وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

مشهد الفوغ في الشّرق الأوسط وشمال إفريقيا: مساحة لجرأة التعبير

برز مشهد الفوغ في الشّرق الأوسط وشمال إفريقيا كبيئة جامعة وآمنة، ومع ذلك لا يزال تطوّر هذا المشهد بطيئًا نتيجة القوانين وسمات العار السائدة.

مشهد الفوغ في الشّرق الأوسط وشمال إفريقيا
Hoedy Saad / Facebook

دانا حوراني

المقدمة

بدأت هدى الفهد، فنّانة البوب السّعوديّة، بتصوير مقطع فيديو لأغنيتها “إلّا قلبي” يبرز فيه راقصون يؤدّون رقصة فوغ الشّهيرة. يتوسّع حاليًّا هذا الشّكل من الرّقص المنمّق للغاية، العائد إلى مجتمع الميم عين المؤلّف من السّود واللّاتينيّين في فترة السّتّينيّات إلى الثّمانينيّات من القرن العشرين في الولايات المتّحدة الأميركيّة، إلى منطقة الشّرق الأوسط وشمال إفريقيا حيث يتلقّاه أفراد هذا المجتمع بصدر رحب وأيادٍ ملوِّحة.

ومنذ عشر سنوات، طوّر الرّاقص ومصمّم الرّقص اللّبناني هودي سعد المعروف باسمه المسرحيّ “هودي”، اهتمامًا برقصة الفوغ وبدأ يتعلّمها بنفسه بعد مشاهدته الوثائقيّ “باريس تحترق” عام 1990، الّذي شكّل فيه مشهد حفل الجرّ في ثمانينيّات القرن العشرين في مدينة نيويورك الموضوع الأساسيّ.

لم يُعجَب هودي، صاحب الخبرة في رقصة الفوغ وتعليمها في أكاديميّة سول للرّقص في بيروت، بتمثيل الفهد لهذه الرّقصة.

وقال لفناك: “يسرّني رؤية رقصة الفوغ تشتهر أكثر فأكثر في مجتمعنا اليوم، لكن يقلقني أنّ بعض الرّاقصين لا ينتمون إلى مشهد حفل الجرّ المعترف به. ونتيجة لذلك، قد تتحوّل رقصة الفوغ إلى مجرّد تصميم مبتذل دَرَج الآن”، مشيرًا إلى أنّ رقصة الفوغ تنبع من تاريخ عذابات الأقلّيّات وتتطلّب تمرينًا مكثّفًا لتطبَّق بشكل صحيح.

على الرّغم من موقف منطقة الشّرق الأوسط وشمال إفريقيا القاسي تجاه مجتمع الميم عين، يستمرّ النّاس بتطوير أساليب تعبير جديدة بتفاصيلها الدّقيقة. ولقد كان مشهد قاعات الرّقص، بتركيزه على رقصة الفوغ، هبة لكلّ من يبحث عن بيئة جامعة وآمنة. لكن نتيجة القوانين وسمات العار الّتي ما زالت تعترض مجتمع الميم عين ظلّ تطوّر هذا المشهد بطيئًا.

أصول الفوغ وجذوره

تستمدّ رقصة الفوغ جذورها من مجتمعات الميم عين المؤلّفة من سود ولاتينيّي هارلم، بخاصّة خلال ثمانينيّات القرن العشرين. مرّت مسابقات الجرّ بتغييرات كبيرة منذ ستّينيّات إلى تسعينيّات القرن العشرين، لتتبلور أخيرًا على شكل مسابقات الفوغ المميّزة الّتي يتنافس في فئاتها المتنوّعة، مثل الواقعيّة التّنفيذيّة أو البلدة والبلد، أفراد مجتمع الميم عين بهدف ربح الميداليّات والاعتراف بوجود عائلاتهم.

