وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

نوبيو مصر: أصحاب الذهب الذين غرقوا

قصة نوبيو مصر هي شهادة على التفاعل المعقد للتاريخ والثقافة والهوية داخل المجتمع المصري، والسعي لتحقيق العدالة في مواجهة الصعوبات.

نوبيو مصر
صورة تم التقاطها يوم 16 ديسمبر 2011 لفتاة في إحدى القرى النوبية بالقرب من مدينة أسوان المصرية. المصدر: Tuul / Robert Harding Heritage / AFP.

يوسف م. شرقاوي

يشكل نوبيو مصر مكوناً فريداً وأساسياً من مكونات المجتمع المصري. وساهمت طبيعة مصر والتواصل الإنساني حول وادي النيل في ترابط المكون الوطني المصري عبر التاريخ. وتكوّن المجتمع المصري من روافد عديدة، وأصبح لمصر بعدان أساسيان هما البعد الإفريقي والبعد الآسيوي. وساهم هذان البعدان في تكوين شخصية مصر وتحديدها بنسبة معينة.

وأمدّ البعد الإفريقي مصرَ بالماء والحياة والسكان، فيما أمدّها البعد الآسيوي بالحضارة والثقافة والدين. وتحددت أربعة أبعاد في توجيه مصر، وفقاً لما ذكره الدكتور جمال حمدان في كتابه “شخصية مصر، تعدد الأبعاد والجوانب”. ويقول حمدان: “هذه الأبعاد هي الآسيوي والإفريقي على مستوى القارات، والنيلي والمتوسطي على المستوى الإقليمي. تجانست هذه الروافد وتوافقت حتى نشأت هوية مصر”.

وتواجد أهل النوبة في مصر عبر التاريخ داخل هذا الإطار، باعتبارهم جزءاً من النسيج المصري. لكن، حدثت مشاكل كثيرة للنوبيين، أحدثت تشوهاً في تصوّر أنهم من النسيج المصري. أخيراً، أصبح للنوبيين مشكلة خاصة تُسمّى “مشكلة أو قضية النوبة”.

تاريخ النوبة

تنقسم النوبة إلى قسمين بين مصر والسودان: النوبة السفلى (داخل الأراضي المصرية)، والنوبة العليا (داخل الأراضي السودانية). وتبدأ المنطقة النوبية من جنوبي مدينة أسوان المصرية حتى العاصمة السودانية الخرطوم. وكانت هذه المنطقة تُسمّى بلاد كوش. ووفقاً للمعهد المصري للدراسات السياسية والإستراتيجية، فإن ثمة دلائل كثيرة تشير إلى كون الحضارة النوبية أقدم في الوجود من الحضارة المصرية القديمة.

واختلف الباحثون والكتاب المعاصرون حول الأصول القديمة للنوبيين. ورغم كثرة الدراسات والأبحاث في هذا الشأن، لا يوجد حتى الآن اتفاق علمي حول أصل النوبيين. لذا، يفضّل بعض الباحثين اعتبار النوبة الوجه الآخر لمجد المصريين القدماء.

وبحسب ما ذكره الباحث ماهر أحمد زكي في كتابه “هكذا تكلم النوبيون“، فإنّ اسم النوبة ورد لأول مرة في النصوص القديمة في كتاب “الجغرافيا” للرحالة الإغريقي إسترابون. وكان هذا الرحالة قد قام بزيارة مصر القديمة حوالي عام 29 قبل الميلاد.

ويقول هشام جمال، أستاذ الجغرافيا في جامعة أسوان، إنّ بلاد النوبة امتدّت تاريخياً من جنوب مصر إلى جنوب نهر النيل. وانقسمت النوبة إلى ثلاث ممالك: كوش ومروي ونباتا. وضمت دول حوض النيل: أثيوبيا وتنزانيا والسودان والكونغو.

وشُيّدت أهرامات مصر ومعابدها من حجر اسمه الخرسان النوبي، وفقاً للصحافية سامية علام. وتقول كذلك إنّ النوبيين حكموا “مصر الفرعونية في عهد الأسرة الـ18، وهي من أقوى وأشهر الأسر التي حكمت مصر، والأسرة الـ25، والتي نشأت في كوش في مدينة نباتا تحديداً”.

ويشير زكي في كتابه إلى تفرّع النوبيين إلى عدة فصائل أو بطون صغيرة. ونتجت الخصوصية الثقافية والتراثية والجمالية للنوبيين عن ثلاث جماعات يتألف النوبيون منها. وتنقسم هذه الجماعات ذات الأصول العربية على النحو التالي: الكنوز الذين يتكلمون اللغة الماتوكية، وأصلهم من قبيل بني كنز؛ والفاديجة ويتحدثون اللغة الفاديجية، وأخيراً عرب العليقات الذين وفدوا على النوبة من شبه جزيرة سيناء خلال القرن الثامن عشر وهم يتحدثون اللغة العربية.

