تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
ابحث في fanack.com
Please enter search keyword.

قبائل التبو في ليبيا: عالم تباوي متفرد

قبائل التبو في ليبيا
صورة تم التقاطها يوم ٢١ سبتمبر ٢٠٢٠ لراقصين وراكبي جمال أثناء مشاركتهم في عرض سار باتجاه قصر الخلد (القصر الملكي السابق) في العاصمة الليبية طرابلس، وذلك على هامش مهرجان ثقافي للتبو نظمته الهيئة العامة للثقافة. المصدر: Mahmud TURKIA / AFP.

يوسف شرقاوي

تعد ليبيا من الدول التي ما زالت القبيلة تلعب فيها عاملاً مهماً في النواحي المجتمعية والاقتصادية والثقافية وحتى السياسية، كما يقول الدكتور البشير علي الكوت في دراسته “الدور السياسي للقبائل في ليبيا“.

ويتكون المجتمع الليبي من خليط متداخل من العرقيات. ويتضمن هذا الخليط قبائل وعائلات من العرب، بالإضافة إلى الأمازيغ والفينيقيين والتبو والطوارق. وللأفارقة، والأتراك، واليونانيين، والشركس، والإيطاليين وغيرهم حضورٌ في التركيبة السكانية الليبية. ويضم كلّ مكون رئيسي من هذه المكونات الكثير من القبائل المتفاوتة، بما في ذلك قبائل التبو المختلف في أصلها.

الأصل والتاريخ والحاضر

يبدأ الحديث عن قبائل التبو، وفقاً للجزيرة، مع المؤرخ الشهير هيرودوت الذي زار الساحل الشرقي لليبيا نحو العام 450 ق.م. وأشار هيرودوت في كتابه “التاريخ” إلى التبو على أنهم من المجموعات الزنجية الإثيوبية أو الحبشية. وحدَّد هذا المؤرّخ مواطن سكن هذه القبائل على ما هي عليه الآن، أي من فزان في ليبيا مروراً بتشاد وصولا إلى النيجر، مع امتدادات محدودة في الدول المجاورة خاصة السودان وأفريقيا الوسطى.

ويلفت الكاتب عائد عمارة النظر إلى إعادة المؤرخين اليعقوبي والمقريزي قبائل التبو إلى أصولٍ أمازيغية “بربرية”، الأمر الذي خالفهم فيه المؤرّخ الألماني غوستاف ناشتيغلاف. ويقول المؤرخ الألماني: “وإن لم يكن للتُبو أي صلةً بالبربر، فإنهم مع ذلك لا يُشبهون الزنوج، بل يشكلون شعباً وسيطاً بين السكان الأصليين لشمال إفريقيا وزنوج السودان”.

وبحسب كتاب “حكايات وخرافات وأساطير تباوية” لامراجع السحاتي، فقد أضفى عددٌ من المؤرخين صفات معتدلة على التبو. ويشير الكتاب إلى وصف الرحالة الألماني فردريك هورونمان لملامح التبو في مذكراته، فهم ذوو قوامٍ نحيل وسواعد مفتولة ومشية رشيقة وعيون ذكية وشفاهٍ غليظة. وفي الوقت الذي قال فيه هورونمان إن التبو ليسوا بذوي بشرةٍ سوداء تماماً، فإنه اعتبر أنوفهم “فطساء وليست كبيرة، وشعرهم طويل جدّاً ولكنه أقل تجعداً من شعر الزنوج”. ويؤكد المؤرخ اللاتيني بليني الأكبر أنّ وجود التبو موغل في القدم، مشيراً في كتابه “التاريخ الطبيعي” إلى وجود التبو في جبال تيبستي.
ووضّحت خريطة بيتس الإثنية للأعراق السامية – الحامية في إفريقيا تواجد التبو في ليبيا. ورسم هذه الخريطة المؤرخ الأركيولوجي الأمريكي أوريك بتيس في كتابه “الليبيون الشرقيون“.

وتجزم بعض المُعطيات التاريخية القديمة والقرائن العلمية الحديثة بأن التُبو من أقدم الشعوب التي استوطنت منطقة الصحراء الأفريقية. بل إن تواجدهم، في بعض مواطنهم الحالية، قد لا يقل عن 30,000 سنة. وبحسب دراسة بعنوان “التبو من الداخل: دراسة عن الأصول والجذور”، من الأرجح أن يكون التُبو “أحفاد رعاة الماشية في عصور ما قبل التاريخ، علماً بأن هؤلاء استوطنوا المنطقة واستطاعوا مقاومة الصحراء والتأقلم معها”.

