تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
ابحث في fanack.com
Please enter search keyword.

تدهوُر جديد لحقوق الإنسان في تركيا

تدهوُر جديد لحقوق الإنسان
الشرطة التركية تحاصر المتظاهرين خلال مظاهرة داعمة لزعيم حزب العمال الكردستاني المسجون عبد الله أوجلان، في اسطنبول، 15 فبراير 2022. يقضي أوجلان، الذي اعتقل قبل 23 عاما، حكماً بالسجن مدى الحياة في جزيرة إمرالي، قرب اسطنبول. زينب كوراي / وكالة الأنباء الفرنسية

مقدمة 

يُصبح مفهوم حقوق الإنسان، يومًا بعد يوم، معيارًا هامًا في تقييم المستوى الحضاري للدول، رغم اختلاف تفسيرات الإعلان العالمي لتلك الحقوق الصادرة عن الأمم المتحدة في العاشر من ديسمبر عام 1948.

وينبع اختلاف التفسير هذا من اختلاف الثقافات بين المجتمعات، غير أن جميع التفسيرات تصبُّ من حيث النتيجة في الدائرة نفسها ولا تخرج عن مفردات الإعلان الأممي، الذي بحث في حق الحياة والحرية والأمن والتنقّل والجنسية والتعليم والعدل بين البشر، فضلًا عن حرية التعبير والرأي والتجمّع والتمييز العنصري والحماية من التعذيب، ناهيك عن حقوق الأقليّات والمرأة والطفل والمعتقلين واللاجئين والمهجّرين لمختلف الأسباب.

وتركيا هي إحدى الدول التي أعلنت التزامها بمفردات الإعلان الأممي ومواده الثلاثين الواردة فيه عام 1948 واتفاقيات جنيف عام 1954، لكن أثبت تقارير حقوقية وجود تجاوزات عدّة نبيّنها في هذا التقرير بشكل مجمل ومفصّل بحسب مقتضى المقال، كما أثبتت انتهاكاتٍ للمواثيق الخاصة التي أتبعت الإعلان.

وبالرغم من أن الإعلان الأممي عن حقوق الإنسان والمواثيق التابعة له لا تشكّل التزامًا قانونيًا للدول، غير أنها تشكّل التزامًا أخلاقيًا لها، فهو يُسهم في تصنيف الدول بمصاف الدول الحضارية أو الساعية لذلك، كلٌ بحسب التزامه بمضامين المواد.

وأعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مطلع مارس عام 2022، خطّة عمل حقوق الإنسان المكوّنة من 11 بندًا و9 أهداف، أعدّتها وزارة العدل التركية ضمن إطار رؤية “فرد حرّ، مجتمع قوي، تركيا أكثر ديمقراطية”، حيث تهدف الخطة في نهاية المطاف إلى وضع دستور مدني جديد، لكن يبقى التطبيق هو سيّد الموقف ومناط الاختبار. 

 

حرية الصحافة 

حُرية الصحافة هي وجوب مراعاة الممارسة الحرّة في التواصل والتعبير عن الرأي عبر كافة وسائل الإعلام المتاحة، المطبوعة منها والإلكترونية. وتَتَضَمّن أيضًا غياب التدخّل المفرط للدول فيها، وحمايتها بموجب الدستور والقانون، وفتح المجال أمام الجهات المعارضة للحكومات للنشر ضمن وسائل الإعلام الرسمية، لا سيّما خلال فترة الانتخابات.

ووفقًا لتقرير سابق تم نشره على موقع فنك، تم التوضيح من خلاله أن الصحافة التركية لم تخضع لرقابة ما قبل النشر منذ أوائل التسعينيات، وأنه لم يتم حظر أي صحيفة في تركيا في العقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين. لكن التقرير نفسه أشار أيضًا إلى اعتقال عشرات الصحفيّين العاملين في الصحافة الكردية المتطرّفة وأنه تم حظر العديد من الصحف اليسارية الكردية والتركية المتطرّفة، وأن تهمة الإرهاب طالت أكثر من مئة صحفي في عام 2012.

