تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

المغرب: مجيء الإسلام

الاسلام المغرب
المصدر: @Fanack

في ظل الإمبراطورية الرومانية، كانت المغرب نقطة حدودية نائية. وفي أولى سنوات حكم الإمبراطورية الإسلامية، لم يكن سوى إقليم بعيد. عند دخول الإسلام إلى شمال إفريقيا، سرعان ما سارت الأمور على ما يرام، ولكن المغرب تأثرت بشدة بالأحداث السياسية الكبيرة في الشرق الإسلامي، خصوصاً الانقسامات الإيديولوجية والدينية.

من أهم التطورات السياسية للشرق الإسلامي كان الانقسام السنّي الشيعي حول مسألة الخلافة بعد وفاة النبي. وقع هذا الانقسام في بدايات الفتح الإسلامي خارج شبه الجزيرة العربية. بدأ الفتح الحقيقي لشمال غرب إفريقيا بعد أن قام الأمويون السنّة بتسوية المسألة (على الأقل عملياً) وأقاموا الخلافة في دمشق عام 661. عام 674، أسس القائد المسلم عقبة بن نافع قاعدة جديدة في القيروان، جنوب تونس الحالية. ومن هناك، هاجم الداخل، فالتف على البيزنطيين في قلاعهم العسكرية الساحلية وبلغ ساحل الأطلسي عام 682. ويُروى أنّه اندفع بفرسه نحو الأمواج، صارخاً “يا الله! لولا منعني هذا البحر، لواصلت كالإسكندر الكبير لرفع وجهك ومحاربة كل من كفر بك!”. قُتل عقبة بعد ذلك بفترة قصيرة، وضعُف المسلمون أمام ثورة البربر. عام 704، تم إنشاء إقليم جديد في القيروان، وأطلق حاكمه الأول موسى بن نصير الغزوة الحقيقية لشمال غرب إفريقيا. بحلول عام 710، استولى على سبتة وطنجة. في بادئ الأمر، أبقى المسلمون على الحدود الرومانية القديمة، غير أنهم لم يسمحوا باستقلالية الممالك البربرية. فأقام موسى بن نصير ثلاثة أقاليم فرعية في تلمسان (الجزائر الحالية) وطنجة وسوس، منطقة سهلية جنوب المغرب. حكم تلك الأقاليم حكام عرب بوحدات عسكرية عربية صغيرة، غير أنّ غالبية أفراد جيوشهم كانوا من البربر.

لم يُرغم المسيحيون على اعتناق الإسلام، ولكن غالبية البربر، الذين لم يكونوا مسيحيين، اعتنقوا الإسلام طوعاً. وقاد القائد البربري طارق بن زياد، حاكم طنجة، الجيش الإسلامي الأول، والذي كان بمعظمه من البربر، عبر مضيق جبل طارق عام 715، غير أن العديد من البربر احتجوا على سلوك النخبة من العرب الذين عاملوا البربر بدونية. حاول البربر منذ البداية اتباع الحركات المبتدعة.

كان الخوارج من بين تلك الحركات التي دعت إلى المساواة واعتقدت أن الإيمان الديني اختلق الوضع الاجتماعي، فرفضوا أفكار المذهبين الشيعي والسنّي على حد سواء ونادوا بالالتزام بالإسلام فوق النسب والأصول العرقية والإثنية. تم القضاء على عصيان للخوارج في طنجة عام 739 أو 740 بسبب الضرائب المفروضة، غير أنّ الخوارج واصلوا تمردهم في الجبال؛ وفي منتصف القرن الثامن، أقاموا مركزاً للخوارج في سجلماسة الواقعة في واحة تافيلالت جنوب غرب المغرب للاستفادة من تجارة الذهب والملح المتنامية في الصحراء الكبرى. وساعد ذلك على انتشار الإسلام في جنوب المغرب والصحراء الكبرى.

من الحركات الأخرى: البرغواطية التي نشأت محلياً. وكانت قاعدتها في سهول الأطلسي وضمت عناصر من المسيحية واليهودية والإرواحية والشيعية. وكان لها كتاب مقدس خاص متأثر بالقرآن (باللغة البربرية) وصلواتها الخاصة وقوانينها الغذائية؛ دامت هذه الحركة حتى منتصف القرن الحادي عشر.

كانت الحركة الأهم هي الشيعية، مركزها قرب “وليلي”، حيث التجأ إدريس بن عبدالله، من نسل علي والحسن ابن فاطمة، إلى قبيلة بربرية هناك. عام 789، أقام إدريس مستوطنة صغيرة على ضفاف نهر فاس. أقلق الأمر الخليفة العباسي هارون الرشيد، فأرسل من قتله بالسم. فخلفه ابنه إدريس الثاني، وجعل من فاس عاصمته. وحكم منطقة امتدت من جبال الريف إلى بلاد سوس، اغتنت عن طريق التجارة. توفي إدريس الثاني عام 828.

حلّ العباسيون السنّة محل الأمويين وحكموا من بغداد، وعينوا حكّاماً لهم في القيروان، غير أنهم لم يحكموا المغرب فعلياً، ولا حتى بقايا الأمويين الذين استوطنوا في أيبيريا. تحولت فاس إلى وجهة للاجئين في موقعيها، مما زاد من غناها وتقدمها الفكري. وأصبح جامع الأندلسيين (الذي بدأ بناؤه عام 857) وجامع القرويين (859/60) مركزين للعلم، ويُعتبر جامع القرويين (المعروف أيضاً بمسجد القرويين أو مسجد الأندلس والمسجد الأندلسي) إحدى أقدم الجامعات في العالم.

في نهاية القرن التاسع، دخلت حركة أخرى شمال غرب إفريقيا، وهذه المرة من الشرق مباشرة: حركة الفاطميين الشيعة الذين روّجوا لأفكارهم أولاً في سجلماسة وأسسوا بعد ذلك سلالة جديدة في المهدية، تونس. عام 972، احتل الفاطميون القاهرة – ومرةً أخرى تمّ تهميش المغرب.

على الرغم من تهميش المغرب سياسياً، إلا أنها كانت مزدهرة اقتصادياً من التجارة عبر الصحراء الكبرى ومع الأندلس. كما ازدهرت فاس ونمت، وأحيطت بأسوار جديدة. ووصلت إليها أعداد هائلة من المسلمين واليهود.