تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
ابحث في fanack.com
Please enter search keyword.

المغرب: الحماية الاستعمارية

المغرب: الحماية الاستعمارية
التقسيم الاستعماري في المغرب. المصدر: C.R. Pennell

غزو المغرب

لم يكن استعمار المغرب فرنسيًا بالكامل. فقد قطعت الحكومة الفرنسية عام 1904 وعدًا بالحفاظ على ما اعتبرتها “مصالح” اقتصادية واستراتيجية وسياسية للحكومة الإسبانية. وكانت القوات الإسبانية قد احتلت بعض المناطق في المغرب بالفعل. ثمّ صار لإسبانيا “منطقة نفوذ” لم تكن منفصلة عن بقية القطر المغربي. وشملت منطقة النفوذ تلك الجبال على طول ساحل البحر المتوسط شمالًا، بالإضافة إلى بضع أراضٍ رملية تحيط بمدينة طرفاية جنوبًا، ومنطقة يبلغ مجموع مساحتها نحو 43 ألف كيلومتر مربع.

بقي السلطان صاحبَ السيادة، ولذلك استُبعد من الحماية معظم الجيوب الإسبانية التاريخية على ساحل البحر المتوسط، وإقليم إفني، وأراضي منطقتيّ الوادي الذهبي (ريو دي أورو) والساقية الحمراء (التي ستُعرف في ما بعد باسم الصحراء الإسبانية). وخضعت طنجة للإدارة الدولية منذ منتصف القرن التاسع عشر، ثم أصبحت عام 1923 منطقة دولية تحت سيادة السلطان الاسمية. ومع ذلك، خضع الجزء الأكبر من المغرب إلى السلطات الفرنسية التي أسست بنيتها التحتية الحديثة وطريقة إدارتها وقوانينها.

الجنرال هوبير ليوطي

المغرب: الحماية الاستعمارية
كان الجنرال هوبير ليوطي أول فرنسي يقيم في المغرب (1912-1925)، وأراد أن يحفظ النمط المعماري المغربي في تصميم المباني الفرنسية الجديدة بعد إعلان الحماية. كما حاول أن يدمج بين فكرة الحماية الفرنسية والحفاظ على السيادة المغربية نظريًا وأن يتمثل ذلك في تجلٍ مادي، ولكن تلك المحاولة لم تكن أكثر من واجهة تخفي المعايير المعمارية الأوروبية. ورغم كل التجميل والزخارف، ظلّت تلك المباني مقصورة على الأوروبيين يعيشون ويعملون فيها. وكان مبنى البريد الرئيس في الرباط من أول المباني الرسمية التي اتبعت ذلك الطراز المغربي الزائف. Photo Flickr

كان المقيم العام الفرنسي في المغرب صاحب أعلى سلطة فرنسية. وقد عُيّن ليوطي نظرًا لأنه جنرال استعماري متمرس ويعرف على وجه الدقة كيف يحكم البلاد. بدأ ليوطي باستبدال السلطان عبد الحفيظ بشقيقه يوسف، أي إن الاحتلال أراد الحفاظ على السلالة العلوية بجوار الحكم الفرنسي. لكنه غزا الريف وواجه جهادًا في الجنوب بزعامة أحمد الهيبة بن الشيخ ماء العينين. لكنه نجح في هزيمتهم سريعًا، وبقيت المقاومة الأشد والأكبر بقيادة القبائل في جبال الأطلس المتوسط والكبير، لذلك لم يكتمل الغزو حتى عام 1936.

حرب الريف

تركزت أكثر جبهات المقاومة تنظيمًا في المنطقة الشمالية الإسبانية. وخلال الحرب العالمية الأولى، اكتفى الإسبان بالاستعانة بالوجهاء المحليين. وكان عبد الكريم الخطابي واحدًا منهم وهو قاض شرعي من قبيلة بني ورياغل، إحدى كبرى القبائل الريفية. وقد أرسل ابنه الأكبر محمد للدراسة في جامعة القرويين في فاس، وتعرف هناك على الحركة الإسلامية السلفية الإصلاحية. وأصبح محمد لاحقًا قاضيًا للمسلمين في مليلية. وحين بدأ غزو القوات الإسبانية، انقلب محمد بن عبد الكريم الخطابي على الإسبان.

المغرب: الحماية الاستعمارية
حرب الريف عام 1925. المصدر: C.R. Pennell
المغرب: الحماية الاستعمارية
علم الريف. المصدر: C.R. Pennell

في عام 1919، تقدمت القوات الإسبانية غربًا من مليلية وجنوبًا من تطوان باتجاه وسط الريف، لتحتل مدينة شفشاون ذات المكانة الكبيرة في أكتوبر 1920. التمس محمد بن عبد الكريم الخطابي العون من قبيلة بني ورياغل لتنظيم المقاومة. ونجح في تنظيم نواة جيش حديث وتمكن من اجتياح القاعدة الإسبانية الرئيسة في بلدة أنوال في يوليو 1921 وقضى على القوات الإسبانية التي فرّت فلولها إلى مليلية. وبحلول بداية أغسطس، وصلت حصيلة القتلى الإسبان إلى 13 ألف قتيل. كانت تلك أسوأ هزيمة تعرّض لها جيش استعماري في القرن العشرين. كما استولى أهل الريف على معدات عسكرية بأعداد وافرة وأسروا العديد من الإسبان وأخذوا الفدية بهم.