تدهوُر جديد لحقوق الإنسان
الشرطة تعتقل مصور وكالة الأنباء الفرنسية، بولنت كيليتش، أثناء تغطيته لمسيرة فخر في اسطنبول حظرتها السلطات في 26 يونيو 2021. اعتقلت قوات الأمن التركية بولنت كيليتش في 26 يونيو 2021 أثناء تغطيته لمسيرة فخر في اسطنبول تم حظرها من قبل السلطات، وفقاً لما قاله شهود عيان ونشطاء حرية الصحافة. وكانت وكالة الأنباء الفرنسية على اتصال بالسلطات التركية للمطالبة بالإفراج عن المصور بولنت كيليتش الحائز على جوائز. Haco Biskin / Gazete Duvar / AFP

 

وأوضحت منظّمات دولية متخصّصة أن 95% من وسائل الإعلام في البلاد تخضع لسيطرة الحكومة، وهذا ما أثار حفيظة المعارضة التركية التي لجأت للاستعاضة عن نقصها إلى النشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وعلى سبيل المثال، فإن داود أوغلو الذي أطلق حزبه الجديد إثر خلافه مع الحكومة الشرعية، لم يجد أي قناة تغطّي حفله هذا فلجأ إلى الإطلاق عبر موقع الفيسبوك.

وبحسب مصادر في المعارضة، أوضحت الصحف والقنوات المعارضة القليلة الناشطة في الفضاء الصحفي التركي تعرّضها إلى العديد من الأزمات والضغوطات من جانب الحكومة عبر ملاحقتها بالضرائب والغرامات الضخمة، أو عبر إيقاف بعض برامجها.

وكانت تهمة السخرية من الرئيس، التي تسبّبت في اعتقال الصحفية التلفزيونية التركية سيديف كاباش وصحفيّين آخرين ألمان،  حاضرة في مشهد التضييق على وسائل الإعلام والصحفيين بحسب الأتراك، وفي مقابلة مع قناة “إن تي في” الخاصة، حذّر الرئيس أردوغان من أن “هذه الجريمة لن تمرّ من دون عقاب”.

وفي إجراءٍ اعتبره البعض محاولة لإسكات المنتقدين، حذّر الرئيس التركي أردوغان في 29 يناير 2022 وسائل الإعلام من نشر أنباء “تتعارض مع قيم وأخلاق البلاد”، حيث قال فيه: “سيتم اتّخاذ الإجراءات الضرورية ضدّ المحتوى الضار في الصحافة المكتوبة والمادة الإعلامية الشفوية والمرئية”.

ويخشى صحفيون في تركيا المزيد من القيود على عملهم، بعدما شدّدت الحكومة قواعد إصدار الاعتماد. وبحسب اللوائح الجديدة، من المُحظّر على الصحفيين فعل أي شيء يلقي “بظلاله على سمعة” المهنة ويضرّ بـ”شرفها”، في خطوةٍ من المرجّح أن تستغلّها تركيا لتكميم الأصوات المنتقدة.

وأشار التقرير الصادر عن وحدة التوثيق التابعة لجمعية حقوق الإنسان ومؤسّسة حقوق الإنسان التركية إلى أن عام 2020 شهد اعتقالات عديدة، وفتح تحقيقات ودعاوى وتوجيه تهديدات واعتداءات جسدية على صحفيّين بسبب الأخبار التي أطلقوها. كما فُرِضت عقوبات مختلفة (قطع الإعلانات، وقف البث، وما إلى ذلك) على الصحفيّين والمؤسّسات الإذاعية.

ووثّق التقرير اعتقال 62 صحفيًا، حيث أُطلِق سراح 14 منهم بشرط الرقابة القضائية، إضافةً إلى الاعتداء على 5 صحفيّين واستهداف مؤسّستين صحفيّتين، وحوكم 253 صحفيًا بقضايا رُفعت ضدهم، وألغت رئاسة الاتصالات 28 بطاقة صحفية.

