تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
ابحث في fanack.com
Please enter search keyword.

شجر اللزّاب: وسيلة للحفاظ على نظام لبنان البيئيّ

شجر اللزّاب
منظر عام يظهر أشجار العرعر في جبال لبنان. جوزيف براك / وكالة الصحافة الفرنسية

دانا حوراني

إلى جانب شجرة الأرز التي تزين العلم اللّبناني، تقف شجرة تستحق تقديرًا مماثلًا.

شجرة العرعر، أو المعروفة محليًا بشجرة اللزّاب، هي واحدة من أهم أشجار الغابات في البلاد. إذ قد تبث شجرة لزّاب واحدة نحو 50 طنًا من الأكسجين في العام باعتبارها شجرة صنوبرية دائمة الخضرة، كما تمتص الغازات الضّارة من الجو.

وقد ارتبط لبنان لعدة سنوات ارتباطًا وثيقًا بشجرة الأرز الشّهيرة التي ذُكرت في كتب دينية عدّة كالكتاب المقدس والتناخ وملحمة جلجامش. ويُطلق على إحدى أشهر المحمياّت الطّبيعية وأشدها حراسة “غابة أرز الرّب” الواقعة في منطقة بشري شمالي لبنان. ويرد ذكر الشّجرة في النشيد الوطني وتعتبر رمز البلاد الوطني.

قد تنمو شجرة اللزّاب في قمم عالية حتى يصل طولها إلى ما بين 1400 و2800 متر، وتتحمل ظروفًا بالغة الصّعوبة. أما شجرة الأرز فيصل طولها إلى ما بين 1200 و1800 متر فقط. ولا تتأثر شجرة اللزّاب بالجفاف أو الحرارة أو الثلج أو درجات الحرارة المرتفعة أو المنخفضة. ووجودها ضروري في النظام البيئي اللّبناني لمواجهة التغير المناخي، إذ لديها القدرة على تعزيز دورة المياه، ومواجهة الفيضانات، وتجديد البيئة المحيطة بها.

لكنها تواجه خطر الانقراض نتيجة القطع غير المشروع، والرعي الجائر، والإهمال الحكومي بشكلٍ عام. وهذه الظروف السيئة، لا سيما في بداية فصل الشتاء والأشهر الباردة التي تهدد وجودها، على الرغم تصدّر بعض الجهود المتواضعة معركة حماية هذه الشجرة.

مملكة اللزّاب

مملكة اللزّاب” هي واحدة من المبادرات التي تعمل لإنقاذ الشجرة. وهي مؤسسة غير ربحية تأوي أكبر محمية لأشجار اللزّاب في لبنان والشرق الأوسط.

على مدخل قرية البركة ذات الأغلبية المارونية الواقعة على تلال وادي البقاع، وُضعت لافتة للترحيب بزوارها مكتوب عليها “أنت في أهم غابات لزّاب في العالم، كن أمينًا “.

منذ إنشائها في التسعينيات، تحافظ المؤسسة على الأشجار، وتتابع نموها، وتنشر الوعي بأهميتها البيئية.

وقال عضو المؤسسة والناشط البيئيّ البارز، بطرس جعجع، لفنك: “تصادف أن استضافت قريتنا عددًا كبيرًا من أشجار اللزّاب. فمنذ طفولتنا، شعرنا بالحاجة إلى الحفاظ على هذا الكنز وحمايته. فالأرض هنا قاحلة، والحرارة تتراوح بين السخونة الشديدة والبرودة القارصة. ومع ذلك تعيش شجرة اللزّاب وتتحمّل التقلبات الحرارية. ورغم أن مشاريعنا ليست ربحية، فإننا نريد أن يستثمر الناس وقتهم وجهدهم في هذه الشجرة”.

ويرى جعجع أن الغابة هي عامل الجذب السّياحيّ الوحيد في قرية البركة التي لا يزيد أفرادها عن نحو ألفي شخص. وقد ساعدت أكواخ جعجع، وطرق التجوّل في الجبال، وبعض المطاعم القريبة من القرية على تطويرها لتصبح مركزًا سياحيًا صغيرًا، ما وفّر بعض الرزق لساكنيها.

وتمكنت المؤسسة من تعليم متطوعيها الاعتناء ببذور اللزّاب، ومتابعة نموها وذلك بمساعدة من الباحثين في الجامعة الأمريكية في بيروت وجامعة القديس يوسف. ولم تنبت أول شجرة في غابة مملكة اللزّاب حتى عام 2012. لكن في عام 2019، نمت 12 ألف شجرة وأرسلتها المؤسسة إلى المجتمعات والمنظمات التي طلبتها.

ورغم إدراك أعضاء المؤسسة دورهذه الشجرة في مناخ لبنان وعملهم بلا هوادة لنشر الوعي عن طريق الإنترنت وغيره من الطرق، يأتي الشّتاء القادم بتحدياتٍ جديدةٍ.

قال جعجع: “بدأ الناس في المناطق المجاورة في قطع الأشجار، ربما لتخزينها للشهور الباردة. حاولنا التواصل مع الشرطة والمسؤولين في الحكومة، لكن أحدًا لم يهتم. لذلك أمامنا صعوبات شديدة”.

تنمو في سنوات، وتُقطع في دقائق

ثمة مشاهد متناثرة للحياة الزراعية في مرتفعات لبنان القاحلة. لكن شجرة اللزّاب قادرة على تغيير ذلك المشهد.

فقد قال خبير الزراعة المستدامة، هادي عواضة، لفنك: “تستطيع الشّجرة، لكونها واحدة من أقدم أشجار الأرض وأكثرها تحمّلًا للظروف القاسية، أن تخلق نظامًا بيئيًا يضمن حياة بقية الأحياء. فمن خلال جذورها وإفادتها للتربة، تحسّن الشّجرة ظروف نمو النباتات الأخرى”.

