وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

ليبيا: انهيار الدولة

ليبيا انهيار الدولة
متظاهر ليبي يكتب شعارًا بينما يغلق المتظاهرون شارعًا في طرابلس في 2 مارس 2014 للمطالبة بالإفراج عن زملائه المتظاهرين الذين اعتقلهم مسلحون طوال الليل / Photo Hollandse Hoogte

المقدمة

لم يكن الثوار في أثناء الانتفاضة الليبية يطمحون إلى أي شيء أبعد من إسقاط القذافي وعائلته ونظامه السياسي. لكن ليبيا انقسمت بين حكومات وبرلمانات وجيوش متعددة في برقة وطرابلس، ثم تفكك كل طرف إلى مجموعات فرعية، لا سيما في طرابلس، حيث بسطت الميليشيات المختلفة سيطرتها على مناطق صغيرة.

ولكن أهمية ليبيا عند العالم لم تختلف، فهي بلد يقع في منطقة حيوية من البحر المتوسط وشمال إفريقيا ولديها مخزون كبير من النفط. ولذلك، حاولت بعض الأطراف مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي التوسط لإيجاد حلول، في حين سعت الجماعات الإسلامية الأممية مثل تنظيم الدولة الإسلامية إلى الانفصال بمناطق معينة في ليبيا.

الحكومة المؤقتة

تعهد المجلس الوطني الانتقالي بإقامة دولة ديمقراطية تعددية. وفي نوفمبر 2011، تولى عبد الرحيم الكيب منصب رئيس الوزراء في الحكومة الانتقالية، وكانت ليبيا آنذاك في خضم فوضى سياسية. وانتشرت في البلاد ملايين القطع من الأسلحة الصغيرة (وآلاف من الأسلحة الثقيلة)، ووصل ذلك السلاح إلى مختلف الميليشيات في ليبيا.

أبرمت الحكومة عقوداً أمنية من الباطن مع الميليشيات المسلحة التي سيطرت على جزء كبير من البلاد، وعادةً ما كانت تلك الميليشيات تنافس بعضها بعضاً. كما دمجت الحكومة كيانات مؤقتة أخرى في هيكل الدولة مثل اللجنة الأمنية العليا التي يتزعمها عبد الرؤوف كارة، وقد خضعت لسيطرة وزارة الداخلية.

لكن ذلك الكيان، الذي غيّر اسمه إلى “قوات الردع الخاصة”، ظلّ مستقلاً على أرض الواقع، وتولى مسؤولية التحقيق في جرائم التي تخص مكافحة المخدرات والجريمة المنظمة ومكافحة الاختطاف. كما قام بدور الشرطة في طرابلس، واتسمت قواته بالانضباط. لكن النفوذ السلفي بداخله كان قوياً وقيل إن بعض كبار الضباط على علاقة بالحركة المدخلية. وشغل قادة الميليشيات في الحكومة المؤقتة وزارتي الدفاع (قائد من الزنتان) ووزارة الداخلية (زعيم إحدى الميليشيات من مصراتة). وتنامى دور الميليشيات الإسلامية في برقة.

وقد أدت حالة الفوضى إلى اضطراب إنتاج النفط، فانخفض من نحو 1.7 مليون برميل يومياً في 2010 إلى أقل من نصف مليون برميل يومياً في 2011، ما أدى إلى انهيار اقتصاد البلاد القائم على صادرات النفط.

2012: تزايد نفوذ الميليشيات

ليبيا انهيار الدولة
عناصر الميليشيات يحرسون مدخل مدينة بني وليد، تموز / يوليو 2012. Photo NY Times / HH

أصبح تشكيل حكومة ذات أثر ودور مسألة مستحيلة بسبب الانقسامات بين الميليشيات والفصائل في المجلس الوطني الانتقالي. فكان الثوار، الذين قاتلوا في غالبية المعارك، يرغبون في تطهير النظام الجديد بعدما نجحوا في إسقاط القذافي. لكنهم وجدوا أنفسهم في مواجهة “فلول” النظام القديم. كما أن مختلف الميليشيات الإسلامية الراديكالية رفضت رفضاً قاطعاً ما أسموه القيادة العلمانية للمجلس الوطني الانتقالي.

