تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

المغرب: العصور القديمة

مدينة وليلي الرومانية تاريخ المغرب
مدينة وليلي الرومانية

هناك بعض الآثار المادية لسكان المغرب القدامى، مثل الأدوات التي كان يستعملها “السكان البدائيون” في سيدي عبد الرحمن قرب الدار البيضاء، وفي وقت لاحق، الأدوات المصنوعة من الصوان (12,000 قبل الميلاد) أيام الثقافة الأورانية غرب المغرب. بدأت الصحراء في الجفاف  حوالي عام 5000 قبل الميلاد، وبحلول الألفية الثالثة قبل الميلاد، توسعت الصحراء لتفصل المغرب عن بلدان إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وتربطه بحوض البحر الأبيض المتوسط. وبحلول نهاية الألفية الأولى قبل الميلاد، كانت الظروف المناخية في المغرب شبيهةً بما هي عليه اليوم.

القرطاجيون

بعد القرن الثامن قبل الميلاد، انتقل الفينيقيون من صور، جنوب لبنان الحالية، إلى غرب البحر الأبيض المتوسط وأقاموا شريطاً من المدن الساحلية وصلت البلاد الفينيقية بجنوب إسبانيا الغني بالمعادن. وكانت قرطاج التونسية أهم هذه المدن، وفي المغرب روسادير (مليلية الحالية)، وليكسوس القريبة من مدينة العرائش في القرن السابع قبل الميلاد، وقرب الصويرة المطلة على المحيط الأطلسي، بالإضافة إلى بعض البؤر التجارية الأصغر حجماً في تامودة قرب تطوان والقصر الصغير وتينجيس (طنجة) على مضيق جبل طارق. كان القرطاجيون تجاراً، ولم يكونوا يطمحون بالسيطرة على المناطق الداخلية.

كانت الممالك الأولى الأصلية: مملكة المور، اتحاد قبائل في القرن الرابع قبل الميلاد؛ ومملكة “الماسيلاس” في القرن الثالث قبل الميلاد بين نهر ملوية ومدينة قسنطينة الحالية في الجزائر، والتي أضعفت القرطاجيين. ولكن العدو الأكبر لقرطاجة كانت روما التي حاربتها في ستينيات القرن الثاني قبل الميلاد واستولت على صقلية.

الرومان

عام 243 قبل الميلاد، أُرغمت قرطاجة على التخلي عن صقلية ودفع تعويض كبير لروما. أعاد القرطاجيون تنظيم أنفسهم بقيادة حملقار برقا وابنه هنيبعل. عام 202 قبل الميلاد، هزم الرومان القرطاجيين في الحرب البونيقية الثانية. وتحققت الهزيمة الأخيرة لقرطاجة عام 146 قبل الميلاد بمساعدة حلفاء محليين؛ وفي القرن التالي، سمح الرومان بظهور ممالك شمال إفريقيا التابعة، غير أنها لم تكن محل ثقة. وبعد الحرب الأهلية الرومانية

(49-45 قبل الميلاد)، ألغى يوليوس قيصر هذه الممالك جميعها، بما فيها مملكة موريطانيا (المغرب والجزائر حالياً). عام 25 قبل الميلاد، نقل الإمبراطور أغسطس السلطة من مملكة موريطانيا إلى الحليف الثقة يوبا الثاني الذي حكم من “إيول” (“شرشال” في وسط الجزائر). وتطورت “وليلي” (قرب مكناس)، المدينة الثانية في مملكته، لتصبح مدينة كبيرة. واجه الرومان صعوبة في إخماد الثورة التي تلت وفاة يوبا عام 23 للميلاد إلى أن تم ضمّ موريطانيا إلى الإمبراطورية الرومانية عام 40 للميلاد. خلال هذه الفترة، بقيت مناطق الغرب الأقصى موالية للرومان، وخصوصاً “وليلي” التي أصبحت فيما بعد عاصمة إقليم روماني آخر، هو إقليم موريطانيا الطنجية التي تشكل تقريباً منطقة شمال المغرب الحالي.

كانت موريطانيا الطنجية إحدى الأقاليم الرومانية على طول الساحل الشمالي للقارة الإفريقية، غير أنّ الاحتلال الروماني لم يتوسع عميقاً في القارة. وتميز بشريط من المعاقل العسكرية الممتدة في الداخل اعتباراً من ساحل المحيط الأطلسي في سلا. وكانت الحدود شبكة من القلاع والقنوات التي حمت المناطق الواقعة تحت السيطرة الرومانية المباشرة. ربما كان عدد سكان “وليلي” 20,000 نسمة، غالبيتهم من أصل محلي. وكانت “وليلي” مدينة غنية، لأنها كانت تنتج فائضاً كبيراً من الزيتون والحبوب والمعادن، مثل الرصاص والفضة والحديد والنحاس. وكانت على أطراف الإمبراطورية الرومانية، غير أنّ قصور أغنى سكانها كانت فخمة بزخارف تظهر التأثير الإغريقي وأرضيات فسيفسائية تشابه التصاميم البربرية. ولم تكن الممالك الصغيرة المحلية خلف الحدود مسالمة على الدوام، وانتقلت العلاقة مع برغواطة التي امتدت بين شمال وليلي والمتوسط من العدائية إلى الهدنة المسلحة فالتعايش الحذر.

التحدي الآخر الذي واجهته روما كان المسيحية، التي امتدت حتى شمال إفريقيا في القرن الثاني بعد الميلاد، على الرغم من جهود الأباطرة الرومان للقضاء عليها، غير أن البؤر المسيحية الأساسية كانت شرقاً في الجزائر الحالية. كانت موريطانيا الطنجية الجزء الأقل “رومانية” في شمال غرب إفريقيا. وفي أواخر القرن الثالث، بدأت القوات الرومانية بالانسحاب. وتخلى الرومان عن حكم “وليلي” عام 285، فأصبحت عاصمة برغواطة ،غير أنها بقيت مدينة رومانية رغم تحوّلها إلى المسيحية. وكان هناك أساقفة في كل من تينجيس وليكسوس وأماكن أخرى.

الفاندال والبيزنطيون

في أواخر القرن الرابع، هاجم الفاندال، شعوب جرمانية على نهر الدانوب، حدود الإمبراطورية الرومانية، وعبروا أوروبا إلى إسبانيا، وغزَوا شمال إفريقيا عام 429. كان أقصى الشمال الغربي أقل غنًى من سواه، ولم يترك الفاندل سوى أثر بسيط لهم هناك. هناك بعض الدلائل التي تشير إلى أنّ الممالك المحلية حافظت على النظام الاجتماعي والسياسي الروماني، ولكننا لا نعرف سوى القليل عن هذه الحقبة.

لم يدم حكم الفاندال طويلاً في المناطق التي استولوا عليها. فعام 533 أرسل جستينيان، إمبراطور بيزنطيا، الذي كان قد بدأ بإعادة بناء الإمبراطورية الرومانية، جيوشه لإعادة فرض السيطرة الرومانية في شمال إفريقيا، لكن أقصى الشمال الغربي كان نائياً، فاقتصر الاحتلال البيزنطي على سبتة وطنجة رغم العثور على بقايا بيزنطية في سلا، وبقيت “وليلي” تحت الاحتلال. استغل زعماء القبائل الوجود البيزنطي ليعززوا حكمهم، فنشأت العديد من ممالك الظل؛ وليس هناك معلومات حولها.