وأعقب ذلك أن أقام محمد بن عبد الكريم الخطابي دولة صغيرة أسماها جمهورية الريف. وقد أُسست تلك الدولة مدعومة بنجاح عسكري ومستندة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية بالإضافة إلى تجاوز الانقسام القبلي. وكُتب لهذه الدولة نجاح باهر طيلة خمس سنوات، فهزمت الإسبان مرة أخرى في شفشاون عام 1924 وغزت المنطقة الفرنسية عام 1925.

وفي سبتمبر 1925، اجتمع الجيشان الإسباني والفرنسي وخططا لعملية إنزال ضخمة على ساحل الريف اندفع الجيش الفرنسي منها شمالًا. وفي مايو 1926، استسلم محمد بن عبد الكريم الخطابي للفرنسيين الذين نفوه إلى جزيرة لا ريونيون.

الحماية الفرنسية

اعتمد الفرنسيون على نظام حكم غير مباشر للسيطرة على المقاومة، فاستعانت الإدارة الفرنسية بمجموعة من الوجهاء المحليين. وكان التهامي الكلاوي من أبرزهم. وقد شغل منصب باشا مراكش أربعين عامًا وحافظ على موالاة المدينة للاستعمار خلال الحربين العالميتين، وعُرف عنه أنّه كان فاسدًا.

وكانت فكرة الحكم غير المباشر متسقة مع أفكار الجنرال ليوطي. وكان ذلك الجنرال يؤمن بضرورة تطوير الحماية الفرنسية من خلال سياسات تبتعد عن الصدام مع نظام ما قبل الاستعمار قدر الإمكان، ولا يمنع ذلك من استخدام قوة غاشمة إن لزم الأمر. وبالتالي بقيت بنية الحكومة المغربية على حالها، ولكن في ظل سيطرة الإدارة الفرنسية ورقابتها.

بنى الفرنسيون اقتصادًا حديثًا في المغرب وعبّدوا الطرق وأنشؤوا السكك الحديدية وشيدوا السدود. واستأثرت الشركات الفرنسية والمستوطنون الفرنسيون بنشاط زراعي ذي رأس مال ضخم موجه للتصدير، واقتطعوا لأنفسهم أصلح الأراضي. ولم يُسمح سوى لقلة صغيرة من المغاربة بالعمل في القطاع الزراعي الحديث برضا الاحتلال وموافقته. كما أُمّمت مناجم الفوسفات وهي أهم الموارد الطبيعية في المغرب. وقد نمت الصادرات بسرعة حتى إنها شكّلت نحو 17% من إيرادات الدولة بحلول عام 1930. لكن السوق المحلية اعتمدت على الزراعة المغربية التقليدية وكانت تعاني آنذاك عجزًا ماليًا شديدًا.

وقد خلق ذلك الاقتصاد المزدوج مجتمعًا على شاكلته. فصارت المدن الحديثة سُكنى للأوروبيين من دون المغاربة. وجعل الجنرال ليوطي الرباط عاصمة سياسية جديدة، وأصبحت الدار البيضاء مركز الاقتصاد الحديث في البلاد. وأمر كبير المعماريين، هنري بروست، ببناء مدن جديدة في البلدات والمدن الرئيسة. وقد عمد بروست إلى إخفاء الطراز المعماري الأوروبي بواجهة من الأنماط المغربية المعمارية التقليدية. وقد خُصصت المدن القديمة للمغاربة، ومع نمو سكان المدن المغربية، انتقل الناس إلى المناطق العشوائية في الضواحي.

أصول القومية المغربية

عملًا بفكرة الحكم غير المباشر، سعت السلطات الفرنسية إلى التفرقة بين العربية والأمازيغية، وأكدت السلطات على احترام فرنسا “القيم البربرية”. وأسست سلطات الاحتلال نظامًا قانونيًا “للبربر” قائمًا على الأحكام العرفية. وفي عام 1930، تكلّل ذلك بإصدار مرسوم “الظهير البربري” الشهير الذي فصل رسميًا بين نظام المحاكم الشرعية والأعراف البربرية، وقد أثار ذلك المرسوم غضب القوميين المغاربة في المدن الناطقة بالعربية.

ولما تُوفيّ السلطان يوسف عام 1927، خلفه ابنه الأصغر محمد الخامس ولم يكن مؤيدًا “للظهير البربري” لكنه اضطُر إلى التوقيع عليه. وتعززت علاقته بالحركة القومية المبكرة بفعل الاحتجاجات التي اعتقل الفرنسيون اثنين من قادتها هما علال الفاسي ومحمد حسن الوزاني. وفي عام 1934، ساهما في إعداد برنامج الإصلاحات المغربية الذي لم يتضمن المطالبة بإنهاء الحماية الفرنسية، بل قدّم مجموعة مطالب لتحسين حياة المغاربة عامة، لكن الفرنسيين قابلوه بالرفض.