ولمّا أخذ الهيكل السياسي يتفكك، بدأ الكيب في التحضير لانتخابات المؤتمر الوطني العام ليحل محل المجلس الوطني الانتقالي، على أن يكون رئيسه رئيساً الدولة بحكم الأمر الواقع. فأُجريت الانتخابات في 7 يوليو 2012، وفاز تحالف القوى الوطنية بأغلبية المقاعد. وكان التحالف يضم طيفاً سياسياً واسعاً من الجماعات العلمانية. بينما حلّ حزب العدالة والبناء التابع لجماعة الإخوان المسلمين في المرتبة الثانية. ورغم الدعوات بمقاطعة الانتخابات وتحديداً من السلفية المدخلية التي ترى كل الانتخابات مخالفة للشرع، شهدت الانتخابات إقبالاً بنسبة 62% تقريباً. وفي 8 أغسطس، انتخب المؤتمر الوطني العام في أول اجتماع له محمد يوسف المقريف رئيساً له، وهو زعيم قديم للمعارضة الليبية في المنفى.

حكومة زيدان

ليبيا انهيار الدولة
مظاهرات للأمازيغ أمام مكتب رئيس الوزراء في طرابلس في 27 نوفمبر 2011 للضغط على المسؤولين من أجل تمثيلها في الحكومة. AFP PHOTO/MAHMUD TURKIA

كانت مهمة المؤتمر الوطني العام إعداد دستور جديد وانتخاب رئيس للوزراء. وفي نوفمبر 2012، اختار المؤتمر علي زيدان، وهو المحامي المختص بقضايا حقوق الإنسان، وفضّله على مرشح العدالة والبناء.

وسارت الأمور في البداية على ما يُرام، وساند العالم الغربي ممثلاً في الولايات المتحدة وفرنسا العملية الانتقالية في ليبيا وقدّم لها دعماً كبيراً. وعملت المنظمات غير الحكومية الأمريكية على تأسيس مكاتب لها في ليبيا، وتعاونت مع الاتحاد الأوروبي للمساعدة في تأسيس المجتمع المدني في البلاد. كما استعاد الاقتصاد عافيته حتى وصل إنتاج النفط إلى معدلات تقترب من مستويات ما قبل الثورة الليبية بمعدل 1.4 مليون برميل يوماً خلال 2012. لكن زيدان لم يستطع حل إشكالية السلطة.

فقد حاول زيدان تفكيك الجماعات المسلحة أو استيعابها داخل الجهاز الأمني للدولة. فقبلت بعض الجماعات الانضمام إلى وزارة الدفاع مثل “قوة درع ليبيا” (الجيش) وجهاز الأمن الوقائي (مكافحة التجسس) واللجنة الأمنية العليا (الشرطة). لكن الميليشيات اعتبرت نفسها ضماناً لحفظ النظام لأن مؤسسات الدولة كانت ضعيفة وتحت سيطرة فلول نظام القذافي. كما كان تسليحها أفضل من بقايا الجيش والشرطة النظاميين، ورفضت تلك الجماعات التنازل عن استقلاليتها لصالح الدولة.

وكانت بعض الجماعات الإسلامية ترى المشهد من خلال مفاهيم اجتماعية فضفاضة مثل المدخلية التي خرجت منها مجموعات “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” والتي استهدفت الصوفيين وشرعت تدمر أضرحتهم ومساجدهم. لكن ذلك لم يقتصر على المداخلة، إذ بدأت حملة ضد أضرحة الصوفيين في أغسطس. وفي نهاية 2012، دمرت قوة الردع الخاصة أضرحة مدرسة عثمان باشا الساقزلي في طرابلس.