ويربو عدد التبو عن ثلاثمائة ألف نسمة في الأماكن التي يعيشون فيها الآن. وأشارت الإحصائيات كذلك إلى أن تبو ليبيا يتكونون من قبائل كبيرة وعشائر وعائلات.

ويعيش التبو على مساحة شاسعة من الأراضي الليبية تقدر بعشرات الآلاف من الكيلو مترات المربعة من الحدود الجنوبية من الكفرة في أقصى الشرق إلى القطرون والويغ جنوبي سبها، كما يقول امراجع السحاتي في كتابه “دراسات في الأدب التباوي“.

في ظل هذا الاختلاف حول الأصل، يقول شيخ القبيلة أو سلطان التبو زولاي مينا صالح للجزيرة الوثائقية: “نحن سكان أفريقيا. كلّنا سود ولكن ملامحنا تختلف، فوجوهنا تختلف، وكذلك أنوفنا ولغتنا وأسناننا، كلّها تختلف. بناء على ذلك، فأنا أميل إلى الرأي الذي يقول إننا من الجزيرة العربية”.

التسمية واللغة

ذهب عالم المصريات النمساوي ليو رينيش إلى أنّ كلمة “تُبو” تحويرٌ لكلمة “تِحنو”. وكان المصريون القدماء يستخدمون هذه الكلمة للدلالة على مجموعةٍ من القبائل التي استوطنت الأراضي الواقعة إلى الغرب من وادي النيل “أي الصحراء الليبية”. وبحسب ما نقلته دراسة التبو من الداخل: دراسة عن الأصول والجذور“، يعيد بعض الباحثين كلمة “تُبو” إلى لغة شعب الكانوري. وتلفت هذه الدراسة إلى تركيب كلمة من مقطعين وهما: “تُو” وهو الاسم الذي يُشير به التُبو إلى جبال تبيستي، و”بُو” وهو صيغة الجمع التي تدل على النسبة عند إلحاقها باسم بلد. وعلى هذا النحو، تعني كلمة “تبو” “الجَبَليّون”. أما باللهجة المحلّية، فتعني الكلمة “شعب الصخر”.

وتنتمي لغة التبو تنتمي إلى عائلة اللغات النيلية الصحراوية، وهي أيضاً من اللغات النَغَمية التي تتميز بنبراتها السريعة والحادة والمتشابهة. وتتفرع هذه اللغة إلى لهجتين أساسيتين هما “تيداغا” و”دازاغا”. ويتحدث سكان الجنوب الليبي وهم “التدا” لهجة التيداغا – أو ما اصطلح على تسميته بـ “لسان تدا” – منذ القدم وقبل ظهور الدول المستقلة المعاصرة. في المقابل، يتحدث “الدازا” لهجة الدازاغا. ويرى بعض الباحثين الغربيين أنه ليست هناك أية تسمية، لدى التبو أنفسهم، يشيرون بها إلى كيانهم ككل.

التقاليد والشعر والمرأة

قبائل التبو في ليبيا
فتيات يرتدين الزي التقليدي لصورة جماعية أثناء المشاركة في مهرجان ثقافي للتبو من تنظيم الهيئة العامة للثقافة، حيث تم تنظيم هذه الفعالية في قصر الخلد “هو قصر ملكي سابق” بالعاصمة الليبية طرابلس يوم ٢١ سبتمبر ٢٠٢٠. المصدر: Mahmud TURKIA / AFP.

تتّفق العديد من الدراسات على تحكّم تقاليد التبو بكافة نواحي تقريباً. ولإن اختلفت قبائل التبو في النسب، إلا أنها اتفقت على المسمى الجامع لها، لتصبح هذه القبائل بمثابة مجتمع ريفي ما يزال متمسكاً بنظام حياته الخاص.

ويكون السلام عند التبو على بُعد عشرة أمتار. وإذا التقى اثنان من المعارف، فإنهما يؤديان التحية على مسافة عشرة أمتار ثم يقتربان من بعض، ويسلمان بالأيدي دون تبادل القبل، كما كتب الصحفي عائد عميرة. ويضيف:
“تمارس نساء التبو فن أو شعر “الهامي” لمدح الأقارب والتفاخر بالأنساب والأصل وذكر بطولاتهم وذمّ الخصوم. وتتراص نساء مجموعة “هامي” على شكل دائرة تتولى فيها إحداهنّ الغناء، واضعةً نفسها موضع مايسترو الإيقاع. أما البقية، فيقمن بالتصفيق وترديد مقاطع الغناء.

