تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

تركيا، الإمبراطورية العثمانية

تركيا الإمبراطورية العثمانية
داخل كنيسة آجيا صوفيا في إسطنبول، التي بناها الإمبراطور يوسطنيان بين 532 و 537 للميلاد. عام 1453، وبعد احتلال السلطان محمد الفاتح القسطنطينية، تم تحويلها إلى مسجد.

خلفت الإمارة العثمانية الإمبراطورية البيزنطية بعد أن احتل محمد الثاني “الفاتح” (1432-1481) القسطنطينية عام 1453. استمر التوسع العثماني في عهد خلفاء محمد الفاتح، وخصوصاً سليم الأول (المعروف أيضاً باسم “سليم القاطع” و “سليم الشجاع”، 1470-1520) وسليمان العظيم (“سليمان القانوني”، 1494-1566). بعد وصول التوسع العثماني إلى أوروبا الوسطى، تحول اهتمام العثمانيين إلى الشرق والجنوب، وبخاصةٍ العالم العربي. وبعد “التهديد الشيعي” – الذي أدى في عهد السلالة الصفوية (التركية) إلى ظهور التوقعات المهدية في المجتمعات التركية التي أهملتها الإمبراطورية العثمانية بسبب تعاظم البيروقراطية فيها – عمل سليم الأول على تحقيق استقرار الحدود مع بلاد فارس عام 1514، وذلك بعد انتصاره في معركة جالديران. مهد احتلال سليم الأول للعالم العربي الطريق إلى مصر، وأتاح له الحصول على لقب خليفة، اللقب الخاص بـ “آل عثمان” إلى حين إلغاء الخلافة عام 1924.

تركيا الإمبراطورية العثمانية

معركة فيينا عام 1683

في نهاية القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر، شهدت الإمبراطورية العثمانية اضطرابات داخلية عنيفة، عرفت باسم الثورات الجلالية، وأزمات مالية أشعلت فتيل العنف وأعمال الشغب حتى في العاصمة. تمت الإطاحة بالعديد من السلاطين وقتل البعض الآخر. وأدى فشل العثمانيين في غزو فيينا عام 1689 إلى تحوّل النمسا إلى قوة عظمى في أوروبا الوسطى زعزعت الوجود العثماني في أوروبا. وتلت ذلك سلسلة من الهزائم في أوروبا والقوقاز (التي استهدفها التوسع الروسي).

نظام جديد

كان عام 1789، تاريخ تنصيب السلطان سليم الثالث (1761-1808)، حاسماً للإمبراطورية العثمانية. ولعدم قدرتها على الاستمرار كنظام عالمي، اضطرت الإمبراطورية العثمانية إلى اعتماد نظام جديد على مثال النماذج الإدارية والعسكرية والاقتصادية والقانونية للدول الأوروبية لضمان استمراريتها. ولم يُعِق اغتيال سليم الثالث عام 1808، في أعقاب ثورة الإنكشاريين (مجموعة عسكرية قاومت التغيير)، تقدم الإصلاحات التي تلتها التنظيمات اعتباراً من عام 1839.

انحدار الإمبراطورية العثمانية

تركيا الإمبراطورية العثمانية

التركية الحديثة وأتاحت اندماج الإمبراطورية العثمانية في أوروبا. وعلى الرغم من مواجهة الإمبراطورية العثمانية لروسيا في حرب القرم (1853-1856)، بفضل تحالفها مع فرنسا وبريطانيا العظمى، اضطرت على خوضها لوحدها في حرب جديدة عام 1877-1878، والتي قلّصت تدريجياً الوجود العثماني في البلقان (في سياق ظهور النزعة القومية ومطالبة اليونان وبلغاريا، وغيرها من الدول، بالاستقلال).

في أعقاب هذه الحروب، تم تعليق الدستور الذي أصدره السلطان عبد الحميد الثاني لهدف وحيد: إقناع القوى الأوروبية بصدقه في تطبيق الإصلاحات. وتم حل البرلمان، واغتيال مهندس الإصلاحات مدحت باشا (1822- 1884)، والذي اتُهم بقتل السلطان عبد العزيز عام 1876، في سجنه في الطائف في المملكة العربية السعودية.