ويرد علماء المصريات أصل كلمة “ماتوكي” إلى كلمتين هما: (ماتو)، أي الشرق، و(كي) أي الآتي. وعلى ذلك، فإن كلمة ماتوكي تعني “القادمون من الشرق”. أما كلمة الفاديجا، فتعني “القسم الخامس”، لأنها تتوزع على خمس مناطق، كما يُذكر في كتاب “هكذا تكلم النوبيون“.

حملة الأقواس

نوبيو مصر
صورة تم التقاطها يوم 5 فبراير 2020 لنساءٍ نوبيات تبعن الهدايا التذكارية في قرية غرب سهيل بالقرب من أسوان. المصدر: Khaled DESOUKI / AFP.

كان يُطلق على النوبة قديماً اسم “تاتسي”، وهو اسمٌ فرعوني قديم يعني الرماة أو أرض حملة الأقواس. أما حين تم اكتشاف مناجم الذهب، أُطلق على المنطقة في اللغة المصرية القديمة اسم “نوب” بمعنى الذهب، ومنها تحوّل الاسم باللغة العربية إلى “النوبة”.

اللغة النوبية

يذكر ماهر أحمد زكي في أنّ جميع النوبيين يتكلمون اللغة العربية، لكن لهم لغتهم التي يسمونها “الرطان” ويعرفها كبارهم فقط. وتختلف اللّغة اختلافاً قليلاً بين إقليم وآخر. أما اللهجات، فتؤلف مجموعة متشابهة. وتشير الأقوال إلى أنّ اللغة النوبية حامية الأصل، ودخلتها مؤثرات كثيرة. وتأثرت النوبية باللغة العربية القديمة ثم بالقبطية. وما يزال النوبيون يختلفون في لغتهم حتى اليوم بين النوبة العليا والسفلى، ويعتمدون على اللغة العربية في الكتابة.

التراث النوبي

تتمتع النوبة بحضارة عمرها أكثر من سبعة آلاف سنة، عاش خلالها الإنسان النوبي في تواصل مستمر بين أجياله. وعانى النوبيون من مشاكل التهجير بسبب إنشاء الخزانات والسدود. لذا، قاموا بإنشاء جمعيات للحفاظ على التراث النوبي. وتعددت أنشطتهم من بدايات القرن العشرين، وازدادت بعد تهجير عام 1963. وتأسست جمعية التراث النوبي بالقاهرة سنة 1980، لتقديم الخدمات العلمية والثقافية مع إجراء البحوث والدراسات وتجميع التراث. كما تقوم هذه الجمعية بتوثيق العادات والفنون والأغاني ودراسة الآثار والحرف البيئية والمعمار.

وتتجلى الفنون الشعبية في النوبة، وفقاً لزكي، في أساليب العمارة والرسوم الحائطية والرقص الشعبي وعادات الزواج والأزياء وغيرها. كما تقترب من الحضارة الفرعونية في عددٍ منها.

النوبيون والرقم سبعة

ما تزال القرى التي يسكنها النوبيون تحافظ على عاداتها، سواء في الزواج أو الغناء أو البناء أو العيش. وأحبّ النوبيون الرقم سبعة لأسباب كثيرة. كما يُعد هذا الرقم قاسماً مشتركاً في معظم طقوس النوبيين.

ويذكر المؤرخ النوبي محمد صبحي هذه الطقوس، ومنها أخذ سبع حفنات من التراب من تحت أقدام خطوات المسافر والاحتفاظ بها حتى عودته لنثرها على عتبة الباب. كما أن هناك طقسين متعلقين بالزواج، أولهما أن العريس لا يخرج إلى أسرته إلا في اليوم السابع من حفل الزفاف ثم يقوم بزيارة سبعة منازل للأقرباء. أما الثاني فهو الدوران حول نخلة معمرة سبع مرات للزوجين الحديثين ممسكين بعود أخضر به سبع ورقات.

كذلك، تقفز المرأة التي ولدت حديثاً سبع مرات فوق كومة من النار. وفي اليوم السابع، تغسل وجهها بالرماد في نهر النيل.

كما أن الطفل المولود حديثاً يؤخذ في اليوم السابع إلى النيل لغسل وجهه ويديه وقدميه وهو ما يعرف خارج النوبة بيوم “السبوع”.

الإيقاع والرقص النوبي

نوبيو مصر
صورة تم التقاطها يوم 5 فبراير 2020 لإمرأة نوبية تبيع الهدايا التذكارية في قرية غرب سهيل بالقرب من أسوان. المصدر: Khaled DESOUKI / AFP.

