وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

ما هي العلاهية؟

Turkish Alevis
علاهيون أتراك يوزعون طبق عاشوراء التقليدي في وسط مدينة أنقرة في 26 أكتوبر 2015. Photo: ADEM ALTAN / AFP

العلاهية، التي تعتبر ديانةً ذات أهمية وطنية وعالمية على حد سواء في تركيا وسوريا وإيران والبلقان، غير معروفةٍ عى نطاقٍ واسع خارج هذه الأجزاء من العالم. وغالباً ما يُساء فهم العلاهية، التي تعدّ معقلاً رئيسياً للتنوع التاريخي المجيد لتركيا بينما تتعرض أيضاً لاضطهادٍ واسع النطاق، من قِبل أولئك الذين يدركون ماهيتها فضلاً عن تجاهلها من قِبل أولئك خارج نطاق الاحتكاك بها. إذاً، ما هي العلاهية؟

هل العلاهية جزءٌ من الإسلام؟

العلاهية هي فرعٌ من الإسلام الشيعي ويُقدر أتباعها في تركيا بما نسبته 20% من السكان، وهي جماعةٌ تضم حوالي 25 مليون شخص تتراوح عرقيتهم ما بين العرب المحليين والأتراك والتركمان والأكراد. ومن الجدير بالذكر أن غالبية مجتمع العلاهيين يعيشون داخل البلدان ذات الأغلبية السُنيّة (أي تركيا، إجمالي عدد السكان 80 مليون). يُقيم العلاهيون، الذين تربطهم علاقة فضفاضة بالعلويين في سوريا، بشكلٍ أساسي في تركيا. وداخل تركيا على الأقل، يعتبر العدد الدقيق للعلاهيين مسألةً خلافية، إذ لا يوجد إحصاء رسمي يحدد حجم أي من المجتمعات الدينية على وجه الخصوص. وخلافاً لغالبية المسلمين، يصلي العلاهيون باللغة التركية، حتى أولئك الذين ينحدرون من البلقان والمناطق الكردية، مما يعكس التتريك العميق لهذا المجتمع الديني.

باعتبارها جزءاً فرعياً من الإسلام، تختلف معتقدات العلاهيين عن كلٍ من السُنّة والإسلام الشيعي السائد. يُعتقد أن مصطلح علاهي مرتبط بوصف “أتباع الإمام علي،” في إشارةٍ إلى علي بن أبي طالب، ابن عم الرسول محمد وصهره، الذي يعتقد العلاهيون، كحال مختلف طوائف الشيعة، أنه خليفة محمد الشرعي. وأيضاً كحال الطوائف الشيعية الأخرى، يرفض العلاهيون قيادة “الخلفاء الراشدين” الثلاثة، مما يُمثل تمايزاً رئيسياً عن معتقدات السُنة. ومع ذلك، سيكون من الخطأ تصنيف العلاهيون باعتبارهم شيعة (بينما يندرج العلويون على نحوٍ ملائم ضمن هذه الفئة)، وذلك نظراً لتفسيرهم غير المنظم نسبياً للإسلام والطبيعة التوافقية للدين، إذ يحترمون أحياناً بعض التقاليد المسيحية وحتى الشامانية.

وغالباً ما يتم الخلط أو الاعتقاد الخاطىء بأن العلاهيين والعلويين هم ذات الطائفة، ولكن بصرف النظر عن التشابه بلفظ الإسم- ومرجع كليهما لعلي- إلا أنهم مختلفون اختلافاً كبيراً. يتمثل أحد الإختلافات بالعرقية؛ ففي حين أن العلاهيين هم في الغالب من الأتراك أو من العرقية الكردية ويصلون باللغة التركية، إلا أن العلويين عرب وكحال جميع المسلمين تقريباً، يُصلون باللغة العربية. كما يُصنف العلويون قطعاَ ضمن إطار الإسلام الشيعي حيث يؤلهون علي، بينما العلاهيون يحترمونه فحسب. وعلاوةً على ذلك، يُعرف العلويون بسريتهم التامة إذ يحرصون على حماية تفاصيل معتقداتهم وطقوسهم من الغرباء وحتى من النساء داخل مجتمعاتهم، في حين يتمتع العلاهيون بمساواة أكبر بين الجنسيين ولا يقدرون السرية إلى هذا الحد.

