وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

ولاية السيسي الثانية: الاستبداد بحكم مصر رغم كل العقبات

يتناول هذا المقال ما قام به عبد الفتاح السيسي من تعزيز لسلطته بعد إتمام فترة رئاسته الأولى التي لقيت ردود فعل متباينة من المصريين. الخطوة الأولى كانت القضاء على منافسيه على الرئاسة في الانتخابات عام 2018.

ولاية السيسي الثانية
لقطة عامة لحي العتبة في العاصمة المصرية القاهرة، في فبراير 2020. وصل عدد سكان مصر إلى 100 مليون نسمة وفقاً للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، مما يسلط الضوء على خطر التزايد السكاني في بلد فقير حيث يعيش كثيرون في مدن ضخمة مزدحمة. من حيث تعداد السكان، مصر هي الدولة العربية الأكبر، وهي ثالث أكبر دولة في إفريقيا بعد إثيوبيا ونيجيريا. Mohamed el-Shahed / AFP

كتبه: خالد محمود

حرره: إريك برينس

المقدّمة

في الانتخابات التي تمّت في مارس عام 2018 خارج وداخل البلاد، فاز الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بفترةٍ ثانيةٍ مدّتها أربع سنوات بعد أن حصل على نسبة 97,08% من أصوات الناخبين. وفي المقابل حصل منافسه الوحيد، آنذاك، المهندس موسى مصطفى موسى على 656 ألفا و534 صوتًا في الانتخابات بنسبة أقل من 3%.

لكن نسبة المشاركة، التي كانت الرهان الرئيسي للانتخابات واستفتاء على شعبية السيسي، وصلت إلى 41,05% وهي أقل من مثيلتها في انتخابات 2014 (47%).

وصوّر السيسي نفسه على أنه الرجل القوي الذي سيعيد الاستقرار إلى مصر، وذلك رغم تراجع شعبيته والأزمة الاقتصادية. الخطوة الأولى كانت القضاء على منافسيه على الرئاسة في الانتخابات عام 2018.

معركة تكسير عظام

الأمر لم يكن كما جرى عام 2014، ففي الانتخابات الرئاسية الثانية للسيسي، جرت معركة تكسير عظام معظم من أعلنوا ترشّحهم لمنافسته.

وكان الأمر مدهشًا تحت ذرائع مختلفة لإبعاد هؤلاء عن السباق الرئاسي، على نحوٍ اعتُبر بمثابة مؤشّر على أن مصر لن تشهد مجددًا ما عرفته خلال الانتخابات الرئاسية 2012، عندما وقفت البلاد على أطراف أصابعها تترقّب نتيجتها للمرة الأولى في تاريخها.

وتساقط هؤلاء الذين أعلنوا عن نيّتهم بالترشّح، بينما تقدّم السيسي بخطواتٍ ثابتة نحو الفوز بولايةٍ ثانية.

وعبّرت العديد من منظّمات حقوق الإنسان عن قلقها بعد الإطاحة بكل المنافسين الكبار والرئيسيين من قِبل السلطات. بما في ذلك اثنان من كبار القادة السابقين للجيش، وهما الفريق أوّل متقاعد سامي عنان الرئيس السابق لأركان الجيش (محاكمة عسكرية)، وأحمد شفيق، رئيس الحكومة وقائد القوات الجوية سابقًا (وُضِع قيد الإقامة الجبرية)، بينما حوكم ضابط يُدعى أحمد قنصوة لعدم حصوله على إذن مسبق. كما تراجع خالد علي المحامي الحقوقي ومحمد أنور السادات نائب البرلمان السابق.

لقد تعرّض كل المنافسين المحتملين لضغوط وإكراهات مباشرة وغير مباشرة دفعتهم إلى التراجع، فلم يتقبّل النظام بأي حال من الأحوال وجود معارضة تهدّد بقاء السيسي كرئيس لفترة ثانية حسب محمد سليمان، زميل هافنغتون في معهد الدراسات الدبلوماسية بجامعة جورج تاون.