وأضاف: “لقد اعتدنا رؤية التلال تضربها الشّمس حيث لا ينمو أي شيء فيها ، لكن هذا ليس طبيعيًا. فكلما كثرت أشجار اللزّاب، ازدادت احتمالية رؤيتنا الخضرة تملأ أرضنا. حتى أشجار البلوط والأرز قد تنمو في هذه المرتفعات الشاهقة كذلك”.

لكن شجر اللزّاب نادر لأن تكاثرها يعتمد على فصيلة الطّيور السّمنية كالشحرور والسّمنة المعروفة باسم الكيخن. فهذه الطّيور تتغذى على ثمار الشّجرة، ثمّ تنمو بذورها في جهازها الهضميّ. ثم تنتقل هذه البذور إلى التربة وتصبح شجرة. لكن الصّيد الجائر منع هذه الطّيور من المرور بلبنان أو أعاقت عملها.

ولهذا السبب، طور العلماء والباحثون طرقاً لاستنبات البذور باستخدام الماء الساخن والمواد المغذية الأخرى.

وبحسب عواضة، تحتاج الشّجرة إلى 30 إلى 40 عامًا كي تنضج عندما تنمو بصورة طبيعية. لكن تبنّي الأساليب العلمية والمختبرية –التي تحتاج إلى مزيد من الاهتمام والحذر- قد يقلص الوقت ليصبح نحو 10 إلى 20 عامًا.

لكن إنماء الشجر في حد ذاته غير كاف، فلا بد من حمايتها من الماشية التي تقتلع الشّتلات غير الملحوظة. وكذلك يجب اتخاذ التدابير ضد قطع الأشجار الجائر.

مستقبل جبالنا

يعمل الآن العالم المبتكر والناشط البيئي الدكتور يوسف طوق الذي زرع أكثر من ألف شجرة أرز في جبال لبنان الشمالية منذ أربعين عامًا لإنقاذ أشجار اللزّاب في لبنان.

فقد زرع طوق شجرة لزّاب منذ تسع سنوات في قرنة السوداء، أعلى قمة في لبنان والشام بارتفاع يتجاوز 3000 متر فوق سطح البحر، ما يثبت قدرتها على الصّمود في مكان لا يمكن لأي شجرة أخرى أن تنمو فيه.

ويرى عواضة أن شجرة اللزّاب كانت محل تهديد منذ فجر الحضارات. فقد قطع الفينيقيون والكنعانيون والرومان الشّجرة لاستخدام خشبها المتين في بناء المباني والسفن. أما في العصر الحديث، فيؤكد عواضة أن أكبر عملية قطع لهذه الأشجار كانت في أثناء تأسيس أول خط للقطارات في أواخر القرن التاسع عشر.

ويرى جعجع وغيره من الأكاديميين أن شجرة الأرز المذكورة في الكتاب المقدس وغيره من الكتب الدينية قد تكون في الحقيقة هي شجرة اللزّاب إذ أطلقت الحضارات القديمة في لبنان كلمة “أرز” على جميع أنواع الشّجر في الجبال.

وتزداد أهميّة شجرة اللزّاب الضّخمة المورقة دائمة الخضرة مع اقتراب موسم البرد في بلاد الشام. وبحسب عواضة، تقوّي جذور الشّجرة التربة، وتمنع التعرية والانهيارات الأرضية باحتفاظها بالثلج لفترة طويلة حتى يذوب، ويصبح مصدرًا وفيرًا ودائمًا للمياه الجوفية.

وقال عواضة: “رغم أن زراعة الاشجار والاعتناء بها فكرة رائعة، فإن الأهم هو دعم النظام البيئي الذي تنمو فيه بطريقة طبيعية”.

وأضاف: “أشجار اللزّاب التي ننتجها في مساحات محدودة ليست بنفس قوة الأشجار التي تنمو بطريقة طبيعية في ظل أسوأ الظروف. كما توفر الأشجار المنفردة موطنًا ممتدًا لنسلها، وتبني نظاماً قويًّا ومستقرًا للسنوات القادمة”.

صعب ولكن ليس مستحيلًا

بحسب عواضة، يوجد فقط سبعة علماء نبات في لبنان مؤهلون للإشراف على جهود زراعة الغابات. لكن التقدم المحتمل يعيقه الفساد المؤسسي المستشري، وقلة الوعي البيئي بالموارد الطبيعية في لبنان. وهو يرى الحل في المبادرات المحلية والفردية الصّغيرة.

وتقود الناشطة مارسيل ناصر الدين التي تنحدر من قرية سجد الحملة في منطقة الجنوب، إذ لا وجود لشجر اللزّاب فيها.

وقالت ناصر الدين لفنك: “لقد سمعت قصصًا كثيرة عن وفرة هذه الأشجار هنا في الماضي، لا سيما في جبل ريحان في قضاء جزين. لكن للأسف تدمرت جميعها وقُطّعت، لذلك أطلقت حملة إلكترونية لتعليم الناس الزراعة ورفع وعيهم”.

وتريد الناشطة بنشرها هذه المعلومات إلقاء الضوء على أهميّة الشّجرة وجذب انتباه الناس وأن تكون المرتفعات الجنوبية متخمة بأشجار اللزّاب.

وأضافت: “يبذل الناس في جميع أنحاء لبنان جهودًا قدر طاقتهم للدعوة إلى عودة الشجرة نظرًا لفوائدها العديدة من جذورها إلى ثمارها. وسأبذل قصارى جهدي، وأتطلع إلى ما سيحدث”.