ضعفت قبضة زيدان على السلطة، إذ تمركز الإسلاميون المتشددون مثل أنصار الشريعة وكتيبة شهداء 17 فبراير في معاقلهم بالشرق قرب درنة وبنغازي. وفي 2012، بدأوا يغتالون سياسيين وجنوداً من عهد القذافي في شرق ليبيا.

وما لبثت أن ظهرت الصراعات العرقية والمناطقية مجدداً. إذ تمرد التبو في فزان، وهم أقلية عرقية إفريقية تعيش في جبال تبستي ومناطق مثل سبها والكُفرة ومرزق والقطرون. وقد سبق أن تمرد التبو على القذافي عام 2007، وبعد سقوط نظامه، هاجم التبو قبيلة الزوي العربية التي اعتمد عليها القذافي. وفي فبراير 2012، أدت الاشتباكات العنيفة إلى مذبحة بحق التبو في سبها.

وفي 26 سبتمبر 2011، أنشأ الأمازيغ في جبل نفوسة المؤتمر الوطني الأمازيغي الليبي الذي سعى إلى الاعتراف بهوية الأمازيغ الثقافية ولغتهم في الدستور. لكن المجلس الوطني الانتقالي قابل طلبهم بالرفض لأن نسبة الأمازيغ في البلاد أقل من 5%. ووقعت بعد ذلك أعمال عنف حين حاول الأمازيغ طرد العرب من أرض جبل نفوسة التي خصصها لهم القذافي. كما شاع الثأر بين المدن المتنافسة مثل مصراتة وبني وليد.

انهيار حكومة زيدان

وفي 5 مايو 2013، أصدر المؤتمر الوطني العام قانون الانتخابات تحت ضغط من الميليشيات والإسلاميين المتشددين والمعارضين السياسيين لنظام القذافي. وقد استبعد القانون كل شخص مرتبط بالنظام القديم. وبعد ذلك استقال المقريف من رئاسة المؤتمر الوطني العام وخلفه نوري أبو سهمين بدعم من الإسلاميين.

وفي أكتوبر 2013، اختطفت جماعات مسلحة علي زيدان نفسه لفترة وجيزة، وهو ما اعتبره زيدان محاولة للانقلاب. وقد نفذت الاختطاف ميليشيا “غرفة عمليات ثوار ليبيا” المرتبطة بأبي سهمين الذي تجمعه علاقات سياسية بقطر، خلاف زيدان المقرب من الإمارات. لذلك وُصف الصراع في ليبيا بأنه حرب بالوكالة بين قطر والإمارات.

وفي سبتمبر 2012، خَفُت إقبال الدول الغربية على دعم المجتمع المدني في ليبيا، وعلى رأسها الولايات المتحدة. إذ اقتحم عشرات المسلحين القنصلية الأمريكية ومنشآت تابعة لوكالة المخابرات المركزية في بنغازي. وأسفرت تلك الهجمات عن مقتل السفير كريستوفر ستيفنز وثلاثة مواطنين أمريكيين آخرين. فأخذت الولايات المتحدة الأمريكية تغلق معسكراتها التدريبية في ليبيا، وشرع الدبلوماسيون والأجانب في مغادرة البلاد عام 2013.

ليبيا انهيار الدولة
رجل مسلح يشهر سلاحه أمام النيران المشتعلة في المباني والسيارات داخل مجمع القنصلية الأمريكية في بنغازي في مساء يوم 11 سبتمبر 2012. نفذت تلك المجموعة المسلحة هجومها على القنصلية الأمريكية بسبب فيلم اعتبروه مسيئاً للإسلام. وأفاد شهود ومسؤولون أنهم قتلوا مواطناً أمريكياً وأضرموا النيران في المبنى. AFP PHOTO STR / AFP

لكن الميليشيات وجدت معارضة في برقة. ففي ربيع وصيف 2013، تصدى زعماء العشائر في درنة لميليشيا كتيبة شهداء أبي سليم. وفي بنغازي، واجه المدنيون الجماعات الإسلامية التي خرجت في سيارات بالبنادق والأعلام السوداء للمطالبة بفرض الشريعة الإسلامية. لكن الميليشيات لم تكترث لمثل تلك المواجهات، فهي لم تمثل تهديداً حقيقياً لقوتها.