وفي تقريرها لعام 2021، رصدت الجهة نفسها اعتقال 45 صحفي وتعرّض 10 آخرين للهجوم، أحدهم كان منزله في ألمانيا، ناهيك عن منع السلطات ما لا يقل عن 10 صحفيّين من أداء مهامهم خلال التغطية الإخبارية، وتعرُّض 6 صحفيّين للعنف من قِبَل ضباط إنفاذ القانون أثناءها، فيما تمّ العثور على صحفي واحد متوفّيًا بشكل مريب.

وتدين المنظمّات غير الحكومية باستمرار انتهاكات حرية الصحافة في تركيا خصوصًا منذ محاولة الانقلاب التي جرت في عام 2016. وتحتل تركيا المرتبة 153 من بين 180 في مؤشّر حرية الصحافة لعام 2021 لمنظّمة مراسلون بلا حدود.

ويقول مراقبون أنّه لا بد من تفعيل الدور الرقابي للمنظّمات الصحفية الدولية على التعاطي التركي مع الصحفيّين وظروفهم في العمل، ومتابعة تنفيذ اتفاقيات تركيا في هذا الإطار لضمان حرية صحافة أعلى، وتنوُّع أكبر لوسائل الإعلام . 

حرية التعبير 

تشكّل الحماية والاستخدام الفعال لحرية التعبير أحد شرايين الحياة في المجتمع الديمقراطي. ويُعتبر التداول الحر للأفكار والآراء المختلفة في المجال العام؛ مثل وجود بيئة نقاش حرّ، ووسائل إعلام مستقلّة ومجتمع مدني نشط، من الأمور الأساسية في التعددية السياسية – كخلق رأي عام حول المطالب الاجتماعية، والإعراب عن انتقاد صانعي القرار السياسي، وسيطرة المواطنين على السلطات التي تمارس السلطة العامة – هذا كلّه ممكن فقط في ظلّ ظروف يتم فيها حماية حرية التعبير وممارستها بشكل فعّال.

وتنصّ المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على حرية التعبير، وتبيّن بالمعنى الواسع للعبارة الحقوق الإنسانية التي يتمتّع بها كل فرد. وبينما يشكّل الدفاع عن هذا الحق جزءًا أساسيًا من عمل منظمّة العفو الدولية، تمّت في وقت لاحق حماية حرية الفكر والتعبير قانونيًا بمجموعة من المعاهدات الدولية والإقليمية.

ولسوء الحظ، رغم  انتهاء حالة الطوارئ في يوليو عام 2018، استمرّت قيود السلطة السياسية على حرية الفكر والتعبير، لا سيّما الضغط والرقابة المتزايدة على وسائل التواصل الاجتماعي، في عام 2020 و2021 أيضًا.

وأشارت تقارير حقوقية حول حرية التعبير في عام 2020، إلى اعتماد “مشروع قانون بشأن تعديل قانون تنظيم البث على الإنترنت ومكافحة الجرائم المرتكبة من خلال هذه البرامج” من قِبل الجمعية العامة للجمعية الوطنية الكبرى لتركيا في 29 يوليو 2020، وازداد الضغط على منشورات وسائل التواصل الاجتماعي على الإنترنت.

وبحسب معطيات وزارة الداخلية، فقد تم فحص 29 ألف و19 حسابًا على مواقع التواصل الاجتماعي في الفترة من 1 يناير 2020 إلى 1 نوفمبر 2020، ورُفعت دعوى قضائية ضد 12 ألفًا و163 مستخدمًا لمواقع التواصل الاجتماعي. كما تمّ فحص ما مجموعه 7,127 حسابًا على وسائل التواصل الاجتماعي في تركيا فقط فيما يتعلّق بتفشي كوفيد-19، وتم اعتقال 496 شخصًا على أساس تلك المنشورات.