وكحال الصوفيين، يؤمن العلاهيون بحقائق اليقين وخفي معاني القرآن، الذي يصلون إليه من خلال ممارسة الشعائر الدينية غير المتاحة للمبتدئين. يجتمع غالبية العلاهيين في حلقة ذكر روحانية يوم الخميس تماماً مثل الصوفيين، وخلافاً لصلاة الجمعة التقليدية. ولكن كحال الشيعة، يولي العلاهيون أهمية كبيرة للأئمة الإثنا عشر الذين يشكلون القيادة الروحانية للخلافة الأولى للإسلام الشيعي، حيث غالباً ما يتم دمج تصاميم بـ12 جانباً في الهندسة المعمارية الدينية.

يعتبر العلاهيون أنفسهم مسلمين ومعتقداتهم راسخة الجذور في تعاليم وآيات القرآن الكريم. ومع ذلك، هم لا يلتزمون بالعديد من أركان الإسلام الخمس، مما يجعل البعض يجادل بأنهم يقعون خارج دائرة المفاهيم التقليدية للدين الإسلامي. يمكن إيجاد بعض هذه الاختلافات في خصائص الإسلام الأكثر بروزاً، ومن الجدير بالذكر أن العلاهيون لا يسجدون أثناء الصلاة ولا يُطلب منهم الصوم خلال شهر رمضان المبارك، بل يحتجبون عن أنماط الأكل المعتادة خلال الأيام العشرة المقدسة من شهر محرم، أي أثناء إحياء الشيعة لذكرى مقتل الحسين.

كما يجتمع العلاهيون للصلاة وحضور الدروس الدينية في “بيوت الجمع،” وليس في المساجد كحال غالبية المسلمين. كانت هذه نقطة خلاف فيما يتعلق بحقوق الجماعة في تركيا حيث أن الحكومة لا تعترف ببيوت الجمع كأماكن للعبادة، مما يحرم مجتمع العلاهيين من التمويل والدعم الحكومي. وعلى عكس جميع المجتمعات الإسلامية ما عدا الليبرالية منها، يصلي الرجال والنساء في نفس المكان عادةً داخل بيوت الجمع.

Alevism
علاهيون أتراك يشاركون بأحد المسيرات في أنقرة في 9 نوفمبر 2008. Photo: ADEM ALTAN / AFP

ليبرالية أم عصرية فحسب؟

دفع التمييز من التيار الديني السائد في تركيا مجتمع العلاهيين إلى اعتناق المثل العليا العلمانية للجمهورية الحديثة، والتي كانت بمثابة ضامنٍ لحقوق العلاهيين في القرن الماضي. ومن الصعب القول ما إذا كان هذا عاملاً سببياً في المعايير الاجتماعية والجنسانية الأكثر تساهلاً والأقل تحفظاً في المجتمع، ولكن بين النساء العلاهيات، فإن ارتداء الحجاب والملابس الأكثر تحفظًا والمشتركة بين العديد من النساء المتدينات في تركيا أمرٌ نادر. كما يحتسي العديد من العلاهيون الكحول. وبالمثل، خلال الأحداث الثقافية، لا يعدّ الفصل بين الجنسين المعيار القائم، مما يزيد من شعورهم بالمساواة بين الجنسين. وبمرور الوقت، أصبح العلاهيون مرتبطون بقوة باليسار السياسي في تركيا، وخاصة في سياق إحياء الثقافة الإسلامية في الثمانينيات. تستمر هذه الرابطة حتى يومنا هذا.