وجد النّاس المهمّشون في نيويورك بسبب العرق، أو الميول الجنسيّة، أو الجنس في ثمانينيّات القرن العشرين مجتمعًا يضمّهم في ما عُرف بمشهد قاعات الرّقص. أمّا الأشخاص المستثنون فقد وجدوا الأمان والانتماء في كنف أمّهات وآباء ما كان يشار إليه بالمنازل، وكان الجميع متعاضدون لخلق جوّ من التّرحاب وتأمين الملجأ.

ما زالت الحفلات في مشهد قاعات الرّقص تضمّ عروض الأداء، والرّقص، والغناء بمزامنة الشّفاه، وعرض الأزياء كإيماءة إلى تجذّر هذا المشهد في ثقافة التّحرّر. وما زالت هذه الحفلات الّتي تقدّم فئات متنوّعة وجوائز للرّبح، عنصرًا ضروريًّا في حياة مجتمع الميم عين. ابتُكِرَت حفلات الجرّ التّنكّريّة في الأصل لخرق القوانين المانعة ارتداء نوع معيّن من اللّباس الخاصّ بجنس معيّن.

وهكذا دخلت رقصة الفوغ إلى مشهد قاعات الرّقص الأعمّ الّذي طغى على مشهد مجتمع الميم عين على امتداد القرن التّالي.

شهد الفوغ في ثمانينيّات القرن العشرين نقلة من “الطّريقة التّقليديّة” (المرتكزة على الزّوايا الحادّة والخطوط المستقيمة) إلى “الطّريقة الحديثة” الأكثر تنوّعًا ونشاطًا. تضمّن هذا الأسلوب الجديد منصّات العرض، ومشاة البطّ، والدّوران، وأداء يدويًّا معقّدًا. وفي يومنا هذا، يستمرّ الأسلوب الحديث في شهرته لكن بحركات أكثر حدّة، و”نقرات” والتواء المفاصل. أمّا فوغ فام Vogue Fem فتتّخذ المقاربة نفسها مركّزة على السّرعة والانسيابيّة والحركات البهلوانيّة الخطيرة.

ازدادت شهرة هذا الأسلوب من الرّقص حول العالم بسبب مقطع فيديو أغنية “فوغ” لمغنّيّة البوب مادونا عام 2010 والبرنامج التّلفزيونيّ “سباق الجرّ لروبول” RuPaul’s Drag Race.

قال سامر، الفنّان العربيّ الأميركيّ المتعدّد التّخصّصات والمعروف بـ Ridikkuluz، لفناك: “رقصة الفوغ ليست كالانضمام إلى صفّ آيروبيك؛ بل هي تنبع من ثقافة فرعيّة يستطيع فيها المثليّون التّعبير عن أنفسهم”.

وأكمل: “إنّما من المهمّ تذكُّر أنّ هذا النّوع من الرّقص نبع من مجتمع من الأفراد ذوي البشرة الملوّنة الّذين واجهوا المصاعب، مثل: طردهم من منازلهم، وضعهم في دور الرّعاية البديلة، وأحيانًا تركهم مشرّدين. وكانت رقصة الفوغ لهم الملاذ الوحيد.”

مشهد قاعات الرّقص في الشّرق الأوسط وشمال إفريقيا

من بين كلّ بلدان الشّرق الأوسط وشمال إفريقيا، يبقى لبنان البلد الأكثر تقبّلًا اجتماعيًّا لأفراد مجتمع الميم عين، فعلى الرّغم من غياب الحماية القانونيّة للأفراد غير المتغايرين، أُنشئت مساحات متنوّعة صديقة لمجتمع الميم عين في أنحاء بيروت مانحة أفراده شعورًا بالأمان والقبول.

وبخاصّة في خضمّ حياة البلد اللّيليّة المفعمة بالنّشاط، حيث وجد السّكّان ملاذًا آمنًا بعيدًا عن القيود الاجتماعيّة.