وفي أكتوبر 1936، شكّل الفاسي والوزاني وغيرهما من الزعماء الوطنيين كتلة العمل الوطني” التي سرعان ما حظر الفرنسيون نشاطها، ثمّ أُعيد تشكيل تلك الحركة لتصبح الحزب الوطني لتحقيق المطالب. وقد كان حزبًا إصلاحيًا حديثًا مواليًا للسلطان. وبعد ذلك انقسم الوزاني عن الفاسي وأسس حزبًا آخر. وفي أشهر قليلة، اعتقلت السلطات الفرنسية العديد من القادة الوطنيين ونفتهم خارج البلاد.

الحرب العالمية الثانية

سيطرت حكومة فيشي خلال الحرب العالمية الثانية على المنطقة الفرنسية، بينما سيطرت إسبانيا بقيادة الجنرال فرانكو على المنطقة الإسبانية. وقد حاول بعض القوميين التواصل مع ألمانيا النازية، ولكن أحدًا لم يدفع باتجاه اضطهاد اليهود لأسباب تكتيكية وليست أيديولوجية.

رفض السلطان تشريع قوانين عنصرية ضد اليهود. وأوضح محمد الخامس منذ البداية دعمه لفرنسا وظلّ قريبًا من الحلفاء حتى بعد سقوط فرنسا. وحين أتت القوات الأمريكية إلى الدار البيضاء في نوفمبر 1942، رحب بها السلطان على الفور وقدّم لها الدعم. وفي يناير 1943، التقى الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل في الدار البيضاء. ولم يشارك السلطان في ذلك المؤتمر، ولكنه أعدّ مأدبة لضيوفه. ويبدو أن روزفلت قد تحدث معه آنذاك عن استقلال المغرب بعد الحرب. كما أعرب القوميون المغاربة المقربون من السلطان عن إعجابهم بالولايات المتحدة.

اتسمت الحركة القومية المغربية بدعم الملكية وميلها إلى الغرب. ومع ذلك، فإن حزب الاستقلال الذي نشر بيانه التأسيسي في 11 يناير 1944، ضمّ بين أعضائه قوميين يساريين مثل المهدي بن بركة وأعضاء آخرين في الحركة العمالية. وطالب الحزب في بيانه بنظام ملكي دستوري وإقامة حكومة مستقلة ديمقراطية تحت حكم السلطان. لكن حكومة فرنسا الحرة التي حاربت ألمانيا النازية بقيادة الجنرال شارل ديغول رفضت هذه المطالب واعتقلت أبرز أعضاء حزب الاستقلال.

الطريق إلى الاستقلال

نال المغرب استقلاله عام 1956 بعد 11 عامًا من انتهاء الحرب.

وحين مرّ على باريس فترة تتابعت فيها الحكومات، تمسكت كل حكومة جديدة برفض الاستقلال، كما قاوم المستوطنون الفرنسيون استقلال المغرب بشراسة.

وكان لمحمد الخامس مكانة قيادية في حركة الاستقلال. ففي أبريل 1947، زار طنجة وألقى عدة خطابات عن الوحدة العربية والإسلام وضمانه العدالة. وأشاد بالحكومة الأمريكية وندد بالفرنسيين. وتبيّنت شعبيته بين المغاربة من زيارته إلى طنجة. فسعى الفرنسيون إلى السيطرة عليه لكنهم فشلوا بعد أن اعتمدوا على عملائهم القدامى مثل باشا مراكش التهامي الكلاوي. أدت الاضطرابات إلى هجمات على الأوروبيين، فأنشأ بعض المستعمرين مجموعات إرهابية. وفي أغسطس 1953، عزلت السلطات الفرنسية محمد الخامس من منصبه ونفته إلى مدغشقر، ونصّبوا قريبه المغمور المسنّ محمد بن عرفة سلطانًا على البلاد.

لكن جلّ المغاربة رفض الاعتراف بالسلطان الجديد، فاستمرت الاحتجاجات والهجمات الإرهابية. ورأت الحكومة الفرنسية آنذاك أن حرب الجزائر التي بدأت عام 1954 أكثر أهميّة بالنسبة لهم، فاستعدت لإلغاء الحماية. وبعد مؤتمر إيكس ليبان بفرنسا في أغسطس 1955 سُمح لمحمد الخامس بالعودة إلى بلده.

وأصبحت المنطقة الفرنسية في المغرب دولة مستقلة في 11 فبراير، في حين رفض الإسبان الخروج من المنطقتين الشمالية والجنوبية حتى السابع من أبريل، وبعد ذلك احتفظت بإفني ومستعمرات الصحراء الإسبانية وبعض الجيوب على ساحل البحر المتوسط، كما أُلغيت منطقة طنجة الدولية في يوليو.

قراءة متعمقة