تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

تاريخ لبنان: من العصور القديمة إلى لبنان في العصور الوسطى

تاريخ لبنان
صورة تم التقاطها في 28 سبتمبر 2016 ، تظهر أطلال رومانية في موقع أثري في مدينة صور الساحلية اللبنانية. (Photo by PATRICK BAZ / AFP)
لبنان الاسكندر المقدوني
امبراطورية الاسكندر المقدوني

تمثل المنطقة الساحلية للبنان الحالي جزءً هاماً من أرض كنعان القديمة، والتي كانت تمتد من أوغاريت (رأس شمرا الحالية) الواقعة في شمال سوريا، على طول الساحل ووادي نهر أورونتي، وصولاً إلى عكا التي تقع الآن شمال إسرائيل.

كانت المدن الواقعة على الساحل اللبناني الحالي، مثل طرابلس وجبيل وبيروت وصيدا وصور، مدناً فينيقية شهيرة، وكانت كل منها تنعم بالاستقلال. وكان الفينيقيون تجاراً وبحارة.

من غير الواضح ما هو أصل الفينيقيين، ولكنهم استقروا في هذه المنطقة منذ آلاف السنين ما قبل الميلاد.

كان الفينيقيون بحارة بارعين للغاية، في البداية صيادي سمك، ومن ثم تجاراً بالتدريج، يبحرون أكثر و أكثر ليبيعوا منتجاتهم وبضائعهم. وكانوا يبيعون الزيتون والفواكه والأخشاب من الجبال، وإنما أيضاً النحاس والزنك أو القصدير، بالإضافة إلى الأقمشة المصبوغة (واشتهر منها الأرجوان)، والمشغولات اليدوية مثل الأواني الزجاجية والحلي. لم يكن الفينيقيون أول من عرف الزجاج، إلا أنهم كانوا أول من جعله شفافاً. وقد شيد الفينيقيون البيوت الحجرية في جبيل منذ ما يقرب من 7000 عام قبل الميلاد. كما قاموا بتطوير الكتابة الهيروغليفية إلى الأبجدية البدائية، والتي طورها الإغريق لاحقاً إلى أبجدية متكاملة. وكان لكل مدينة فينيقية ولكل جبل إلههه الخاص، ولكن الإله الأعظم لدى الكنعانيين كان “إيل” (لاحظ التشابه بين تلك اللفظة ولفظة “الله”)، “خالق الأرض والبشر”.

رحلات الفينيقيين

أبحرت الأساطيل الفينيقية إلى شمال أفريقيا، حيث أنشأوا مستعمرات، والتي غالباً ما كانت عبارة عن مصانع تجارية. وكانت أكثر مستعمراتهم أهمية مستعمرة قرطاج (أي المدينة الجديدة)، التي تقع حالياً بالقرب من العاصمة التونسية “تونس”، وتعني كلمة “قرطاج” بالفينيقية “المدينة الجديدة”. حتى أنهم استكشفوا المحيطين الهندي والأطلسي والسواحل الإفريقية، بدءً من البحر الأحمر، مبحرين جنوباً حول رأس الرجاء الصالح، رجوعاً إلى قرطاج على طول الساحل الإفريقي. وفي مناسبات أخرى، بلغ الفينيقيون شواطئ أوروبا الغربية وأبحروا حتى نورماندي .

استقلالية الفينيقيين

شكلت فينيقيا جزءً من الإمبراطورية الآشورية والبابلية والفارسية، على التوالي، حتى عام 333-332 قبل الميلاد. ولكن مدنها احتفظت باستقلاليتها، ولكل مدينة ملكها الخاص. وقد سمح الفرس للفينيقيين بشكل خاص بتصريف شؤونهم بأنفسهم دون فرض ثقافتهم الفارسية عليهم. وكان لكل مدينة فينيقية جيشها الخاص بها – رغم أنها كانت تساند بعضها إن اقتضى الأمر. ولكن حتى قواتهم المشتركة لم تستطع الوقوف في وجه الإسكندر الأكبر المقدوني. وأكثر من قاوم كانت مدينة صور – التي كانت مبنية على البر الرئيسي وجزيرة، فكانت آخر مدينة فينيقية تسقط في بلاد المشرق، وذلك عام 332 قبل الميلاد، بعد حصار دام سبعة أشهر. وبعد ذلك، كانت قرطاج المدينة الفينيقية الوحيدة التي لم تسقط في أيدي الإغريق. وظلت على استقلاليتها حتى عام 146 قبل الميلاد حين استولى عليها الرومان.

