التَفَتَتْ الدول الغربية بحذر تجاه تنامي تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق، وبدأت تصنّفه كخطر كبير على أمنها واستقرارها وفي مقدمتهم الولايات المتحدة التي بدأت عملياتها العسكرية ضد التنظيم في 7 أغسطس عام 2014 بشكل محدود، بعد أن كان التنظيم قد ارتكب مجزرة بحق الطائفة الإيزيدية في العراق، والتي وصفتها الأمم المتحدة بأنها “من أسوأ مشاهد هذا القرن”. وتضمّنت المجزرة عمليات تطهير عرقي أودت بحياة الآلاف، وتم وفق تقرير صدر عن الأمم المتحدة “استرقاق أكثر من 6,500 من النساء والأطفال، وتشريد أكثر من 350,000 في مخيّمات النزوح شمالي العراق”.


وسارعت الولايات المتحدة الأميركية بالتدخّل وسط مخاوف من أن يتقدّم التنظيم باتجاه أربيل، عاصمة حليفتها كردستان العراق، التي تلقّت قواتها دعمًا أميركيًا، كذلك تلقّت القوى الكردية في سوريا دعمًا مشابهًا.


وفي شهر سبتمبر عام 2014، بدأ شنّ الغارات على التنظيم في سوريا بأمر من الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، ومن دون حتى انتظار تصويت الكونغرس. وتلا ذلك، التدخل الفرنسي من ثم بدأت الدول تدخل في الحلف ضد التنظيم، من بينها دول عربية مثل السعودية والبحرين وقطر والأردن والإمارات، التي وجّهت جميعها قوات من جيوشها لقصف التنظيم في سوريا، فيما تركّزت جهود الدول الغربية على العراق. وكان التدخّل بغالبيته عبر أسلحة الجوّ، أما الحرب على الأرض فكانت عن طريق الجيش العراقي وميليشيات سوريا، مثل القوى الكردية، وفصائل سورية معارضة. ثم تركّز الدعم لـ “قوات سوريا الديمقراطية” التي كانت تقودها الفصائل الكردية وتتضمّن مقاتلين عربًا وأكرادًا.

 

الاضمحلال


بدأت مظاهر ضعف التنظيم واضمحلاله مع تعمّق الضربات الغربية، وخسارة المواقع والمقاتلين والأسلحة، ابتداءً من عام 2015 حين انكمشت مناطق سيطرته في العراق وسوريا بمقدار الربع تقريبًا، خاصة في العراق، فيما كان الانكماش في سوريا ضعيفًا ومقتصرًا على مناطق الشمال القريبة من الحدود التركية، في وقت كانت فيه القوات التركية وحلفاؤها من فصائل المعارضة السورية جزءًا أساسيًا من الحرب ضد التنظيم في تلك المناطق.


وبدأت الضربات القاصمة تنال من التنظيم عام 2016 ليصبح مُحاصَرًا في المدن الكبرى التي بدأ بخسارتها أيضًا عام 2017، وكانت أهمّها الموصل التي استعادتها القوات العراقية كاملةً في 10 يوليو عام 2017. وفي أكتوبر من العام نفسه، خسر التنظيم عاصمته في سوريا وهي مدينة الرقة، من بعدها أعلنت الحكومة العراقية في 10 ديسمبر عام 2017 استعادة مُجمل أراضيها من تنظيم الدولة، ليدخل عام 2018 ولم يعد في يد التنظيم فعليًا سوى مناطق من الشرق السوري، إلى أن تمّت السيطرة على آخر معاقله في الباغوز شمال شرق البلاد في 23 مارس عام 2019. ولاحقًا في 27 أكتوبر عام 2019، قُتِل زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي في عملية عسكرية أميركية استهدفت مكان إقامته في ريف إدلب شمال سوريا، ليتحوّل بعدها التنظيم إلى مجموعات سرية تُجري عمليات متقطّعة بين حين وآخر خاصةً في العراق، وهو ما يؤدي إلى إثارة مخاوف المجتمع الدولي من قدرة التنظيم على استعادة نفسه.


خسرت سوريا والعراق، خلال وجود تنظيم الدولة فيها وخلال الحرب ضده، آلاف السكان. كما شُرِّد مئات الآلاف، ودُمِّرت مدن كبرى مثل الموصل والرقة، التي لم تستطع حتى اليوم استعادة عافيتها في ظل سوء الأوضاع السياسية والاقتصادية في البلدين، وهو نفسه السوء الذي كان مسؤولًا عن توفير بيئة مناسبة لنشوء ونموّ تنظيم الدولة الإسلامية، وغيره من التنظيمات المتطرّفة التي عادةً ما تنشأ في البلدان التي تعاني من الحروب والقمع السياسي والفقر والجهل.