وكما هو الحال دائماً، العلاهية ليس مجرد ديانة بل هي أيضاً مجموعة ثقافية تمتاز برقصاتها وأمثالها. تعتبر هذه الروابط الثقافية بمثابة حصنٍ أوسع للمجتمع، مما يخلق شعوراً بالانتماء والوعي بالهوية، حتى بين العلاهيين غير الملتزمين. ولسوء الحظ، تم استخدام مثل هذه السلوكيات أيضاً ضد المجتمع، حيث ادعى الرئيس رجب طيب أردوغان أن أماكن العبادة العلاهية ليست مواقع دينية بل مجرد “مراكز للأنشطة الثقافية.”

خارج نهج الإسلام

كثقافةٍ فرعية مع معتقدات مختلفة عن السُنة المهيمنين، عانى العلاهيون من قرونٍ من الاضطهاد، حتى أن العثمانيين وصفوهم بأهل البدع. وفي الآونة الأخيرة، خلال الاضطرابات السياسية والقمع في سبعينيات القرن الماضي، قتل العشرات من العلاهيين.

ففي عام 1993، في مدينة سيواس، تم حرق أكثر من 30 علاهي أحياء في مبنى هاجمه حشدٌ إسلامي. ووسط الإسلاموية المتزايدة في تركيا، يظل العلاهيون مواطنين من الدرجة الثانية، مع تجاهل احتياجات مجتمعهم أو هويتهم من قِبل الهوية السُنية السائدة. هذه ليست مجرد مسألة أرقام، ولكنها متأصلة في مفهوم النظام التتريك الحقيقي. ويبدو أن هذا الأمر لا يعيقه تسمية الدولة التركية الرسمية والإسمية بالعلمانية، بل إن تقارب العلاهيين الديني من الطائفة العلوية التي يتبعها الرئيس السوري بشار الأسد، جعل منهم هدفاً ملائماً مع تنامي كراهية النظام السوري في تركيا.

وعلى المستوى المؤسسي، فإن عدم إعتراف الحكومة بالعلاهية يُقيد كل شيء، بدءاً من تمويل أماكن العبادة ووصولاً إلى التعليم الديني (الذي تم الطعن فيه بنجاح من قبل أحد أولياء الأمور في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان) والتمثيل في وزارة الشؤون الدينية. تمثل هذه القيود مجتمعةً فجوةً كبيرة في الحقوق الممنوحة لمجتمع العلاهيين. ومع ذلك، فقد أدى نشاط العلاهيين إلى حفنةٍ من الانتصارات. ففي عام 2018، قضت محكمة استئناف تركية بأن على الدولة أن تدفع تكاليف الكهرباء لأحد بيوت الجمع، مما يعني الإعتراف بها فعلياً كأماكن للعبادة وإنهاء الممارسات التمييزية القائمة منذ فترةٍ طويلة، بالرغم من شكوك العديد من العلاهيين إلتزام الحكومة بالحكم الصادر. وبين عامي 2000 و2013، تضاعف عدد بيوت الجمع في تركيا ثلاثة أضعاف، من 300 إلى 900، على الرغم من استيلاء السلطات السُنية على بعض هذه المواقع. وفي مثالٍ آخر، سُمح لزعيم ديني علاهي، أو كما يُعرف بـ”ديدي” أي الجد، بزيارة سجينٍ علاهي في عام 2015.

وفي عام 2013، وعد حزب العدالة والتنمية الحاكم بمجموعة من الإصلاحات العلاهية الخاصة التي كان من المأمول أن تعالج بعض هذه الاضطهادات. بيد أنه لم يتحقق سوى القليل من هذا الوعد، حتى بعد أن أمرت المحاكم الوطنية والدولية الحكومة بالتصرف.

وفي نهاية المطاف، سيظل تقدير واحترام تاريخ وتقاليد العلاهيين، كجزءٍ أساسي من المشهد الديني والثقافي في تركيا والمنطقة، مقياساً لتقدم المجتمع.

Advertisement
Fanack Water Palestine