وأوضحت التقارير الحقوقية تقييد الحكومة للنشر على وسائل التواصل الاجتماعي، وفرض حظر الوصول إلى العديد من الأخبار والمواقع بموجب قرارات المحكمة.

وبحسب بيانات وزارة الداخلية، فقد تمّ فحص 98,714 حسابًا على مواقع التواصل الاجتماعي في الأشهر التسعة الأولى من عام 2021، واتُّخِذت إجراءات ضد 39,601 شخصًا، وتمّ اعتقال 1,175 شخصًا.

كما تمّ حظر الوصول إلى ما لا يقل عن 945 خبرًا على الإنترنت، و133 محتوى، و53 موقعًا تنتمي إلى 7 منافذ إعلامية مختلفة، وما لا يقل عن 41 منشورًا و5 حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي بموجب قرارات المحكمة.

وفي تصريح نُشِر في ديسمبر 2021 عن الرئيس التركي، قال أردوغان: “لا يمكن لأي شركة تواصل اجتماعي مهما كان حجمها ومكانتها أن تتجاوز القانون”. واعتبر الرئيس أن وسائل التواصل الاجتماعي باتت تشكّل مصدر تهديد رئيسي على الديمقراطية.

وفي نوفمبر عام 2021، أدانت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تركيا في قضيّتين منفصلتين لانتهاكها حرية تعبير صحافية ونائبة في البرلمان، فيليز كيريستجيوغلو دمير، التي رُفعت عنها الحصانة البرلمانية في عام 2016.

وبحسب مُتابعين، يبدو أن إجراءات التضييق والرقابة على صفحات التواصل الاجتماعي تمضي وفق خط بياني متزايد، ما دفع حقوقيون للمطالبة بإعطاء مساحة أكبر لحرية التعبير على وسائل التواصل، ووضع ضوابط متّزنة تراعي تحفّظات الدولة الأمنية ولا تخلّ بمبدأ حرية التعبير.

الأكراد والأقليّات 

وقّعت تركيا على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري في 13 أكتوبر عام 1972، وصادقت عليها في 16 سبتمبر عام 2002.

وكجزء من تحفّظاتها، أعلنت تركيا أن الأحكام ستُنفّذ مع الدول الأطراف التي توجد علاقات دبلوماسية معها، وعلى الأراضي التي تُطَبَّق فيها التشريعات التركية، بما في ذلك الدستور. ولم تعتبر نفسها مُلزمة بالمادة (22)، المتعلّقة بالنزاع الذي ينشأ بين الدول الأطراف بشأن تفسير الاتفاقية أو تطبيقها، والتي تنصّ على إحالة جميع أطراف النزاع إلى محكمة العدل الدولية للفصل فيه.

وبحسب المراقبين، لا تزال القضية الكردية واحدة من أكبر العقبات التي تحول دون التحوّل الديمقراطي في تركيا. فبيئة النزاع المسلّح التي بدأت مباشرةً بعد الانتخابات العامة في 7 يونيو عام 2015 تلقي بظلالها على الملف.

وفي عام 2020، وثّقت تقارير حقوقية بحق الأكراد مقتل شخصين وإصابة سبعة آخرين نتيجة اعتداءات عنصرية. ووفقًا لبيانٍ استند إلى معلومات صادرة عن İHD (جمعية حقوق الإنسان في تركيا) للتوثيق، توفي 7 أشخاص وأُصيب 32 آخرون في 14 هجومًا عنصريًا في الأشهر العشرة الأولى من عام 2020.

ورصدت التقارير الحقوقية العديد من الانتهاكات بحق أحياء كردية تضم قرابة 1.8 مليون شخص، حيث تم إعلان حظر التجوّل في 32 حيًا (3 مرات، بمجموع 21 يومًا) و103 قرية (3 مرات، بمجموع 9 أيام) في بدليس بين 1 يناير عام 2021 و 18 نوفمبر عام 2021.

