تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

لبنان: الانتداب الفرنسي والطريق الى الاستقلال

خلطت الحرب العالمية الأولى الأوراق مجدداً. خسرت تركيا جميع أراضيها التي أصبحت الآن تحت سيطرة قوات التحالف الغربية، بريطانيا العظمى وفرنسا. وترددت الأخيرة كثيراً في إرسال قواتها إلى بلاد الشام، إذ كانت منشغلة بالجبهة الغربية في بلادها. ولكن القوات الفرنسية – والشمال أفريقية – حاربت في كل من لبنان وسوريا، واللتين كانتا تحت نفوذها ما لا يقل عن قرن من الزمان، والفضل في ذلك يعود على وجه الخصوص إلى جهود البعثات التبشيرية اليسوعية في كلا البلدين. حتى أن أواصر العلاقات بين فرنسا والموارنة اللبنانيين كانت تعود إلى سنوات سابقة.

الأمير فيصل في مؤتمر السلام في باريس عام 1919 (عن يمينه ت.و. لورانس)
الأمير فيصل في مؤتمر السلام في باريس عام 1919 (عن يمينه ت.و. لورانس)

في أعقاب هدنة 30 أكتوبر/تشرين الأول 1918، أُعْلِنتْ الأراضي التي كانت تحت الحكم العثماني سابقاً في بلاد الشام “أراضي عدو محتلة”. وفي أعقاب اتفاقية سايكس بيكو، والتي أبرمت حتى قبل أن تضع الحرب العالمية الأولى أوزارها، (والتي تحمل اسم مفاوضيْها: البريطاني مارك سايكس والفرنسي فرانسوا جورج بيكو)، احتلت فرنسا لبنان والمناطق الساحلية في كل من سوريا وكيليكيا، والساحل الجنوبي الشرقي للأناضول. أما بريطانيا العظمى فقد احتلت الجزء الداخلي من سوريا، إلى جانب العراق وفلسطين وشرق الأردن.

لكن قبل الاحتلال الفرنسي، كان كل من لبنان وسوريا تحت حكم الأمير فيصل ابن الشريف حسين أمير الحجاز، والذي هزمت قواته وقوات الكولونيل البريطاني توماس إدوارد لورانس (المعروف بـ “لورانس العرب”) القوات التركية في المنطقة. وهكذا رُفعت راية الأمير فيصل – الذي وعده الحلفاء بأن يصير ملكاً على سوريا الكبرى – لبضعة أيام فوق دمشق وفي بيروت. وما إن وطأت أقدام الجنرال إدموند اللينبي البريطاني والكولونيل الفرنسي فيليبين دي بايبيب أرض لبنان، حتى تم إنزال علم الأمير فيصل. وفي مؤتمر السلام الذي عقد في وقت لاحق في العاصمة الفرنسية باريس، لم يُسْمَحْ للأمير فيصل سوى بالحضور. وأعلنت فرنسا انتدابها على كامل الأراضي السورية واللبنانية، وقد اعْتُمِدَ هذا الانتداب بموجب المعاهدة التي وُقِّعَت عام 1920. أما بريطانيا فقد شمل انتدابها فلسطين وشرق الأردن وأراضي العراق حتى الحدود الإيرانية. وأعيدت كيليكيا إلى تركيا، ونتيجة لذلك فقد اضطر الآلاف من المسيحيين الأتراك والأرمن الذين كانوا قد نجوا من مذابح عامي 1915-1916، والذي لجأوا إلى كيليكيا، إلى الهرب إلى لبنان.

الأمير فيصل

نُصِّبَ فيصل مَلِكًا على العراق، في حين أصبح أخوه عبد الله في البداية أميراً على إمارة شرق الأردن، ومن ثم ملكاً على الأردن. ولا يزال أحفاد الملك عبد الله يتعاقبون على عرش الأردن إلى وقتنا هذا. اغتيل حفيد فيصل، فيصل الثاني، عام 1958 خلال الانقلاب الذي وضع الجيش العراق في السلطة.

