وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

الرحامنة في المغرب: شريان البداوة

الرحامنة في المغرب
صورة تم التقاطها يوم ١٠ أكتوبر ٢٠٢١ في منطقة مرزوقة على هامش نسخة ذلك العام من رالي المغرب. المصدر: FADEL SENNA / AFP.

يوسف شرقاوي

المقدمة

يقع إقليم الرحامنة وسط المغرب، وتحيطه أربعة أقاليم أخرى. تسكنه قبائل الرحامنة بتاريخها وثقافتها الغنية وعاداتها وفنونها المتنوعة، في مغربٍ متحول، أثار نقاشات في عديد من الطروحات النظرية التاريخية، ولفت نظر المؤرخين والباحثين إليه.

التقسيمات الجهوية والإقليم

عرف المغرب عبر تاريخه عدّة تقسيمات مجاليّة وجهوية، لكلٍّ منها خصائصها وأسسها، في إطار سياسة إعداد التراب الوطني.

بدأ التقسيم الجهوي الأول سنة ١٩٧١، وكان أول تقسيم تقرّه السلطات المغربية بعد الاستقلال. وقد استهدف من هذا التقسيم الحد من الفوارق الجهوية، ومن حدة المركزية الإدارية والاقتصادية، وتخفيف الضغط الديموغرافي على المناطق الساحلية الأطلسية، وقد تم تقسيم المغرب آنذاك إلى سبع جهات اقتصادية.

قُسّم المغرب مرة جديدة سنة ١٩٩٧ إلى ست عشرة جهة، بدوافع سياسية واقتصادية واجتماعية، منها: تدعيم اللامركزية وإقرار الديمقراطية المحلية، ونهج سياسة القرب، وتعزيز التنمية الاقتصادية ومواكبة متطلبات العولمة، تحسين مستوى التنمية البشرية والقضاء على مظاهر التخلف الاجتماعي.

يشكل التقسيم الجهوي لسنة ١٩٩٧ أرضية لسياسة إعداد التراب الوطني.

جاء التقسيم الجهوي الجديد لسنة ٢٠١٥ مكوّناً من اثنتي عشرة جهة، تنقسم إلى عدة أقاليم وعمالات. توجد وفقاً للتقسيم الجديد 75 عمالة وإقليم و1503 جماعة.

والفرق بين العمالة والإقليم هو أن العمالة يكون أغلب سكانها حضريين ويكون عدد السكان الحضريين أكبر من السكان القرويين، أما الإقليم فهو عكس ذلك تماماً. من جملة الأقاليم المهمة إقليم الرحامنة الذي يقع وسط البلاد.

القبيلة والأصل

سجلت قبيلة الرحامنة منذ القرن التاسع عشر على الأقل حضوراً قوياً في عددٍ من الاتجاهات والوقائع، وهو حضور لاح في كتابات الإخباريين والمؤرخين.

تشير أخبار النسّابين في كثير من المصادر إلى أنّ تسمية الرحامنة تفيد “أولاد عبد الرحمان” أو “أولاد رحمون”، و”هي تسمية كانت تدل عليهم قبل وفودهم إلى المغرب من اليمن، مروراً عبر الصحراء، التي ما زالت آثارهم دالّة على مرورهم منها واستقرارهم بها، فاسم الرحامنة ليس حكراً على المغرب فقط، ذلك أنّ هناك قبائل أخرى تحمل نفس التسمية في كلٍّ من الجنوب المصري والجنوب الليبي والشرق الموريتاني”.

إنّ قبيلة الرحامنة وفقاً لذلك “تشكّل مزيجاً من العناصر يصعب فهم وتفسير مكوناتها ببعض أجزائها، وتبرهن على أنّ تكوينها نتج عن حركية اجتماعية بسبب التطورات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية كالهجرات والحروب والترحال”.

إنّ قبيلة الرحامنة، كما يقول د. عبد الرحيم العطري، هي من القبائل المعقلية العربية التي وفدت إلى المغرب من شبه الجزيرة العربية عن طريق مصر وليبيا، ثم إلى الصحراء الموريتانية والمغربية، قبل أن ترتحل إلى موطنها الحالي بحوز مراكش. هذا الانتقال من موطن إلى آخر جعل من القبيلة مزيجاً من الأصول والانتماءات القبلية، وجعلها مكوّنة من عدد من العشائر، التي يتجاور فيها المكون العربي والأمازيغي والإفريقي.

