تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
ابحث في fanack.com
Please enter search keyword.

المغرب: سلالات الأشراف: السعديون (1549 – 1659)

سلالات الأشراف: السعديون
قصر البديع, مراكش. صورة دافيد ستانلي, Flickr

المقدمة

شهد القرن السادس عشر معارك عديدة بين الإسبان والبرتغاليين والعثمانيين لمحاولة السيطرة على المغرب.

وفي عام 1492، العام الذي رسا فيه كولومبوس في أمريكا تحت الراية الإسبانية، استسلم آخر ملوك غرناطة المسلمين إلى الملوك الكاثوليك الإسبان. ووسعت كلتا القوتين المسيحيتين نفوذهما وراء مناطقهما الساحلية.

توسع الإسبان ناحية الشرق، فاستولوا على طرابلس عام 1510 وجزيرة صغيرة قبالة ساحل مدينة الجزائر. كما استولوا عام 1534 على مدينة تونس وولّوا عليها نظامًا إسلاميًا تابعًا لهم. أما العثمانيون فتقدّموا غربًا على طول الساحل وسيطروا على القاهرة عام 1517، والمرسى الكبير عام 1505، ووهران عام 1509، ومدينة الجزائر عام 1529. وكذلك احتلوا جزيرة باديس عام 1553 في أقصى غرب جبال الريف المغربي.

الأشراف

لم تأت مواجهة التفوق المسيحي من الوطاسيين بعد ضعفهم، وإنما من الطرق الصوفية والأشراف بجنوب المغرب وساحل الأطلسي. ووفر الانتساب إلى الأشراف الأساس لشرعية جديدة ترسخت في المغرب منذ ذلك الحين. وقد التفوا في أوائل القرن السادس عشر حول السعديين، وهي أسرة من وادي سوس تزعم أنها تنحدر أصولها من الحجاز وتنتسب إلى النبي. وكانوا دهاة حرب، وتحالفوا مع الطرق الصوفية لمقاومة البرتغاليين ووضعوا الجهاد نصب أعينهم، لا تجديد الإسلام.

ونجحوا نجاحًا كبيرًا في البداية. فسيطر أبو عبد الله القائم بأمر الله السعدي على سوس. وبعد وفاته عام 1517، استأنف ابنه الحرب ضد الأوروبيين. وبحلول عام 1550، كانوا قد استعادوا من البرتغاليين أغادير، والقصر الصغير، وأصيلة، وآسفي، وأزمور. واستولوا داخل البلاد على مراكش عام 1524 وأجهزوا على ما تبقى من الوطاسيين. واحتلوا فاس عام 1549، ثم واجهوا عدوهم الأخطر العثمانيين.

الخطر العثماني

سعى العثمانيون في عهد سليمان القانوني إلى السيطرة على مواقع تمكنهم من مهاجمة الإسبان. فاحتلوا فاس عام 1554 لفترة وجيزة ثم غزوها مرة أخرى عام 1557. وقد استعد السلطان السعدي القوي عبد الله الغالب بالله وسلّح جيشه بالأسلحة النارية. لكن نظام الحكم تدهور بعد وفاته عام 1574. وحرّض العثمانيون ابنه عبد الملك على مهاجمة أخيه السلطان الجديد عبد الله محمد المتوكل.

وغزا عبد الملك المغرب واستولى على فاس عام 1576. ثم غزاها سبستيان الأول ملك البرتغال الذي كان حريصًا على وقف تقدم العثمانيين عام 1578. وقد قطّعه جيش عبد الملك إلى أشلاء على ضفة وادي المخازن بالقرب من القصر الكبير. واشتُهرت هذه المعركة بمعركة الملوك الثلاثة لأنها شهدت وفاة عبد الملك وعبد الله محمد المتوكل وسبستيان الأول، وتحول الخلاف العائلي إلى أحدى أكثر المعارك ملحميةً في بدايات العصر الحديث. وبدأ أخو عبد الملك الذي لقّب نفسه بالمنصور بإعادة بناء سلالة السعديين.