وشهدت الانتخابات انسحاب منافسي السيسي، متذرّعين بقرارات شخصية وضغوط سياسية ومشاكل قانونية ومنافسة غير عادلة. وفي بعض الحالات، تم القبض عليهم بسبب انتهاكات مزعومة من جانبهم لقواعد الترشّح.

وكانت المفارقة في أن المرشّح الوحيد الذي سُمِح له بتقديم أوراقه في اللحظات الأخيرة من إغلاق باب الترشح هو موسى مصطفى موسى، رئيس حزب الغد، الداعم للحكومة.

وظلّ موسى حتى اليوم السابق لتسجيل ترشّحه عضوًا في حملةٍ داعمة لإعادة انتخاب السيسي لفترة ثانية، بعد جهودٍ من نوابَ برلمانيين موالين للحكومة لإقناعه بالترشّح.

ولاية السيسي الثانية
إحدى لافتات حملة الانتخابات التي نصبها أنصار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (يسار) في القاهرة، كُتب عليها “اخترناك لفترة رئاسية ثانية”، في 21 يناير 2018. وكان السيسي قد أعلن قبل ذلك بأسبوع أنه سيترشح للانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في مارس. وكان قد انتُخب عام 2014 بعد سنة من إطاحة الجيش بالرئيس السابق محمد مرسي بعد احتجاجات شعبية ضد حكمه الإسلامي الذي استمر عاماً واحداً. MOHAMED EL-SHAHED / AFP

وقبل دقائق من غلق باب الترشّح، أصبح موسى المنافس الوحيد للسيسي بعد تقديم أوراق ترشحه للهيئة الوطنية للانتخابات، التي كادت أن تُعلن السيسي مرشحًا وحيدًا بعد انسحاب العديد من منافسيه المحتملين وظهور دعوات للمقاطعة.

وفي محاولةٍ لحشد الناخبين، دعاهم السيسي حتى للتصويت ضده، معتبرًا أنه من الأفضل مشاركة كل من لهم حق التصويت وأن يقول ثلثهم لا، “لأن كلمة لا، صورة جميلة عن مصر أيضًا”.

واكتملت المأساة بدخول مفتي البلاد على الخط، في مواجهة دعوات المقاطعة، معتبرًا أنه “من المصلحة الوطنية أن تعكس المشاركة الشعبية في الانتخابات، للعالم، مقدار الحرية والوحدة التي يتمتّع بها الشعب المصرى الكريم!”

والنكتة التي تداولها المصريون، التي جرت في آخر انتخابات رئاسية في عهد الرئيس السابق حسني مبارك، تكرّرت مجددًا في عام 2018.

آنذاك، كَمُنَت السخرية في التساؤل حول إمكانية فوز الرئيس بهذه الانتخابات، بعدما حظي بكل الدعاية واحتلّت صوره اللافتات الورقية والقماشية الضخمة في جميع أنحاء البلاد، داعيةً لإعادة انتخابه مجددًا من دون وجود منافس حقيقي له.

وكانت النكتة مريرة، بمرارة الوضع السياسي الذي جفّت فيه مياه حوض بحر السياسة، ليحقّق السيسي كما كان متوقعًا، فوزًا كاسحًا بالرئاسة في انتخابات “شهدت أكبر نسبة أصوات باطلة في تاريخ البلاد”.

وأكّدت هذه الانتخابات سيطرة السيسي على زمام الأمور في البلاد، وأثبتت امتلاكه كلاعب واحد فقط لجميع مفاتيح اللعبة.

وعلى الرغم من أن تاريخ مصر يتباهى بكونها دولة رائدة في تأسيس الأحزاب وإنشاء البرلمان، لكنه سجّل أيضًا أنها لم تعرف من الانتخابات سوى اسمها فقط. فقد جرت بعد ثورة يوليو 1952، انتخابات رئاسية لم تكن نتائجها لِتُقبل سوى بفوز الرئيس المرشح بأقل من 99%.