الأرض والجغرافيا

يمتد مجال الرحامنة على ٥٨٥٦ كلم مربع، بمناخٍ قاري وعدد أيام ممطرة لا يتجاوز أربعين يوماً في السنة، يقطنه وفقاً لنتائج الإحصاء الوطني للسكان والسكنى سنة ٢٠٠٤ ما مجموعه ٤٣٧٢٨٨ نسمة، ثمانون بالمئة منهم قرويون.

تتكون تضاريس منطقة الرحامنة من كتلة قديمة مشرفة على الهضاب في الشمال، وهضبة الكنتور في الجنوب، بالإضافة إلى سهل البحيرة وسلسلة الجبيلات الوسطى التي يتراوح عرضها بين ١٠ و٢٠ كم. وبالرغم من تموقع الرحامنة بين نهري أم الربيع وتانسيفت، إلا أنّ الاستفادة منهما تظل متواضعة، والمساحة الصالحة للزراعة لا تتعدى ٤٠٪ وهي محصورة في شريطين بأقصى الجنوب وأقصى الشمال الغربي.

يبدأ الفلاحون بمراقبة السماء في أكتوبر، منتظرين نشرة الأحوال الجوية. ينطلق موسم الحرث في بداية نوفمبر. يقول خليفة، وهو واحد من ملاك الضيعات في مركز سيدي بوعثمان بالرحامنة، إن “الجميع يعاني من مشكلة المياه، الجفاف أضر بالبشر والأرض والحجر، وارتفاع تكاليف الحرث والسقي والحصاد بات يقلل العائد المادي”. ويضيف لمجلة الجزيرة “هذا التقليل توازيه حالات تمسّ خط الفقر في الرحامنة أو تتجاوزه، لكن لا شيء يجعلها تنضم إلى قوافل المهاجرين إلى المدن بسبب ذلك، أقله ليس كل أفراد العائلة”، لم تعد الفلاحة في إقليم الرحامنة مصدراً كافياً للعيش.

"العزيب"، الترحال

كما في الأقاليم الثانية ذات الغالبية القروية، ينتشر في إقليم الرحامنة “التعزاب” أو “العزيب”. ويعني أن يهجر راعي الغنم والماعز بشكل خاص بيته خلال مواسم معينة، خصوصاً في موسم الحصاد، ويقيم وسط الحقول التي يتوفر فيها الكلأ لقطيعه. ينصب هناك مع رعاة غنم آخرين خيمات مؤقتة من أجل السكن، ويقتصرون في عيشهم على المواد التي تنتجها ماشيتهم، من قبيل السمن والحليب واللبن، وينتهي “التّعزاب” حال انتهاء الموسم واختفاء التبن والحشائش من الحقول.

قال مصطفى، راعٍ من الرحامنة، لمجلة الجزيرة: “التعزاب ليس اختيارياً، هو صعب وقاس ويتطلب صبراً كبيراً، لكن توالي سنوات الجفاف على الرحامنة يكاد يهلك ماشيتنا، ونحن لن نسمح بذلك”.

في ظرف آخر يعني “التّعزاب” أيضاً أن يغادر مربي الماشية قطعة الأرض المقام عليها بيته، إلى قطعة أرض أخصب، تكون في ملكيته أو يكتريها، لكن مع بيت طيني بها، لا يهم إن كان صغيراً. المهم أن يكون مأوى جيداً، وليس شرطاً أن ترافق الزوجة زوجها إليها، بالأخص إن كان سيقتسم العزيب معه رعاة غنم آخرون.

يحرص مربو الأغنام على تخليصها من صوفها أول الصيف لارتفاع درجات الحرارة بالمنطقة، ويكون ذلك بصيغة احتفالية تحضر فيها وليمة من لحم الغنم، ويدعى إليها مقرئو القرآن، كما يمكن للنساء أن يجتمعن ويغنين للبركة والخير، في احتفال اسمه “الدزازة“، أو جز صوف الغنم.

قرية بسمات البداوة

الرحامنة في المغرب
مسجد في منطقة قبيلة الرحامنة العتيقة. المصدر: Creative Commons – Wikimedia – مآثر المغرب.