لبنان الاسكندر المقدوني
تقسيم امبراطورية الاسكندر المقدوني بعد وفاته

الحكم الهلنستي

كان استيلاء الإسكندر الكبير على المدن الفينيقية في القرن الرابع قبل الميلاد يعني أن بلاد الشام صارت تحت الحكم الهلنستي. ثم تابع الإسكندر احتلال مصر والإمبراطورية الفارسية، ولكنه مات بعد عقد من فتوحاته. وبعد وفاته (323 قبل الميلاد) قُسِّمت إمبراطوريته الواسعة بين قواده الثلاثة. فكانت بلاد اليونان من نصيب أنتيغونوس، ومصر من نصيب بطليموس، وأخذ سلوقس الجزء الشرقي من الإمبراطورية، من آسيا الصغرى وحتى الحدود الشرقية، أي الحدود الحالية بين إيران وأفغانستان إلى حد ما. بنى سلوقس مدينة أنطاكية واتخذها عاصمة للإمبراطورية السلوقية.

وأصبحت لبنان جزءً من الإمبراطورية السلوقية مدة ثلاثة قرون بعد أن كانت تابعة لإمبراطورية البطالمة نحو ثمانين عاماً.

في لبنان ازدهرت الفلسفة تحت تأثير الإغريق. يعد ديودوروس الصوري، عضو المدرسة الجدلية، فيلسوفاً شهيراً. وتميز الإغريق بتسامحهم مع أصحاب الديانات الأخرى، وكانت الآلهة الكثيرة التي تعبد في مختلف الديانات تعد بمثابة آلهة مماثلة للآلهة الإغريقية، ولكن مع اختلاف الأسماء. وكانت كلمة “بعل” ترادف كلمة “الرب” في اللغة الآرامية السريانية التي كانت محكية في المنطقة. وقد اعتبر “إيل” بمثابة الإله رع في مصر والإله زيوس عند الإغريق وجوبيتر عند الرومان. وكان الإغريق ينظرون إلى ملكارت، بعل أو إله مدينة صور، على أنه تجسد هيراقليس.

الإمبراطورية الرومانية

عام 64 قبل الميلاد حل الرومان محل الإغريق في لبنان والبلاد المحيطة به، والذين بقيوا فيه حتى عام 636 للميلاد. وبعد احتلالهم قرطاج، قاموا بتوسيع إمبراطوريتهم نحو السواحل الجنوبية للبحر المتوسط، والتي أصبحت في نهاية المطاف مجرد “بحيرة رومانية” على حد تعبير المؤرخ اللبناني الراحل بطرس ديب. في كثير من النواحي، لم تكن الحضارة الرومانية سوى امتداد للثقافة الإغريقية. ولكن فيما يتعلق بالسياسة والقانون والإدارة، فإن التحول من إمبراطورية لأخرى يستلزم وقفة. ففي حين أصر الإغريق على تحقيق الديمقراطية المحلية واستقلالية المدن، سعى الرومان إلى تنصيب حكومة مركزية في روما. وعلاوة على ذلك، كان بعض الأباطرة الرومانيين يميلون إلى الحكم الديكتاتوري. بل أنهم مالوا إلى تأليه الذات – الأمر الذي رفضه المسيحيون بشدة، والذين تضاعف عددهم على نحو ملحوظ اعتباراً من القرن الأول للميلاد، بل فاقوا اليهود والوثنيين عدداً. ومع ذلك، كانت سلطة الأباطرة محدودة، رغم أن بعضهم قد حاول تجاوز تلك الحدود.

القانون الروماني

كان التغيير الآخر بالنسبة للشعوب المحتلة حديثاً إدخال القانون الروماني، والذي كان مدوناً باللغة اللاتينية، اللغة التي لم يكن يجيدها السواد الأعظم من الناس. في الجزء الشرقي من الإمبراطورية الرومانية كانت اللغة اليونانية لغة المثقفين، أما لغة عامة الشعب – على الأقل حول جبل لبنان – فكانت اللغة الآرامية السريانية. وفي حين كانت العادات المحلية والقانون التقليدي محترمة أساساً في ظل حكم الفرس ومن ثم الإغريق، أصبح قانون البلاد رومانياً، والمؤسسات تُفرض من قبل روما. واستبدل الملوك الذين كانوا يحكمون المدن الواقعة على طول الساحل اللبناني منذ العصر الفينيقي بحكام – يتم اختيارهم على الأغلب من نفس العائلة – كما تم “تصنيف” المواطنين وفق نظام طبقي. وفي القرون التي تلت، ذابت الفوارق بين الطبقات الاجتماعية. وفي القرن الثالث الميلادي، منح الإمبراطور كاراكالا (211-217) سكان كل الأقاليم المختلفة الجنسية الرومانية، بما في ذلك الأقاليم والمستعمرات النائية.