وفي يوليو 2013، سيطرت جماعة مسلحة بقيادة إبراهيم الجضران، الذي شغل منصب رئيس حرس المنشآت النفطية في الشرق، على محطات النفط في برقة وطالبت بالاستقلال عن طرابلس. وفي مارس 2014، حاول الجضران بيع النفط بمعزل عن حكومة طرابلس، وعقد صفقة مع ناقلة النفط “مورننغ غلوري”. وعجز زيدان رئيس الوزراء عن منعه، فاستبدله المؤتمر الوطني العام بعبد الله الثني الذي تمكن من إعادة تشغيل بعض محطات النفط، وتحالف مع خليفة حفتر الذي استعاد السيطرة على المنشآت النفطية.

الانقسام بين طرابلس وبرقة

في عام 2014، انقسمت ليبيا بين حكومتين شكّلتهما أكبر قوتين في المؤتمر الوطني العام: تحالف القوى الوطنية وحزب العدالة والبناء. وذلك في ظلّ خلافهما على مسألة التعامل مع الاضطرابات الأمنية المتفاقمة. وكان من المقرر أن تنتهي ولاية المؤتمر الوطني العام في يناير، لكنه قرر تمديدها في ديسمبر 2013 لعام آخر.

وفي فبراير 2014، نظّم المؤتمر الوطني العام انتخابات لتشكيل لجنة صياغة الدستور. وكانت نسبة المشاركة منخفضة للغاية حتى إن الانتخابات أفضت عن شغل 48 مقعداً فقط من أصل أكثر من 60 مقعداً. وشارك السلفيون المداخلة هذه المرة، رغم أنهم قاطعوا الانتخابات “المخالفة للشرع” من قبل، وذلك لأنهم أرادوا ضمان دور الشريعة في الدستور.

عمليتا “الكرامة” و”فجر ليبيا”

أدى نفوذ الإسلاميين المتزايد في طرابلس إلى خروج مظاهرات مناهضة وتحديداً في شرق البلاد. وشكّل اللواء خليفة حفتر تحالفاً عسكرياً في برقة أسماه “الجيش الوطني الليبي” بعد توحيد صف بعض الميليشيات مع بقايا جيش القذافي. وفي مايو 2014، استخدم حفتر ذلك التحالف لبدء “عملية الكرامة” ضد الجماعات الإسلامية المسلحة بما في ذلك تنظيم الدولة الإسلامية. وانضم المداخلة في بنغازي إلى جيش حفتر بسبب عدائهم لجماعة الإخوان المسلمين. وفي طرابلس، وافق المؤتمر الوطني العام على إجراء انتخابات لمجلس النواب الجديد في يونيو. لكنها شهدت إقبالاً ضعيفاً، ورفضتها الجماعات الإسلامية المسلحة في طرابلس، ثمّ انقسمت ليبيا على أرض الواقع بين حكومتين متنافستين.

وفي صيف 2014، شكّل تحالف واسع يضم جماعات ثورة وإسلامية قوات “فجر ليبيا” بقيادة ميليشيات مسلحة من مصراتة تضم بعض الإسلاميين المتشددين . كما ساند ذلك التحالف ميليشيات أخرى في شرق البلاد، ودعمتها قطر وتركيا. وسيطر التحالف على العاصمة ومعظم مناطق ليبيا الغربية ومطار طرابلس الدولي.