لم يكن السيسي استثناءً فيمن سبقوه. فلم يقبل الراحلان جمال عبد الناصر وأنور السادات بأقل من الإجماع الكامل، وفعلها مبارك في رئاساته المتعدّدة في كل الجمهوريات الخمس التي تولاها.

البرلمان في الجعبة

أحكم السيسي السيطرة على مجلس النواب عبر حزب مستقبل وطن، الداعم القوي له، الذي امتلك الأغلبية من مقاعد مجلس النواب المؤلف من 596 مقعدًا في انتخابات برلمانية امتدت لعدة أسابيع وبلغت نسبة المشاركة فيها 29%، وأُعلِنت نتائجها في ديسمبر عام 2020.

وأكّدت النتائج وضع الحزب كقوة مهيمنة بعد فوزه بنحو 75% من المقاعد الخاضعة للانتخاب، لتزداد حصته إلى 315 بعدما كان بحوزته 57 مقعدًا في المجلس.

وهيمن الحزب على البرلمان بغرفتيه النواب والشيوخ، في تكرار لآخر برلمان في عهد مبارك عام 2010، حيث سيطر الحزب الوطني الديمقراطي (الحاكم آنذاك) على غالبية المقاعد.

ومع أن السيسي تعهد في السابق بعدم تعديل الدستور، قائلًا إنّه سيرفض مدّة رئاسيّة ثالثة، فقد تم في أبريل عام 2019 تمرير تعديلات الدستور التي تسمح للسيسي بإمكانيّة البقاء في الحكم حتّى عام 2030. وتمّ ذلك في استفتاء شعبي وافق فيه نسبة 88.83% ورفضه 11.17% من إجمالي 27 مليون شخص، بنسبة مشاركة بلغت 44.33%.

ولاحقًا، منح هذا المجلس للسيسي سلطات إضافية لمواصلة الحكم، عبر تعديلات دستورية زادت بفضلها فترة الرئاسة.

وبموجب هذه التعديلات التي قدّمها خُمس من أعضاء مجلس النواب، أبرزهم الناطق السابق باسم حركة تمرد، التي تحوّلت إلى منصة لدعم السيسي، تم تمديد دورة الرئاسة إلى ست سنوات بدلًا من أربع.

بالإضافة إلى مادة انتقالية تتيح للسيسي الترشح مجددًا بعد دورته الرئاسية الثانية التي انتهت عام 2022، لفترتين جديدتين مدة كل منهما ست سنوات، وهو ما يعني إمكانية استمراره في الحكم حتى عام 2034.

ويرى الدكتور محمد فاضل أن البرلمان المصري في وضعٍ مثير للشفقة، بعدما امتلأ بـ “المستقلين” غير المنتسبين إلى أي حزب سياسي، وتحوّل إلى موقع للمتملّقين.

احتجاجات عام 2019

بينما ركنت النخبة الحاكمة لفكرة انتهاء الحركة الاحتجاجية، وأن هناك إجراءات أمنية مشدّدة تحول دون اندلاعها، سبّبت مظاهرات محدودة في عدة مدن مصرية يوم 20 سبتمبر 2019، إرباكًا شديدًا لدى دوائر صنع القرار، حسب عمرو الشوبكي خبير الشؤون السياسية والحزبية بمركز الأهرام السياسية والاستراتيجية.

والاحتجاجات التي دعا إليها محمد علي، المقاول الذي عمل سابقًا مع الجيش، جرت على خلفية ترديده ادعاءات بالفساد، ونفتها السلطات. واستجاب المصريون الذين يعانون من الأزمة الاقتصادية والفقر المتزايد للدعوة إلى التظاهر من أجل إنهاء الفساد وعزل السيسي.

وبحسب منظمات حقوقية، فقد شنّت السلطات أكبر حملة قمع باعتقال أكثر من 2300 شخص، تم التحقيق مع معظمهم كجزء من قضية واحدة، حيث حذّرت منظّمة العفو الدولية من أكبر قضية جنائية متعلّقة بالتظاهر في تاريخ البلاد.