وفي الفترة نفسها عام 2021، تمّ إعلان حظر التجوّل 17 مرة في ماردين، بما في ذلك 66 حيًا (9 مرات بمجموع 10 أيام) وقرية صغيرة واحدة (مرة واحدة ليوم واحد).

وبحسب التقارير، لم تقتصر الانتهاكات على حظر التجوّل فحسب بل تمّ توثيق مقتل 9 أشخاص نتيجة اعتداءات عنصرية، كما تم اعتقال العديد من السياسيين الأكراد المنتخَبين، لا سيما الرئيسان المشاركان السابقان لحزب الشعوب الديمقراطي صلاح الدين دميرطاش وفيجن يوكسكداغ.

وفي عاميّ 2020 و2021، لم يكن من الممكن تلبية مطالب العلويّين من أجل حقوق المواطنة المتساوية، ولم يتم الوفاء بمتطلّبات قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في ما يتعلق بإلغاء فصول الدين الإجباري.

وتجدر الإشارة في هذا الإطار، أنّ خلال اجتماع لجنة وزراء مجلس أوروبا في 2 ديسمبر عام 2021، بدأت محكمة النقض في الفصل لصالح العلويين، وتم تحذير تركيا مرّة أخرى بجدية لتنفيذ قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان المتعلّقة بالعلويين.

حرية التجمّع 

تنبع القيمة الأساسية لحرية التجمّع والتظاهر في المجتمعات الديمقراطية من قدرة المواطنين على المشاركة في المجال العام من خلال الأعمال السلمية، والتأثير في عملية تكوين رأي وإرادة المشاركين، وتأمين الحريات الأخرى المعنية.

وخلال عاميّ 2020 و2021، وبحسب تقارير حقوقية، كانت القيود والانتهاكات التي تحدّ من حرية التجمّع والتظاهر هي القاعدة الأساسية في تركيا، حيث لم يستطع الأشخاص والمجموعات من كل شريحة اجتماعية تقريبًا، خاصةً أعضاء الأحزاب السياسية والعاملين والطلاب والمحامين والنساء والمدافعين عن البيئة والحقوق، ممارسة حريتهم في التجمّع والتظاهر نتيجةً لتدخّلات فعلية من قِبل أجهزة إنفاذ القانون.

وعلى الرغم من انتهاء حالة الطوارئ في 19 يوليو عام 2018، سجّل مركز التوثيق التابع لمؤسّسة حقوق الإنسان في تركيا (HRFT)، في أوّل 11 شهرًا من عام 2021، حظر 101 من الأنشطة في 24 مقاطعة و6 مناطق. وتُعتبر مدينة “وان” التي تحوي مليون و136 ألف مواطن أحد الأمثلة الواضحة، حيث تم حظر التجمّع والتظاهر في هذه المدينة لمدّة خمس سنوات على التوالي من دون توقّف.

وتشير التقارير إلى أن الاستخدام التعسّفي والمفرط للقوّة من قِبل أجهزة إنفاذ القانون يُعتبر العائق الأبرز لممارسة الحق في التجمّع والتظاهر. ووفقًا للتقارير، فقد تم التدخّل عام 2021 في ما لا يقل عن 291 اجتماعًا ومظاهرة سلمية، وحظر 88 حدثًا، بالإضافة إلى اعتقال 3,540 شخصًا، وتعرُّض ما لا يقل عن 3,671 شخصًا للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة.

وطالت التدخّلات أنواع شتى من التظاهرات، 22 منها يتعلّق بحقوق المرأة و57 تظاهرة طلابية و29 تظاهرة خاصة بالعمال و11 بالأحزاب السياسية و17 تجمّع للاحتجاج عن الأوضاع الاقتصادية.

ومن العوائق المهمّة أمام ممارسة حرية التجمّع والتظاهر، هي التحقيقات والدعاوى المرفوعة ضد الأشخاص الذين يريدون ممارسة هذه الحرية. وبحسب معطيات وزارة العدل، فقد بدأت التحقيقات ضد 6,770 شخصًا لمعارضة مكتب النائب العام لقانون الاجتماعات والتظاهرات رقم 2911 في عام 2020، وتقرّر رفع دعوى عامة ضد 3,171 منهم.    