يسكن حوالي ٧٠٪ من سكان الرحامنة بيوتاً طينية، تبنى البيوت باستعمال ثلاث مواد رئيسية هي التراب والحجر والتبن، بينما تسقف بالخشب والقصب. عادةً ما يبني الرجل من الرحامنة بيته بنفسه، لبنة لبنة، باللهجة المغربية يسمى بالياجور.

“يتكوّن الياجور الترابي بخليط من الماء والتبن، يضاف إليهما التراب الذي يجب أن يكون قد مر بعملية الغربلة التي تزيل الحجارة الصغيرة منه، ويخلط هذا المزيج بشكل جيد حتى يفقد اللزوجة ويصبح متجانساً، بعد ذلك يوضع في قوالب الياجور كما تسمى في اللهجة المحلية، ويسوّى داخلها الخليط بقطعة حديدية صغيرة تسمى “الملاّسة” أو باستعمال اليدين. يحتاج الياجور إلى عشرة أيام حتى يجف ويتماسك، بعدها تنطلق عملية البناء”.

ما تزال تقاليد الفروسية التي يعرف بها البدو حاضرة في ثقافة الرحامنة، فالخيل لها قيمة مادية ومعنوية لدى الرحماني، كما تقام المهرجانات ومسابقات الفروسية بين الفرق لإظهار مهارات الفروسية وتسمى بـ “التبوريدة”.

الخيل عند الرّحمانيين، عنوان للنبل والشهامة، ووجودها في البيت مبعث بركة للرزق، وإن تم التخلّي عنها لفترة لتوالي سنوات الجفاف وارتفاع أسعار الخيل، فالأوضاع اليوم برأيهم أحسن من سابقها، ولا يتعلم ركوبها حالياً أو يمارس التبوريدة الذكور فقط بل الإناث أيضاً. وقد تُوّجت فرقة من الإقليم بالجائزة الذهبية في فئة الفرسان الصغار على صعيد كل التراب المغربي.

الفن والمرأة، وجهان للمقاومة

تشتهر قبيلة الرحامنة بفن “العيطة” الغنائي الشعبي، وتعني الكلمة في اللهجة المغربية “النداء”، إذ كان الهدف الأساسي من هذا الفن هو المناداة على أفراد القبيلة، واستنهاض هممهم وشحذ عزيمتهم، وبقي هذا الاسم ملاصقاً لهذا الفن دون أن يتغير.

ينخرط في هذا الفن الرجال والنساء معاً، على تفوق للنساء منحتهن إياه الحياة القروية التي ترتبط مشقة العمل فيها بتسلية الغناء.

في قبيلة الرحامنة وعلى عكس قبائل أخرى، كان عدد النساء المشهورات بفن العيطة أكثر من عدد الرجال، ومن بين أيقونات المنطقة “الشيخة السعدية نقيرة”، ومن بين أشهر مقاطع أغاني العيطة التي تغنت بها الشيخة السعدية وغيرها من شيخات الرحامنة، هذا المقطع الذي يؤرخ لمعركة سيدي بوعثمان عام 1912 بين الجيش الفرنسي وجيش المقاوم المغربي أحمد الهيبة، وهزم فيها هذا الأخير، إذ تقول فيها “فين أيامك بوعثمان؟” وتتحسر فيها على انكسار منطقة سيدي بوعثمان في الرحامنة هذه الهزيمة، ومذبحة المستعمر في أهلها.

تحرص المرأة الرحمانية أيضاً على ترك بصمتها وهويتها ولمستها الجمالية في نسج السجاد الذي يعد أحد معالم البيت لدى القبيلة. فنسيج “الزرابي” أو السجاد هناك هوية نسائية. تتعلم النساء الرحمانيات منذ نعومة أظفارهن كيف يغزلن الصوف للحياكة، وكيف يعددن الخيوط لنسيج الزربية. تجسد النساء في هذا الفن أفكارهن ولمساتهن الجمالية، ويحتفين فيه بالحياة وألوانها وبالعائلة والجماعة والقبيلة والأرض والأصالة.

تظل قبيلة الرحامنة في تاريخها القريب والبعيد من أبرز القبائل المغربية، وفي كل رحلاتها بين الترحال والاستقلال كانت في قلب حراك سياسي، كما أنها مزيج متنوع من عناصر كثيرة، متعددة الانتماءات والانحدارات، وهي مجالٌ مفتوح من خلال التوسع والانتقال والاندماج والتجميع.

Advertisement
Fanack Water Palestine