ووفقاً لامراجع السحاتي في كتابه “المرأة التباوية ودورها في تعزيز الهوية التباوية“، فإن المرأة التباوية تحتلّ مكانةً خاصة في المجتمع، وهي الأساس الذي بنيت عليه هوية التبو وحضارتهم. واعتاد شيوخ التبو ومجلس كبار القبيلة طلب رأي المرأة في حالة السلم والحرب. وتشارك النساء التباويات في الحروب، ومهامهنّ في الحياة اليومية شاقة وصعبة. ويقول سلطان التبو زولاي مينا صالح للجزيرة الوثائقية حول ذلك: “ونحن إذ نقول تباوي وتباوية فما من فرق بينهما، إلا في اختلاف حرف في آخر الاسم فقط، فكلّ التبو واحد، في كل جوانب الحياة”.

الدستور والنقلة الحضارية

اجتمع 42 شيخاً من شيوخ قبائل التبو لوضع دستور خاص بشعبهم عام 1889. وكان ذلك بحسب كتاب “حكايات وخرافات وأساطير تباوية” تحت إشراف الزعيم التاريخي السلطان شهاي بوغر المعروف لديهم باسم دوردا شهاي. ووضع شهاي القوانين العرفية التي ما تزال تحكم التبو إلى اليوم. واستند شهاي في هذه القوانين إلى أحكام الشريعة الإسلامية والأعراف السائدة آنذاك، وهي أعرافٌ متوارثة مستقاة من سنّة الحياة الطبيعية التي لا تختلف مع الشريعة، وجاءت ضمن دستور يسمّى “كوتوبا” أو “كوندودي”.

يقول الباحث مينا تسكدي “إن دستور التبو عبارة موجزة تدلّ على صيغة من صيغ العقد الاجتماعي كما أشار إليه الفلاسفة، ونسميه في ثقافة التبو باسم كُتُما”. وبحسب ما نقله موقع العرب عن باحثين متخصصين، يجمع دستور التبو “بين الأطر العامة التي تحدّد المسؤوليات وبين المواد التفصيلية التي تحدّد الإجراءات الواجب اتباعها، أي أنه يجمع بين الناحيتين التنظيرية والإجرائية”. فهو ينتقل من تحديد المسؤوليات إلى تنظيم المعاملات الضرورية، وخاصّة ما يقتضي منها إصدار أحكام قضائية محدّدة، كما في حالات فضّ المنازعات والقصاص والعقوبات الماديّة أو المعنوية لمرتكبي الجرم.
ويتم الاعتماد على دستور “الكوندودي” في مختلف “مجالات الحياة والقضايا التي قد تعترض الجماعة أو الأفراد كالحروب والقتل والسرقة والزواج والطلاق والميراث غيرها، وغالباً ما يغني عن اللجوء لمراكز الشرطة”.

الثقافة والتراث اللامادي

يتصف المجتمع التباوي كما يقول امراجع السحاتي بطابعه الشفوي، بسبب الطمس الذي تعرّض له لعدة أسباب. وتزخر المكتبة الشفوية لهذا المجتمع بثقافة وتاريخ لم يجدا من يهتم بهما من الأنظمة الليبية أو الأكاديميين.

ولقبائل التبو حكاياتٌ وأساطير وخرافات تماثل أي مجتمع آخر، كما أنها عززت الموروث الثقافي الليبي. ومن هذه الأساطير أسطورة مالاهورا وأسطورة نانا دي، والأعياد الدينية في الأدب. ومن الحكايات والخرافات التي ترويها الجدّات حكاية المرأة والجمل وحكاية يوم اختطاف الجمل الأبيض.

ويعيش التبو منذ سنوات في مأزق وجودي لإثبات هويتهم وجنسيتهم، بعد أن جردهم معمر القذافي منها، وقد عانوا من التمييز العرقي منذ العثمانيين حتى القذافي، والآن حفتر، حسب موقع رصيف ٢٢. كما جرت العادة على اتهام التبو بأنهم يحاولون الانفصال عن ليبيا، وهم ينفون هذه الاتهامات، وفقاً لموقع العين الإخبارية.

ونظراً لتراكم الصراعات التاريخية بين التبو ومحيطهم، فإنهم يتطبّعون بلحمتهم القوية فيما بينهم، مقابل العزلة وصعوبة الاندماج مع الغريب، وفقاً لجريدة الأخبار. ولهذا يصفهم من لا يعرفهم بالدهاء وبعدم الأمان، مع أن حقيقة الأمر ليست من هذا في شيء، فالتبو أناس بسطاء بدو طيبون كرماء الطبع وشديدو المراس، قد يتغاضون عن الظلم حيناً، ولكنهم حين انتفاضهم كعواصف الصحراء التي تجتث الأخضر واليابس.