أما خلال عام 2020، فقد تم حظر 115 تجمُّع في 35 محافظة، واعتقال 1,929 شخصًا بعد تعرُّضهم للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة في 731 مظاهرة،  وفتح التحقيق بحق 7,331 شخص.

وكشفت تقارير سابقة نشرتها جمعية حقوق الإنسان التركية عن وقوع ما مجموعه 4,771 انتهاكًا بين عاميّ 2015 و2019 في تركيا، في ما يتعلق بالحق في التجمّع والتظاهر، وأن السلطات قد اعتقلت ما يزيد عن 20 ألف شخص نتيجة مشاركتهم في التظاهرات خلال تلك الفترة. وتنوّعت التهم الموجّهة للمتظاهرين بين “انتهاك قانون المظاهرات”، و”القيام بدعاية إرهابية”، و”إهانة الرئيس”، و”مقاومة قوات الشرطة”، و”إلحاق الضرر بالممتلكات العامة”، و”الانتماء إلى منظّمة إرهابية”.

وأشار مراقبون أن التضييق على حرية التجمّع يدلّ على وجود مخاوف حقيقية من استمرار مقاضاة الأتراك المتجمهرين والمطالبين ببعض الإصلاحات التي يرونها ضرورية في بلادهم، والتي ترى الحكومة أن مثل هذه المطالبات مكانها المؤسّسات الرسمية وليس الشارع .

المرأة 

في تقريرٍ سابق نشرناه على موقع فنك، أوضحنا أن في 20 ديسمبر 1985 أكّدت تركيا انضمامها إلى اتفاقية سيداو (CEDAW) التي ترفض جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وأن التحفّظ الوحيد الذي أعربت عنه تركيا يتعلّق بالفقرة رقم (1) من المادة (29)، في ما يتعلق بالخلاف بين الدول الأطراف حول تفسير أو تطبيق الاتفاقية، والتي تنص على منح حقوق متساوية في اكتساب الجنسية وضمان ألا يترتب على الزواج من أجنبي تغيير جنسية الزوجة تلقائيًا.

تدهوُر جديد لحقوق الإنسان
متظاهرون يرددون هتافات ويحملون لافتات ومشاعل أثناء تظاهرة ضد العنف القائم على النوع الاجتماعي في اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة في اسطنبول، في 25 نوفمبر 2021. زينب كوراي / وكالة الأنباء الفرنسية

وتُعتبر الخلافات الأيديولوجية نقطة خلاف رئيسية في تفسير وتطبيق قوانين وحقوق المرأة بين تركيا ودول الاتحاد الأوروبي، الذي أعرب في أكثر من مناسبة عن استيائه من انتهاكات حقوق الإنسان في تركيا، وكان أبرزها حقوق المرأة وانسحاب تركيا من معاهدة مكافحة العنف ضد المرأة المعروفة باسم “اتفاقية اسطنبول” والتي أثارت موجة جدل كبير داخل تركيا وخارجها. ويرى مؤيّدو الاتفاقية والتشريعات المرتبطة بها أن ثمة حاجة إلى تنفيذٍ أكثرَ صرامة.

لكن كثيرون من المحافظين في تركيا وحزب العدالة والتنمية يقولون أن الاتفاقية تقوض الهياكل الأسرية التي تحمي المجتمع.

وفي بيان للمحكمة الإدارية، قال مكتب أردوغان: “إن انسحاب بلادنا من الاتفاقية لن يؤدّي إلى أي تقصير قانوني أو عملي في منع العنف ضد المرأة”.

فيما برّر نائب الرئيس التركي فؤاد أوقطاي خطوة أردوغان، بأن بلاده لا تحتاج إلى تقليد الآخرين في حماية حقوق المرأة.