ومع أن الدعوة لتلك المظاهرات يقف وراءها مقاول وفنان مصري سابق لا يحظى بالشعبية ولا المصداقية، فقد استرعت انتباه بعض أعضاء الكونجرس الأمريكي، وأظهرت خطأ السياسة الأمريكية بشأن السيسي باعتباره “القائد العظيم الذي أخرج مصر من الفوضى”.

لكن السيسي رد لاحقًا على هذه الأحداث بالتأكيد على أن “الدولة والشعب حاجة واحدة”، في إشارةٍ إلى الاحتجاجات، بعد عرض شريط مصوّر عن حقوق الإنسان جاء فيه أن أمن واستقرار مصر من أهم حقوق شعبها.

ولاية السيسي الثانية
أغلقت قوات الأمن الطرق المؤدية إلى ميدان التحرير لمنع احتجاجات معارضة للحكومة في القاهرة في 27 سبتمبر 2019. STRINGER / ANADOLU AGENCY / via AFP

تراجُع شعبية السيسي

لا يبالي الرئيس المصري كثيرًا بمدى شعبيته وسط مواطنيه، مفضّلًا الإبقاء على وتيرة مشاريعه العملاقة من دون إبطاء، على الرغم من أن تصاعد الأزمة الاقتصادية وتراجع قيمة الجنيه المصري قد خصم الكثير من رصيده الشعبي، مقارنةً بما كان عليه الحال قبل تولّيه السلطة عام 2014.

إنّه نظام ديكتاتوري ذو طابع استثنائي، فهو لا يواجه أشخاصًا أقوياء وشركاء في الحكم يتحكمون في أجهزة سيادية مثلما كان الحال مع عبد الناصر، حسب باحثين سياسيين في مجلة رواق عربي. ولا يعاني نظامه من تصدعات بنيوية مثلما كان الحال مع مبارك بسبب الصراعات المختلفة بين الأجهزة الأمنية.

والانتقادات في وسائل الإعلام المصرية تكاد تكون منعدمة. وقال محمد عبد الحفيظ عضو مجلس نقابة الصحفيين، إن رقباء حكوميين في المطابع مكلّفين بالرقابة على الصحف قبل طبعها، قد أوقفوا نشر مقالات معارضة لتعديلات الدستور عام 2019.

لهذا، فإن التحذير من أن تزايد معدلات القمع من شأنه تحويل مصر إلى “طنجرة ضغط تهدّد باندلاع احتجاجات أكثر تلقائية وفوضوية”، كما يكتب تقرير مركز التحرير لسياسات الشرق الأوسط، يبدو موضوعيًا إلى حد ما.

ومع ذلك، وفي جرأةٍ شديدة، تطوّع بعض الإعلاميين من مؤيّدي النظام بمنح الرئيس أعلى شعبية في تاريخ البلاد على الإطلاق، دونما سند، بل واعتبروه الأكثر شعبية لدى المواطنين مقارنةً بباقي الرؤساء السابقين. وذلك بالنظر إلى استخدامه شعبيته في إجراء الإصلاح الاقتصادي، وراهن على رصيده عند الناس.

وثمّة من يعتقد أنّه في ضوء حالة الإحباط السائدة في البلاد، يتعيّن على القيادة السياسية ورئيس الدولة ، أن يركّز السيسي وإدارته في الفترة المقبلة على البحث عن طريقةٍ لتحويل هذا الإحباط إلى قوّة إيجابية.

ووفقًا لوزير الداخلية المصري، لقد ساهمت المساندة الشعبية الفاعلة في انخفاض معدلات الجريمة.

وقال السيسي إن الأوضاع المستقبلية تختلف عما سبق. وحذّر من أن البرلمان القادم قد يشهد تقديم استجوابات حول اقتصاد الجيش ودوره، داعيًا المؤسسة العسكرية لتلافي الاختلافات داخلها بالخصوص، وأن تكون وفقًا لتعبيره” كتلة واحدة، متفاهمة”، تحسّبًا لما هو قادم.