كان الحكم الطويل للسلطان عبد الحميد الثاني (1876-1909)، الذي لقّبه معارضوه بـ “السلطان الأحمر”، عهداً إصلاحياً. فقد جمع السلطان بين الدكتاتورية والميول الغربية والحداثة والأسلمة في الوقت نفسه. وانتهى حكمه مع ثورة تركيا الفتاة، في أعقاب إعلان جمعية الاتحاد والترقي (تركيا الفتاة)، وهي جمعية سرية منذ عام 1906 بقيادة ضباط عثمانيين شباب خدموا في البلقان وبعض القوميين، مثل بهاء الدين شاكر (1874-1922) وناظم بك التسالونيكي الذي أُعدم شنقاً في أنقرة عام 1926 بعد محاولة اغتيال أتاتورك. بعد إعادة العمل بالدستور في تموز/يوليو عام 1908 وهبوب رياح وصفها المؤرخ فرنسوا جورجون بـ “سكرة الحرية”، قامت جمعية الاتحاد والترقي تدريجياً بتأسيس نظام الحزب الواحد (اعتباراً من عام 1913). وشهدت الفترة بين العامين 1908 و 1913، تعاظم راديكالية جمعية الاتحاد والترقي – التي اعتبرت نفسها “روح الدولة” و “كعبة الحرية” – وتعاظم القومية التركية. وسرعان ما اضمحلت صلات ,التآخي بين الأئمة والكهنة والحاخامات خلال احتفالهم بـ “الحرية” في تموز/يوليو من عام 1908، كما اضمحل الهيجان السياسي والثقافي الذي شهدته مدن عثمانية عديدة، مما مهّد الطريق أمام احترام مبدأ “النظام والانضباط” الذي برره إيديولوجيو الحركة التوحيدية بضرورة مجابهة “عقيدة حقوق الإنسان المنتشرة كجرثومة”.

الحركة القومية التركية

ظهر هذا التشنج الانضباطي المرتبط بالحركة “القومية التركية” منذ 1905-1906 في المراسلات الداخلية للجنة المركزية لجمعية الاتحاد والترقي. ولكنه كان جزءً من عملية اتسمت بحاجة ملحة يمكن تفسيرها أولاً بالسياق الدولي – إعلان استقلال بلغاريا، وضم البوسنة والهرسك إلى الإمبراطورية النمساوية المجرية، وتمرد ألبانيا واستقلالها، واحتلال إيطاليا لطرابلس بلد البربر، وهزيمة عام 1912 على يد تحالف دول البلقان – الذي بثّ شعوراً بالإذلال وحالة من الذعر في صفوف الاتحاديين. قال أحد الصحفيين آنذاك: “لقد خسرنا صربيا وبلغاريا ومونتينيغرو والبوسنة والهرسك وكريت، ونحن على وشك خسارة روميليا، وخلال عامين سنخسر إسطنبول أيضاً. سينتقل الدين الإسلامي الشريف والإمبراطورية العثمانية الموقّرة إلى قيصرية التي ستصبح عاصمتنا ومرسين مرفأنا وأرمينيا وكردستان جارتَينا وسكان موسكو أسيادنا”. غير أن التسلسل المضلّل لأحداث السياسة الداخلية للعاصمة العثمانية – التي اتسمت بالثورة ضد الضباط الاتحاديين الشباب (تركيا الفتاة) في إسطنبول عام 1909 الذين “يهينون ديانتنا”؛ وإضعاف الحكومة الاتحادية والإطاحة بها في 12 تموز/يوليو عام 1912؛ وظهور لجنة عسكرية سرية ومنافسة – وضع الاتحاديين في موقف صعب. ونتج عن هذه الأحداث انقلابٌ نظمه أنور باشا في كانون الثاني/يناير عام 1913، وهو أحد الضابطَين اللذين يعتبران رمزاً لإعلان دستور عام 1908.

الباشاوات الثلاثة

كانت النتيجة المباشرة تعيين محمود شوكت باشا (1856- 1913)، الجنرال الذي شكّل جيش العمل أثناء العصيان الذي شهدته إسطنبول عام 1909، رئيساً لحكومة جديدة. وأعطى الاغتيال الغامض لهذا الرجل القوي (11 حزيران/يونيو 1913)، الذي حاول الحفاظ على استقلال الجيش عن الاتحاديين، اللجنة فرصة إلغاء التعددية السياسية وإعدام أو نفي زعماء المعارضة الليبراليين. واتسم نظام الحزب الواحد الذي أسسه محمود شوكت باشا بوصول الترويكا المعروفة بـ “الباشوات الثلاثة”: جمال باشا (1872-1922) وأنور باشا (1881-1922) وطلعت باشا (1874-1921). شغل جمال باشا وأنور باشا مناصب في الجيش، بينما خضع طلعت باشا للتدريب في مدرسة عسكرية وكان يعمل موظفاً في مؤسسة التلغراف.