وتشير إحصاءات حقوقية إلى مقتل امرأة واحدة كل يوم في تركيا. وفي عام 2021، وثّق تقرير وحدة التوثيق التابعة لجمعية حقوق الإنسان ومؤسّسة حقوق الإنسان التركية، قتل ما لا يقل عن 290 امرأة و30 طفلًا من قِبل الرجل. بالإضافة إلى اغتصاب 89 امرأة، والتحرش بـ 412 أخريات، وإجبار 642 امرأة على العمل الجنسي، وممارسة العنف ضد 732 امرأة.

وتشير التقارير الصادرة عن الجهة نفسها أن عام 2020 شهد انخفاضًا في الأعداد مقارنةً بالأعوام السابقة، حيث بلغ عدد النساء اللاتي قُتِلن 260، وتعرّض ما لا يقل عن 92 امرأة للاغتصاب، و136 للتحرّش، و731 للعنف، وتم إيقاف العديد من التظاهرات النسائية وتعرّض منظّموها للاعتقال. 

وتشير الأرقام إلى أن الاعتداءات على المرأة في تركيا ازدادت في عام 2021 عما كانت عليه في عام 2020. وبحسب جمعيات نسائية، يتطلّب ذلك العمل على سنّ تشريعات جديدة تضمن حقوق النساء في البلاد مع مراعاة الفوارق الأيديولوجية التي تختص بها تركيا.

اللاجئون والعمال المهاجرون  

تواصل تركيا استضافة أكبر عدد من اللاجئين من جميع أنحاء العالم، حيث يبلغ عددهم حوالي 4 مليون لاجئ من بينهم أكثر من 3.7  لاجئ سوري مُسجّل في مارس عام 2022، وفقًا للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR).

وشهد عام 2020 أكبر مساومة في هذا الملف بالتوازي مع الاشتباكات مع وحدات القوات المسلحة التركية في مدينة إدلب السورية، حيث فُتِحت أبواب تركيا الحدودية مع أوروبا ووصل آلاف اللاجئين إلى بوابة بازاركولي الحدودية في أدرنة، بعضهم بوسائلهم الخاصة والبعض الآخر بالحافلات التي أنشأتها البلديات. وفي 5 مارس عام 2020، أسفر إطلاق النار، على من ينتظرون فتح الحدود، عن مقتل طالب لجوء وإصابة 5 لاجئين فيما قال وزير الداخلية سليمان صويلو أن عدد طالبي اللجوء الذين يعبرون من ميريتش إلى اليونان بلغ وقتها  142,175 لاجئ.

تدهوُر جديد لحقوق الإنسان
جامع قمامة يعمل في مكب نفايات باسطنبول في 18 نوفمبر 2021. باعتبارهم أفقر فقراء تركيا، انضم الأفغان إلى الأكراد، وشعوب اللاز، والروما، والأقليات العرقية الأخرى والمهاجرين غير الشرعيين للقيام بالأعمال التي يرفضها الآخرون. مقابل أقل من 10 دولارات في اليوم، يعمل هؤلاء العمال متجولين في شوارع إسطنبول، وهي مدينة ضخمة يسكنها ما يقرب من 16 مليون شخص يعانون من ضغوط أزمة العملة التركية وتدفق اللاجئين من سوريا وأفغانستان ودول أخرى تمزقها الصراعات. يغوصون أولاً في حاويات القمامة، فيخرجون الزجاجات البلاستيكية والزجاج والمخلفات الأخرى، ثم يقومون بفرزها وبيعها بكميات كبيرة -وهو عمل منظم ذاتياً ولا يخضع لتنظيم رسمي ويحافظ على نظافة المدينة. ولكن مع تحول المشاعر العامة ضد المهاجرين والأجانب الآخرين في تركيا، أعلن محافظ إسطنبول المعين أن هذا العمل سيئ “للبيئة والصحة العامة”. بولنت كيليتش / وكالة الأنباء الفرنسية

وتُشير الأرقام في ذلك العام إلى مقتل 85 لاجئ بثلاثة حوادث غرق لقواربهم قرب إزمير، و6 اعتداءات عنصرية و5 حوادث إطلاق نار لقوات الأمن، ناهيك عن تعرّض 33 شخصًا للتعذيب وسوء المعاملة أثناء الاحتجاز.