وبالتّالي، أصبحت النّوادي اللّيليّة، والحانات، والمحافل الفنّيّة بعض أكثر المساحات أمانًا لازدهار مشهد قاعات الرّقص. تحتلّ العروض المتحدّية للتّنميطات الجنسانيّة مركز الصّدارة في بيئة مرحّبة تشجّع التّعبير الفنّيّ غير التّقليديّ لمجتمع الميم عين.

حدث “الحفل الصّغير” الأوّل في تشرين الثّاني عام 2017 في “باردو” Bardo، إحدى أكثر الحانات شهرة الصّديقة لمجتمع الميم عين في بيروت. لكن أغلقت هذه الحانة أبوابها عام 2021 نتيجة الأزمة الاقتصاديّة المطوّلة الّتي أدّت إلى ارتفاع التّضخّم وانخفاض مستمرّ لقيمة العملة المحلّيّة.

تضمّن الحفل عناصر نظيره الأميركيّ نفسها، ومن ضمنها عروض الأزياء، والرّقص الحرّ، والفوغ.

وكان لينظَّم في النّادي اللّيليّ “إيغو” Ego، “حفل كبير” ينبع من هذا الحفل الصّغير بعده بعام واحد، لكنّ إغلاق البلد بسبب فيروس كورونا أوقف هذه الخطط عام 2019.

غير أنّ عام 2020 شهد عودة حفل بيروت الكبير وما زال ينظَّم سنويًّا بحضور حكّام محلّيّين ودوليّين.

وعلى الرّغم من اعتراف هودي بالاختلافات السّياقيّة والتّاريخيّة بين نيويورك وبيروت في ما يتعلّق بتطوّر مشهد قاعات الرّقص، ما زال يلعب وجوده دورًا أساسيًّا في إيجاد الأشخاص المهمّشين بيئة مرحّبة.

فهو يقول: “تسمح رقصة الفوغ، بالأخصّ، للرّجال بالتّعبير عن جانبهم الأنثويّ من دون أحكام. فهي شكل فنّيّ قويّ ودراماتيكيّ يسمح لهم بالتّعبير عن جانب منهم يشعرون بوجوب إخفائه”.

كذلك، يشعر هودي بأنّ لهذه الفعّاليّات قيمة كبيرة للنّاس على كلّ جوانب الطّيف الجنسانيّ، بما فيهم الأشخاص الّذين يعرّفون عن أنفسهم بكونهم نساء.

ويقول: “ما يسعدني هو رؤية النّساء وهم يشعرون بالقوّة فيما يعتلون المسرح بدلًا من شعورهم بالأحكام المسبقة، ويؤدّون رقصة قد يخجلون من تأديتها في مجتمع يضعهم في مواجهة معايير ذكوريّة متزمّتة”.

حدث نادر في الشّرق الأوسط وشمال إفريقيا

عامّةً ما يواجه أفراد مجتمع الميم عين في بلدان الشّرق الأوسط وشمال إفريقيا أكثر القوانين قمعًا، حتّى أنّ العراق وإيران والسّعوديّة واليمن قد طبّقت عقوبة الإعدام جزاء العلاقات بين شخصين من الجنس نفسه.

كما وضعت دول متعدّدة، مثل الإمارات العربيّة المتّحدة، ومصر، وسوريا، وعمان، ولبنان، وقطر، وغزّة الفلسطينيّة، قوانين محدّدة تجرّم أيّ شكل من أشكال المثليّة الجنسيّة أو التّصرّفات الجنسيّة “غير التّقليديّة”.

إلّا أنّ هودي أكّد على أنّ الأشخاص اللّذين أُجبِروا على البقاء في المنزل وقضاء وقت الرّاحة في تصفّح وسائل التّواصل الاجتماعيّ خلال جائحة كوفيد-19 تعرّفوا على عروض الجرّ ومشهد قاعات الرّقص. وبحسب المؤدّي، لقد حصلت نقاشات مهمّة عبر الإنترنت عزّزت قبول الآخر إلى حدّ ما.