واعتبر السيسي إن الثورة “فكّكت” كل القواعد والقيود التي كانت موجودة في مصر قبل حدوثها، مستشهدًا بذلك على أنه قبل 25 يناير كان من المستحيل “ذكر أي شيء عن القوات المسلحة من دون إذن المخابرات الحربية”.

الوضع الاقتصادي

سعى السيسي لتحقيق ممر التنمية الذي اقترحه فاروق الباز، العالم الجيولوجي بوكالة الطيران والفضاء الأمريكية (ناسا)، ويتضمّن مد سكك حديدية وطريق سريع من ثماني حارات وخطوط ماء وكهرباء وإنشاء مدن وبلدات متطوّرة على 10.5 مليون فدان من الأراضي غير المستغلة غربي نهر النيل.

ويعتقد البعض أن المشكلة الأساسية في البلاد هي القبضة الخانقة على الاقتصاد، التي يمارسها الجيش الذي تضم إمبراطوريته الآن كل شيء، من محطات الوقود إلى المياه المعدنية والزيتون وسوق تربية الأسماك وصناعة السيارات.

وبموجب اتفاقها مع صندوق النقد الدولي نهاية عام 2022، تعهّدت الحكومة مرة أخرى بسحب الدولة والقوات المسلحة من القطاعات “غير الاستراتيجية”. ويطالب الصندوق بإلغاء المعاملة التفضيلية للشركات المملوكة للدولة، بما في ذلك الشركات التي يمتلكها الجيش بشكل أو بآخر. كما اُشتُرِط تقديم هذه الشركات حسابات مالية إلى وزارة المالية على أساس نصف سنوي، وأن تضمن الوزارة بدورها إتاحة المجال للاطلاع على هذه البيانات، إلى جانب المعلومات عن الدعم المقدّم إلى شركات الدولة.

وهذا ما يراه مراقبون بمثابة طلب يضرب قلب هيكل السلطة في مصر، لأنه يعني بيع بعض الشركات المملوكة للدولة لجمع الأموال، وتجريد الشركات المملوكة للجيش من الإعفاءات الضريبية وغيرها من الامتيازات، مما يسمح للشركات الخاصة بالمنافسة.

فقد تعرّضت البلاد لارتفاع نسبة التضخّم، وأسعار السلع والخدمات الأساسية، وباتت حكومة مصطفى مدبولي الذي يتولى منصبه منذ عام 2018، في مرمى الانتقادات بعجزها عن كبح جماح الأوضاع الاقتصادية.

وهناك من لاحظ تغييرات في السلوك والخطاب الرئاسي، وهو ما اعتبره البعض رد فعل على ما تتعرّض مصر له من ضغوط اقتصادية هائلة، بما في ذلك مبالغ هائلة من الديون بسبب فورة البناء التي قام بها السيسي.

ولاية السيسي الثانية
البقّال المصري محمد مصطفى، 31 عاماً، يقف عند نافذة متجره والأطفال حوله في قرية النهايا في أسيوط بصعيد مصر، وهي إحدى أفقر المناطق في البلا، في 16 نوفمبر 2019. يبدو اسم القرية النائية مثل كلمة “النهاية”، ما يجعلها للأسف تتناسب مع الفقر المدقع الذي يعانيه معظم سكانها.Mohamed el-Shahed / AFP

ويراهن السيسي على أنه لم يدخل في مغامرات أو حروب خارجية، وأن الأزمة الاقتصادية هي نتاج الوضع السياسي في مصر في أعقاب الإطاحة بالرئيس الراحل حسني مبارك عام 2011. ويلقي باللوم الأكبر على جائحة كورونا ثم الحرب الروسية الأوكرانية في تعقُّد الأمور بالنسبة لإدارته.

ويمثّل الانخفاض الناتج في قيمة العملة، وما يشكله من ضغوط هائلة على الاقتصاد والمواطنين المصريين، التحدي الأكبر إلحاحًا الذي تواجهه الحكومة في عام 2023 حسب ميريت مبروك زميل أقدم في معهد الشرق الأوسط في واشنطن.