تناوبت فترات من الرخاء والسلام مع فترات من الفوضى والحروب (الأهلية). وتعرضت المناطق الجنوبية الشرقية من الإمبراطورية الرومانية بانتظام لهجمات من قبل الفرثيين والساسانيين (الفرس) وعصابات المحاربين الجرمانيين والقوطيين والفاندال في الشمال والشمال الشرقي. بالإضافة إلى تلك الهجمات، ضعفت الإمبراطورية الرومانية أحياناً بسبب الصراعات الداخلية على السلطة.

الدين

فمنذ القرن الأول الميلادي فصاعداً، انتشرت الديانة المسيحية على طول سواحل البحر الأبيض المتوسط وما وراءها. وكانت لبنان وسوريا من بين البلدان الأولى التي اعتنقت المسيحية. في بادئ الأمر، تجاهلت الإمبراطورية الرومانية المسيحيين أو تسامحت معهم، ثم اضطهدتهم، وفي نهاية المطاف اعترفت بهم. وقد بلغ الاضطهاد شدته إبان حكم دقلديانوس (284-305). إلا أن خليفته قسطنطين (305-337)، اعتنق المسيحية. وكان ذلك بداية عصر جديد أكثر استقراراً.

الامبراطوران قسطنطين ويوستنيانوس

في عهد سلفه، كانت الإمبراطورية الرومانية منقسمة إلى إمبراطورية غربية وأخرى شرقية. فقام قسطنطين، زعيم الإمبراطورية الشرقية التي كانت أشد قوة وأرغد اقتصاداً، بنقل العاصمة شرقاً إلى بيزنطيا (القسطنطينية) التي أتاحت له أن يكون أقرب إلى أعدائه الساسانيين (الفرس). وهكذا وضع قسطنطين لبنة الأساس لما سيعرف فيما بعد بالإمبراطورية البيزنطية، والتي وحّدها يوستنيانوس الأول (527-565). فقد أعاد توحيد الإمبراطوريتين بشكل مؤقت وأخضع القوطيين والفاندال في الأقاليم التي احتلوها، والتي تشمل إيطاليا وأسبانيا وشمال أفريقيا. وعلى الحدود الشرقية، شن حرباً ضد الفرس، انتصر فيها في نهاية المطاف، فقط بعد حملة طويلة ومكلفة ليجبرهم على الانسحاب من (شمال) سوريا.

كما قام يوستنيانوس الأول، الذي حارب الفساد في كل الهيئات الحكومية، بتدوين القوانين الرومانية وفلسفة التشريع. وقد شجع كثيراً على دراسة القانون (وكان في بيروت مدرسة قانون شهيرة)، ومن بين تراثه الرئيسي كتاب “مجموعة القوانين المدنية (أو قانون يوستنيانوس)” الذي نشر عام 529، ويتضمن كل القوانين

كما قام يوستنيانوس الأول، الذي حارب الفساد في كل الهيئات الحكومية، بتدوين القوانين الرومانية وفلسفة التشريع. وقد شجع كثيراً على دراسة القانون (وكان في بيروت مدرسة قانون شهيرة)، ومن بين تراثه الرئيسي كتاب “مجموعة القوانين المدنية (أو قانون يوستنيانوس)” الذي نشر عام 529، ويتضمن كل القوانين الصادرة في الإمبراطورية الرومانية منذ عهد الإمبراطور أدريانوس (117- 138). وتم جمع القوانين التي تلت في مجلد آخر بعنوان “مجموعة الأحكام الجديدة Novellae Constitutiones Post Codicem”. وتتضمن مجموعة أخرى، تدعى “مجموعة القوانين المدنية الرومانية Digesta ” (سنة 533)، فلسفة التشريع. الكثير من النصوص التي جمعت في هذا الكتاب كتبها الفقيه القانوني اللبناني أولبيان من مدينة صور، والذي عاش في القرن الثالث الميلادي. وفي عام 533 أيضاً ظهر دليل “مبادئ غايوس Institutes of Gaius” لطلاب الحقوق.