أخبر هودي فناك بأنّ “وسائل التّواصل الاجتماعيّ لطالما لعبت دورًا مهمًّا في تعزيز سرديّة الأمور المتعلّقة بمجتمع الميم عين. أصبح الرّجال الأنثويّون مقبولون الآن أكثر ممّا كانوا في السّنين الماضية، كما أنّنا نشهد اتّساعًا في جمهور عروض الجرّ”. ويشير إلى ارتفاع الإقبال على صفّ رقصة فوغ الّذي يوفّره عقب جائحة كورونا.

لكن بحسب قوله، ما زالت رقصة الفوغ نادرة الظّهور في البلدان الأخرى من الشّرق الأوسط وشمال إفريقيا.

ويضيف: “لقد شاهدت رقصات فوغ رائعة يؤدّيها أحد سكّان الخليج العربيّ، لكنّه يبقي اسمه مخفيًّا. كما أنّني نظّمت مرّة ورشة عمل في سوريا وجب أن تبقى سرًّا”.

طريق طويلة

فيما تستمرّ وسائل التّواصل الاجتماعيّ في كونها مصدر راحة للعديد من أفراد مجتمع الميم عين الباحثين عن القبول والدّعم في الشّرق الأوسط وشمال إفريقيا، جعل فضاء الإنترنت من أفراد مجتمع الميم عين هدفًا سهلًا للمحتالين الرّقميّين، وحملات القمع الحكوميّ، بحسب هيومن رايتس واتش Human Rights Watch.

غير أنّ المساحات الواقعيّة غير الرّقميّة محدودة أيضًا. فبحسب قول Ridikkuluz: “ما زلنا نشعر أحيانًا أنّنا ضيوف في بلداننا لأنّنا أقلّيّة والتّغطية الإعلاميّة للعرب المثليّين محدودة”. ويضيف أنّ التّحرّكات الاجتماعيّة ضروريّة للقضيّة.

مشيرًا إلى أنّ “النّاس في الشّرق الأوسط وشمال إفريقيا لا يرتاحون إلى استخدام رقصة الفوغ للتّعبير عن أنفسهم لأنّها أسرع المؤشّرات إلى ميولهم الجنسيّ، وقد تكشف عنه في حال لم يكن الشّخص مستعدًّا للإعلان عن نفسه بعد”.

إضافة إلى ذلك، ما زال راقصو الفوغ الشّرق أوسطيّون غير متعارف عليهم في الغرب. لكن نُشر على وسائل التّواصل الاجتماعيّ بعد انفجار 4 آب 2020 الّذي حصد أكثر من 200 قتيل، مقطع فيديو يسلّط الضّوء على ناشطين عرب، غالبيّتهم تقطن في الغرب، يؤدّون رقصة الفوغ على أنغام شرقيّة جذّابة. الهدف منه كان جمع المساعدات الماليّة لأيّ شخص تأذّى إثر الانفجار، بخاصّة أفراد مجتمع الميم عين.

وأشار Ridikkuluz إلى بعض أشهر راقصي الفوغ، وهم الإيرانيّة الأميركيّة Shireen القاتنة في سان فرانسيسكو، اللّبنانيّ كساندر خوري القاتن حاليًّا في أستراليا، والمغربيّة Habibitch القاتنة في باريس وهي حاليًّا في جولة مع نجم البوب البريطانيّ سام سميث.

في الختام قال Ridikkuluz: “من الواضح أنّ قبول مجتمع الميم عين يتحسّن ويزداد في مناطق الشّرق الأوسط وشمال إفريقيا، لكن ما زالت الطّريق طويلة، وهذا مبرَّر فالنّاس في العديد من هذه البلدان مشغولون في البقاء على قيد الحياة”.

Advertisement
Fanack Water Palestine