وعلى مدى السنوات الأخيرة، سعى السيسي لرَسمَلَة الشركات والأصول المملوكة للدولة من خلال حقنها بالأموال الخاصة، بدلًا من بيع الحصص أو تسليم السيطرة إلى حاملي الأسهم من القطاع الخاص.

لكن أخيرًا، بدأ السيسي يشعر بخطورة المسار. وبعد عناد سياسي تمثّل في تجاهل الانتقادات لأولويات المشاريع المنفّذة، قدّم تنازلًا لافتًا للانتباه لاحتواء الجدل المصاحب لهذه المشاريع. وتمّ ذلك عبر إعلان محمد معيط وزير المالية، تنفيذًا لما وصفه بـ” التوجيهات الرئاسية”، اعتزامه إطلاق حوار مجتمعي حول الموازنة الجديدة لعام 2023/ 2024، لتحديد أولويات الإنفاق العام.

وبدت تلك مجرّد محاولة دعائية للإيحاء برغبة السيسي في التراجع عن مسارٍ بدا فيه مستعدًا للتضحية برصيده وشعبيّته لدى مواطنيه، على أمل إنجاح المسار الإصلاحي الصعب الذي اختاره منذ البداية من دون وضع أولويات المواطنين في الاعتبار.

قاعدة شعبية غير كافية

والرئيس الذي لطالما حذّر من خطورة قياس الرضا الشعبي بما يحصل عليه المواطن مباشرة، اعتبر في المقابل أن الرصيد الشعبي حشد لمسار فكري لبناء الدولة، مستشهدًا بنجاح ونستون تشرشل رئيس حكومة بريطانيا الراحل خلال الحرب العالمية الثانية.

ويعتقد السيسي أن حكومته لم تحظَ بـ”قاعدة شعبية” كافية. وفي أحد خطاباته في عام 2022، قال السيسي إن “رصيد القيادة السياسية والحكومة لم يكن بالقوة اللازمة، التي يمكن أن تشكّل قاعدة لانطلاق خارطة طريق صعبة ومريرة تحتاج لسنوات عمل شاقة وطويلة”.

ومن وجهة نظره، فإن ردود الأفعال الشعبية على الإصلاحات الاقتصادية التي تتّخذها الدولة كانت تشكّل هاجسًا لدى متّخذي القرار والأجهزة الأمنية.

وفي اللحظة الراهنة، يبدو أن الاقتصاد قد تحوّل أكثر فأكثر إلى اقتصاد حرّ، بينما تم تقليم أظافر المجتمع وسلب حقّه في الرقابة على ممتلكاته، حسب تقرير مركز التحرير لسياسات الشرق الأوسط.

ووفقًا لصندوق النقد الدولي، فقد اتّخذت السلطات المصرية إجراءات سياسية جريئة للتخلص من التشوّهات السياسية السابقة، بما في ذلك التحوّل إلى سعر صرف مرن مع اتخاذ تدابير للمساعدة في حماية السكان المصريين من أزمة غلاء المعيشة المتصاعدة.

وبحلول نهاية عام 2022، تآكلت معظم تلك النوايا الحسنة، حيث أدى الارتفاع السريع في تكلفة المعيشة والأزمة الاقتصادية المتفاقمة إلى إثارة الغضب المكتوم في جميع أنحاء البلاد.

لكن السيسي لا زال يدافع باستماتة عن مشاريعه القومية وخطته الطموحة، باعتبارها عناصر مهمّة وليست رفاهية.

كما دافع في السابق عن استمراره في بناء قصور رئاسية، وقال أنّها للدولة الجديدة التي يؤسّسها ولا تخصّه وليست باسمه.

السياسة الخارجية

واعتمدت السياسة الخارجية لمصر على تسويق الحرب ضد الإرهاب وتدفقات الهجرة غير الشرعية.