كان نفوذ فيصل كبيراً، إذ أنه أحيى فكرة الدولة العربية – والتي أطلقها الأمير فخر الدين الثاني في جبل لبنان في القرن السابع عشر – لتوحيد المنطقة بأكملها. إلا أن أفكار الملك فيصل أثارت القلق في أوساط المسيحيين في كل من لبنان وسوريا، لأنهم رأوا أنه يفصل بشكل واضح بين السلطات الروحية والدنيوية. وكان هناك شكوك إذا ما كانت الدولة العربية التي كانت في فكر فيصل ستكون دولة عربية أو إسلامية. ومن جهة أخرى، أخلص العديد من مسيحيي بلاد الشام بالولاء لفكرة “القومية العربية”، والتي كانت قد بدأت تشق طريقها في أواخر القرن التاسع عشر، وقد لاقت حماساً على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم العربي خلال العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين.

في ظل الانتداب الفرنسي

في ظل الانتداب الفرنسي، أصبح لبنان، الذي كان حينها مقتصراً على المناطق الجبلية ووادي البقاع باستثناء السنوات الخمسين الماضية، يدعى “لبنان الكبير”، وتم ضم المنطقة الساحلية إليه. كان ذلك يعني تغيراً جذرياً في تركيبة السكان في لبنان، كون معظم سكان المدن الساحلية من المسلمين السنة والمسيحيين من الروم الأرثوذكس. وأصبح الدروز أقلية صغيرة جداً في لبنان، 6,8% فقط، وفق إحصائيات عام 1932. أما الموارنة، والذين كانوا لا يزالون يشكلون المجموعة الأكبر (28,8%) وغالبية المسيحيين إلى حد كبير (الروم الأرثوذكس 9,7%، الروم الكاثوليك 5,9%، والطوائف المسيحية الأخرى – معظمها من الأرمن – 6,8%)، لم يعودوا يهيمنون على الساحة الاجتماعية كما كانوا من قبل. ولكن ظل المسيحيون على اختلاف طوائفهم يمثلون أغلبية الشعب اللبناني: 51,2%. وكانت نسبة السنّة في ذلك الوقت 22,4% من سكان لبنان، والشيعة 20,3%. مع الدروز (6,8%)، كان المسلمون مجتمعين يشكلون 49,7% من عدد السكان الإجمالي.

كما عنت الحدود الجديدة أن البلاد كانت مستقلة رسمياً في علاقاتها مع دمشق. كان خطاب الانتداب الموجه إلى فرنسا من عصبة الأمم واضحاً: يجب أن يصبح لبنان في نهاية المطاف بلداً مستقلاً، وأن على فرنسا مساعدة اللبنانيين على تحقيق ذلك.

خلال السنوات التي تلت، بدأ اللبنانيون العمل على صياغة دستور لبلادهم، والذي اكتمل عام 1926. وقد نص هذا الدستور على أن رئيس الجمهورية لابد أن يكون مسيحياً مارونياً، في حين يكون رئيس مجلس النواب شيعياً ورئيس الوزراء سُنياً، بينما وزير الدفاع درزياً. كان ينبغي تقسيم المقاعد والدوائر البرلمانية بين أغلب الطوائف الدينية الثماني عشرة المعترف بها في لبنان. وضمن هذه القيود، كان يُنتخب أعضاء البرلمان على أساس برنامج سياسي، وكأعضاء في أحزاب أو تحالفات سياسية. وكان الطيف السياسي يتراوح من الحزب الشيوعي في اليسار إلى الكتائب في اليمين.

كانت مناقشة الأفكار السياسية تتم في الصحف. وكانت صناعة الصحافة مزدهرة. حتى في الأيام الأولى للانتداب الفرنسي، كانت حرية الصحافة اللبنانية من أكثر الحريات في العالم العربي، مع أنها لم تكن كاملة – لأن الجيش الفرنسي كان في السلطة حتى عام 1926. . كان يتم توزيع الصحف وقراءتها على نطاق واسع، ليس فقط في العاصمة بيروت، وإنما أيضاً في المدن الإقليمية، والتي غالباً ما كانت تُصدر صحفها المحلية.