سلالات الأشراف: السعديون
غزو السعديين للصحراء الكبرى في القرن السادس عشر. المصدر: C.R. Pennell

أحمد المنصور الذهبي

أرسى أحمد المنصور السلام مع الإسبان والعثمانيين، ورسم بشكل تقريبي الجزء الشمالي من الحدود الشرقية للمغرب الحالي. كما تفاوض مع ملكة إنجلترا، الملكة إليزابيث الأولى، لعقد تحالف ضد إسبانيا سهّل له توسعًا كبيرًا في التجارة. وقد دعمت التجارة دولة السعديين، إذ بدأ المنصور صناعة ضخمة للسكر في جنوب المغرب. وجمع جيشًا جديدًا غزا به غرب السودان عام 1591.

ومكّنته السيطرة على التجارة عبر الصحراء الكبرى من الوصول إلى الذهب والملح بالإضافة إلى العبيد للعمل في مصانع السكر. ورأى المنصور أن جميع المسلمين ملزمون بمُبايعتِهِ خليفةً لهم. هذه الغزوات ستعطي فيما بعد للقوميين الوحدويين المغاربة في القرن العشرين أساس المطالبة “بالمغرب الكبير” الممتد على طول الصحراء الكبرى. وأعاد أحمد المنصور بناء مراكش وأنشأ فيها قصر البادي المهيب الذي لم يبق منه سوى فناؤه الخارجي وأحواضه الفارغة التي تذكرنا بروعته.

الطاعون والمجاعة والحرب الأهلية

أسس أحمد المنصور نظامه على أوهن القواعد: الانفراد بالحكم وقمع المعارضين. وعندما تُوفي بالطاعون عام 1603، انهارت الدولة إلى ما سماه معاصره المفكر الإنجليزي جورج ويلكينز عام 1607: “مآسي البربر الثلاث: الطاعون والمجاعة والحرب الأهلية”.

واستمرت الأزمة أكثر من نصف قرن خسر فيه المغرب سيطرته على الصحراء الكبرى. وتحولت مسارات الذهب شرقًا حيث البلدان المغاربية التي يسيطر عليها الأتراك. وحلّ منافسو المغرب في أمريكا الجنوبية محلها في صناعة السكر، وتفكك البنيان السياسي، وكثر المطالبون بتدخل الأجانب مسيحيين ومسلمين. وبدل الجهاد ضد المسيحيين، حلّ النزاع بين قادة الأشراف. واحتلت القوى الإيبيرية المزيد من المواقع على الساحل المغربي، ومنها طنجة التي استولى عليها البرتغاليون عام 1643، الذين نقلوا السيادة عليها إلى إنجلترا عام 1662، إذ كانت جزءًا من مهر كاثرين البراغانزية زوجة تشارلز الثاني.

أدّى كل ما سبق إلى نقاشات أيديولوجية في الحكم العادل والحق في التمرد تردد صداها حتى القرن العشرين. ونشأت عنها دويلة مستقلة في الرباط قائمة على القرصنة والهجمات البحرية على السفن التجارية الأجنبية عُرفت باسم جمهورية سلا. وكان أغلب قراصنتها من المهجّرين الأندلسيين الذين يريدون الانتقام من الإسبان. وقد هاجموا دولاً أخرى، وداهموا سواحل ويلز وأيرلندا وحتى نيوفاوندلاند بين عشرينيات وثلاثينيات القرن السابع عشر.

رغم انهيار الدولة السعدية، فقد بقيت القوة المركزية في مراكش الركيزة الأساس. واستمرت فكرة الأشراف لتصبح مفتاحًا للشرعية مع أفكار أخرى عن طبيعة السلطة وكيفية استخدامها. وكان السعديون، رغم تدمير الحرب الأهلية سلالتهم، هم من وضعوا أساس الدولة المغربية الباقية حتى اليوم.

قراءة متعمقة