تُستخدم في النوبة إيقاعات خاصة، أهمها “الكومبا كاش” الذي يعزف بعد حفلات الزفاف، من أجل الراحة. أما الإيقاع الحيوي الرئيسي لحفلات الزفاف فهو “الكيتشاد” الذي يعتمد على الزخارف الإيقاعية.

وتُعد رقصة الكف من أهم الرقصات عند النوبيين، على إيقاع “أولن أراجيد” وهو من تراث النوبة.

ويشتهر النوبيون برقصة الأراجيد المستوحاة من نهر النيل، وهي رقصةٌ شعبية جماعية تعني حلقة الرقص. وحول هذه الرقصة، يقول الصحفي رامي يحيى: “يصطف الراقصون في صفوف طويلة، صفاً خلف صف. يتمايلون بجذوعهم ويتحركون خطوةً لليمين ومثلها لليسار، الجميع معاً متلاحمون في صفوف سوداء دافئة، كلّ حبّة في هذه السلسلة البشرية تكون في حالة تماهي مع كل مفردات طبيعتها، مع الحبتين عن يمينها وشمالها، مع باقي حبات السلسلة. في حركاتهم يحاكون أمواج النيل فيتماهون مع حضوره في شخصيتهم”.

مشاهير النوبة

ثمة شخصيات نوبية كثيرة تركت أثراً واضحاً عبر التاريخ. وبحسب هشام جمال، أستاذ الجغرافيا في جامعة أسوان، فإنّ “لقمان الحكيم، والذي ذُكرت قصته في القرآن، وذا النون المصري ونبي الله إدريس ولدوا وعاشوا في النوبة. حتى والدة النبي موسى، يوكابد، والتي لم يوجد تفسير لاسمها إلا بالنوبية ويعني، أم الخبز، فهي نوبية. كما تزوج رمسيس الثاني من ابنة ملك النوبة، نفرتاري، والتي أصبحت إحدى أشهر ملكات مصر الفرعونية”.

وبرزت بعض الأسماء النوبية في تاريخ مصر السياسي المعاصر أيضاً، وفقاً للصحفية سامية علام، “فالحاج أحمد إدريس، صاحب شفرة حرب أكتوبر من النوبة، وكذلك المشير محمد حسين طنطاوي وزير الدفاع المصري الأسبق”. أما ثقافياً، فقد “أنجبت النوبة الموسيقار حمزة علاء الدين والفنان محمد منير، والشاعر أحمد منيب، والأديب محمد خليل قاسم صاحب رواية الشمندورة”.

قضية النوبة

كان تهجير أول نوبي مع بناء خزان أسوان عام 1902، الذي أغرق عشر قرى نوبية حسب المعهد المصري. وبعد ذلك، ومع محاولات تعلية الخزان في عامي 1912 و1933، تم إغراق 18 قرية إضافية.

وجاءت أكبر موجة تهجير في عام 1963 مع بناء السد العالي. ووفقاً للجزيرة، فقد تم ترحيل عشرات الآلاف من الأهالي إلى هضبة كوم أمبو، ليعيشوا على امتداد خمسين كيلومتراً مربعاً فقط، بعد أن كانوا على امتداد ستمئة كيلومتراً. وقسمت الدولة وقتئذ النوبيين إلى فئة المقيمين بالنوبة القديمة وأعطتهم بيوتاً بالقرية الجديدة، وفئة المغتربين الذين لم تبن لهم مساكن أو تصرف لهم تعويضات كافية.

وغرقت أرض النوبة بشكل كلي، وعانى أهلها من التهميش والتنميط والاضطهاد الثقافي. كما صورتهم الأفلام العربية بأنهم “جماعة من أصحاب البشرة السوداء ودائمو العمل في الوظائف الدُنيا”.

كان ثمة محاولات من الناشطين النوبيين، منها ظهور فكرة تدويل مشكلة النوبة على يد الناشطة منال الطيبي عام 2010، لكنها رُفضت.

ويرغب النوبيون بالعودة إلى أراضيهم الأصلية. وفي عام 2016، نظم الاتحاد النوبي “قافلة العودة النوبية”. لكنهم مُنعوا من المرور فاعتصموا، وقمعت السلطة المصرية اعتصامهم.

ويقر الدستور المصري بحق النوبيين بأراضيهم، وكذلك المواثيق والمعاهدات الدولية. على الطرف الآخر، لم تلتزم الحكومة المصرية بتقديم التعويضات التي وعدت النوبيين بها، والتي “لا تُذكر مقارنة بما اقتلع منهم بسبب التهجير”، وفقاً لمركز هردو لدعم التعبير الرقمي.

Advertisement
Fanack Water Palestine