 

وفي عام 2021، أعرب رئيس المجلس الأوروبي ورئيسة المفوضية الأوروبية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن قلقهما حيال ملف حقوق الإنسان في تركيا، لكنّهما شدّدا على أهمية الشراكة معها. فبينما قال شارل ميشال أن “الاتحاد الأوروبي هو أكبر شريك لتركيا وأنه ممتنّ لاستقبال تركيا للّاجئين”، شدّدت فون دير لاين من ناحيتها على أن تركيا “شريك هام”، وأكّدت تصميم الاتحاد الأوروبي على مساعدة أنقرة في الاستجابة لاحتياجات اللاجئين.

تُبيّن هذه التصريحات، من دون شك، أهمية تركيا في هذا الملف. لكن تُشير تقارير حقوقية إلى تعرّض العديد من اللاجئين عام 2021 لجميع أنواع التمييز وسوء المعاملة وخطاب الكراهية والاستغلال الاقتصادي، ومن أبرز الأمثلة على هذا النهج هي القرارات التي اتّخذتها بلديّتا بولو واسطنبول/ الفاتح التي منعت بموجبها تأجير المنازل للأجانب، بما في ذلك أولئك الذين يملكون تصريح إقامة.

وتُشير التقارير أيضًا إلى وفاة 71 لاجئ نتيجة حوادث وجرائم قتل متفرّقة، إضافةً إلى اعتقال 31 لنشرهم صور أكلهم الموز على خلفية ما بات يُعرف بقضية الموز.

وتقول منظّمات حقوقية أن أحوال العمال السوريين في تركيا بالغة السوء، إذ يتقاضون رواتب أقل كثيرًا من الحد الأدنى للأجور في تركيا، ولا يُسمح لهم بتشكيل تجمّعات نقابية أو مهنية، ولا يتمتّعون بعقود شرعية ونظامية تسمح لهم بمقاضاة الجهات المعتدية على حقوقهم.

وفي ما يخصّ العمال الأتراك، فقد أوضحت تقارير أن الفصل التعسّفي كان سلاحًا لتطهير مؤسّسات الدولة من المعارضين خلال عام 2020، حيث فُصِل 151 نائبًا منتخبًا تعسّفيًا من مناصبهم في رئاسة البلديات التابعة لأحزاب المعارضة، بما في ذلك مؤيّدي فتح الله كولن بزعم انتمائهم لتنظيمات إرهابية. وتمّ واعتقال 73 رئيس بلدية معارضًا منتخبًا، وحُكم عليهم بإجمالي أحكام بالسجن لمدة 694 عامًا و998 شهرًا و338 يومًا، فيما تستمر الإجراءات القضائية للآخرين. كما فُصِل 42 ألف مواطن من عملهم بزعم دعمهم لحركة كولن. وتم إيقاف 14 ألف آخرين عن العمل باتّهامات تتعلّق بالتواصل مع أعضاء حركة كولن.

لقد شهدت قضية حقوق الإنسان في تركيا ما بين عامي 2020 و2021 العديد من الانتهاكات ضمن العديد من المجالات التي رصدناها في هذا التقرير. وتشير الأرقام إلى أن أغلب الحقول الحقوقية تمضي على وتيرة متصاعدة في تلك الانتهاكات. وفيما يقول مراقبون أن الصراع السياسي الداخلي يشكّل السبب الأبرز لها، تقول جهات حقوقية أن السبيل الأمضى لضبط هذه الانتهاكات هو دعم الجهات الحقوقية والمدنية لمزيد من الضغط الذي يفضي إلى سنّ تشريعات قانونية ضمن البرلمان تكون بمثابة بوابة لتقليص الأرقام .