الطريق إلى الاستقلال

حصل لبنان على استقلاله خطوة بخطوة. وقد تحقق نهائياً عام 1943، وذلك في خضم الحرب العالمية الثانية. وبمجرد أن اندلعت الحرب بين فرنسا وألمانيا، في أيلول/سبتمبر 1939، تم تعليق الدستور اللبناني وحل البرلمان. ولم يعد للرئيس اللبناني حينها “إميل إده” وحكومته أية سلطة. وفي أواخر عام 1940، قام المفوض الفرنسي السامي الجنرال هنري دانت، والذي كان يمثل حكومة فيشي المتعاونة في فرنسا، بتعيين ألفريد نقّاش “رئيساً للحكومة”، في حين تنازل الرئيس إده عن منصبه بعد ذلك بوقت قصير، وذلك حين تسبب نقص الغذاء، نتيجة الحصار الذي فرضته بريطانيا على لبنان، بموجة احتجاجات محرجة من جانب الشعب اللبناني.

في تموز/يوليو 1941، تم تحرير لبنان على يد القوات البريطانية وقوات “فرنسا الحرة” بقيادة الجنرال شارل ديغول، وغادر ممثلو حكومة فيشي إلى فرنسا. ورغم ما قطعته فرنسا وبريطانيا من وعود بالاستقلال حالما تدخل

الرئيس الفرنسي ديغول يزور الطائفة الدرزية في سوريا في نهاية الحرب العالمية الثانية Photo HH
الرئيس الفرنسي ديغول يزور الطائفة الدرزية في سوريا في نهاية الحرب العالمية الثانية Photo HH

الجنرال شهاب يقدم العلم اللبناني للرئيس بشارة الخوري
الجنرال شهاب يقدم العلم اللبناني للرئيس بشارة الخوري

قواتهما لبنان وسوريا في يونيو/حزيران عام 1941، استغرق الأمر ستة أشهر لإيفاء فرنسا بوعدها والاعتراف بألفريد نقّاش رئيساً للبلاد. كما استغرق الأمر ما يقرب من عامين آخرين – إلى جانب انتصار قوات الحلفاء في المنطقة – قبل أن سمحت فرنسا بإجراء انتخابات حرة في البلاد ووضع دستور لحكومة مؤقتة، كخطوة تمهيدية.

وفي ضوء تلك الانتخابات، اتخذ قرار بتوزيع المقاعد النيابية على مختلف الطوائف الدينية، وفقا لحصة كل منها من سكان البلاد، وذلك وفق إحصاء عام 1932. وعلاوة على ذلك، عقد كل من الرئيس بشارة الخوري (ماروني) ورئيس الوزراء
رياض الصلح (سني) ميثاقاً وطنياً (غير مدوّن) يلتزم بموجبه كل من مسلمي لبنان ومسيحييها بالعيش معاً بسلام؛ وأن ينبذ مسلمو لبنان أي ارتباط محتمل بأية قومية عربية، وأن ينبذ المسيحيون حماية القوى الغربية، وعلى رأسها في ذلك الوقت فرنسا و بريطانيا العظمى. وقد أثبت هذا الميثاق الوطني أهميته في حصول لبنان على استقلاله، لأن القوى الغربية، وفرنسا على وجه الخصوص، كانت تخشى من ظهور قومية عربية في المنطقة وآثارها المحتملة، مثل الدعوة إلى إنشاء دولة سوريا الكبرى. ورغم ما وُجه إلى هذا الميثاق الوطني من انتقادات من أنه يحمل في طياته بذور صراعات قد تنشأ في وقت لاحق بين الطوائف الموجودة في البلاد، إلا أن اللبنانيين تمسكوا بذلك الميثاق، وظل يُعمل به حتى اتفاق الطائف عام 1989.