تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

المغرب: سلالات الأشراف: السعديون (1549 – 1659)

السعديين
“مقابر السعديون” by Le2 – www.le2.es is licensed under CC BY-NC-SA 2.0

كانت المغرب إحدى ساحات المعارك في النزاع على السيادة بين الأسبان والبرتغاليين والعثمانيين في القرن السادس عشر. عام 1492، العام الذي رسى فيه كولومبوس، الذي أبحر تحت العلم الإسباني، في أمريكا، استسلم آخر الملوك المسلمين في غرناطة للملوك الكاثوليك الأسبان. كانت القوتان المسيحيتان قد احتلتا جيوباً على الساحل وواصلت استيلاءها على المزيد من المواقع، بينما احتل العثمانيون القاهرة عام 1517، وزحفوا على طول ساحل شمال أفريقيا واحتلوا الجزائر عام 1529. تعاظمت مقاومة الأشراف والطرق الصوفية في الريف حول الجيوب المسيحية، غير أنهم لم يتمكنوا من التغلب على العثمانيين بقيادة السلطان سليمان القانوني. كانت القيادة مجزأة، غير أن الشرفاء وفّروا أساساً لشرعية جديدة قامت عليها المغرب منذ ذلك الحين.

تعود أصول السعديين إلى وادي سوس، غير أنهم يدعون أصولهم في الحجاز ونسبهم من النبي. كانوا قادة حرب، ومتحالفين مع الطرق الصوفية في النزاع ضد البرتغاليين. وعلى هذا الأساس، بايعوا أبي عبد الله القائم بأمر الله السعدي حاكماً على سوس.

توفي أبو عبد الله عام 1517، فواصل أبناؤه الحرب على الجيوب الأوروبية. وكان هدف النظام الجديد هو الجهاد لا إصلاح الإسلام. عام 1524، استردوا مراكش من البرتغاليين وعام 1541، استعادوا أغادير ثم آسفي وأزمّور؛ وفاس عام 1549. وعلى الرغم من استمرار انسحاب البرتغاليين، إلا أنّ العثمانيين كانوا أعداء بالقدر ذاته من الخطورة: أرادوا أيضاً قواعد لهم على الساحل المغربي لمهاجمة الأسبان. عام 1554، احتلوا فاس في وقت قصير وغزوها مجدداً عام 1557. وعند وفاة السلطان السعدي القوي، عبد الله الغالب بالله، عام 1574، شجع العثمانيون أحد أبنائه، عبد الملك، على مهاجمة أخيه السلطان الجديد عبد الله محمد المتوكل. وعام 1576، غزا عبد الملك المغرب واستولى على فاس. وعزم الملك البرتغالي سبستيان الأول على وقف الزحف العثماني، فغزا المغرب هو الآخر عام 1578. غير أن جيش عبد الملك تمكن من قتله في معركة وادي المخازن قرب القصر الكبير. وعُرفت هذه المعركة بمعركة “الملوك الثلاثة”، حيث قُتل عبد الملك وعبد الله محمد المتوكل وسبستيان الأول: تحوّل نزاع السلالات هذا إلى إحدى المعارك الملحمية في العصر الحديث. فقاد أحمد شقيق عبد الملك، الذي لقب نفسه بالمنصور، جيوشه وأعاد بناء السلالة السعدية.

عقد أحمد سلماً مع الإمبراطورية العثمانية عام 1582، ورسم حدوداً هي تقريباً الجزء الشمالي من الحدود الشرقية للمغرب اليوم. وعقد تحالفاً مع الملكة إليزابيث الأولى، ملكة إنكلترا، ضد إسبانيا وأقام علاقات تجارية قوية ارتكزت على تصدير الجلود والمعادن، وأهمها السكر. كانت صناعة السكر في سهل سوس تستخدم العبيد لزراعة قصب السكر وحصاده. كما بنى المنصور جيشاً جديداً استعان به لتوسيع حكمه في الصحراء واحتلال غرب السودان للتحكم بتجارة الذهب والعبيد والملح عبر الصحراء. وبرر ذلك بادعائه أن المسلمين كلهم بايعوه كخليفة. وساهم كل ذلك في تعزيز قوته وغناه. وأعاد أحمد بناء عاصمته مراكش، وبنى “قصر البديع” الخلاب الذي لم يتبقّ منه سوى ساحته الرئيسية وبرك السباحة لتعطي فكرة عن جماله.

لكن رغم قسوة أحمد المنصور في قمع المعارضين والفتن، إلا أنّ أساس حكمه كان هشاً. وبعد وفاته عام 1603 بمرض الطاعون، أغرق أبناؤه الثلاثة المغرب في حرب أهلية ودمروا سلالة السعديين. فانقسمت المغرب لفترة طويلة إلى ممكلتين: فاس ومراكش.

استمرت الحرب حتى عام 1660. فانهارت سيطرة المغرب على الصحراء الغربية، وتحوّلت طرق الذهب إلى الموانئ التركية على البحر الأبيض المتوسط، وواجهت مصانع السكر منافسة قوية من أمريكا الجنوبية ودول الأطلسي، وتجزأت البنية السياسية. وسعى الخصوم للحصول على الدعم من الأجانب، كلا المسلمين والمسيحيين، فآلت مسؤولية الجهاد ضد المسيحيين إلى القادة الشرفاء المحليين. وأوحت كل تلك الأمور بحجج إيديولوجية حول طبيعة الحكم العادل والحق في التمرد الذي بقي يتردد حتى القرن العشرين. كما أتاحت بتطوير دولة مستقلة في الرباط شكلت مركزاً للقرصنة، أو الهجمات البحرية على سفن العدو. وكان غالبية القراصنة من اللاجئين من الأندلس الذين سعوا إلى الانتقام من الأسبان؛ كما هاجموا بلدان أخرى وغزوا سواحل وايلز وإيرلندا وحتى نيوفاوندلاند في عشرينيات وثلاثينيات القرن السابع عشر.

ومع ذلك، ورغم انهيار الدولة السعدية، بقيت العمود الفقري للسلطة المركزية في مراكش. وأصبح التحدر من سلالة الأشراف المصدر الأساسي للشرعية، إلى جانب أفكار أخرى عن طبيعة القوة وطريقة ممارستها. وعلى الرغم من الحرب الأهلية التي دمرت سلالتهم، إلا أن السعديين وضعوا أسس الدولة المغربية القائمة اليوم.[/vc_column_text][/vc_column][/vc_row]

في هذه المقالة: المغرب | التاريخ