وواصلت القاهرة التلويح بالتهديد المزدوج المتمثّل بالهجرة غير النظامية والإرهاب لتطبيع علاقاتها مع أوروبا والولايات المتحدة وتوسيعها.

استوعب السيسي جيدًا التحفظ الغربي والأمريكي عليه فور توليه السلطة. ولاحقًا، نجح في تجاوزه، فلم يعد يواجه جمودًا في العلاقات المصرية الأمريكية، أو الاتحاد الأوروبي، كما في مستهل رئاسته.

ووفقًا لبين فيشمان، زميل أقدم في معهد واشنطن، من المتوقّع أن يوفّر التدهور السريع للاقتصاد المصري فرصةً للولايات المتحدة لتقديم المساعدات وتعزيز نفوذها في ظل استعداد السيسي لتغيير مواقفه الجدلية من حيث حقوق الإنسان والسياسة الخارجية.

ولعل هذا هو ما حدث في الزيارة لوزير الخارجية الأمريكي أنطوني بلينكن إلى القاهرة في يناير عام 2023، حيث اعتُبِر أن إجراء تحسينات ملموسة ودائمة على حقوق الإنسان أمر ضروري لتعزيز العلاقات الثنائية بشكل أكبر، لافتًا إلى أنها أولوية بالنسبة لأعضاء الكونجرس الأمريكي وتستهدف مصلحة الشعب المصري.

لكن حدود المناورة الأمريكية المتوقعة والكلاسيكية بشأن توظيف ملف حقوق الإنسان للضغط على القاهرة سياسيًا وإعلاميًا، كان محدودًا بعدما امتنع بلينكن عن التعليق عن تجاهل السلطات المصرية لنداءات الولايات المتحدة والحكومات الأخرى للإفراج عن بعض السجناء السياسيين.

وكان واضحًا أن السيسي يعمد خلال محادثاته مع زائريه الغربيين إلى الربط بين ضرورة دعم التنمية والمساهمة في تقليل المهاجرين، كضرورة لأمن أوروبا.

ولطالما تباهى السيسي بعدم وجود معسكرات لإيواء اللاجئين على أراضي مصر ومنع خروج أي مركب هجرة غير شرعية أو أي فرد عبر الأراضي المصرية بحرًا أو برًا.

ولعب على وتيرة أن مصر تقف كحائط منيع لصد كل محاولات عبور البحر المتوسط إلى جنوب أوروبا.

وأثمرت هذه السياسة في اعتبار بعض المسؤولين الغربيين أن استقرار مصر وأمنها مرتبط بأمنهم، وأصبحت مصر أحد أهم الشركاء الاستراتيجيين لأوروبا.

موقع مصر في المنطقة

ولعبت التطوّرات الإقليمية دورًا مهمًا في تصاعد دور السيسي وبدء الإدارة الأمريكية وزعماء أوروبا وحكوماتها في النظر إليه كحليف استراتيجي في منطقةٍ تتّسم بالاضطراب السياسي.

وبرز ذلك خلال الأزمة الليبية عام 2019، تمامًا كما بالنسبة للوضع الراهن في فلسطين المحتلة بما يمتلكه من أوراق ضاغطة على طرفيّ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

وبخلاف حالة العداء التي كانت عليها العلاقات مع قطر وتركيا في مستهل حكمه، وجد السيسي بطريقة أو بأخرى مجالًا لاستئناف علاقته مع قطر والتقى أميرها الشيخ تميم بن حمد آل ثاني وتبادلا الزيارة، إيذانًا بانتهاءٍ نسبي لخلافاتهما.

ولا زال حوار السيسي الخجول مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يراوح مكانه بسبب الخلافات حول الدور التركي في ليبيا وسوريا والعراق.

ومثّلت قضية سد النهضة الذي تبنيه إثيوبيا على مياه نهر النيل، أكثر القضايا المقلقة والشائكة للسيسي، الذي تراوحت استراتيجيته ما بين التهديد ومحاولة استمالة رئيس الحكومة الإثيوبية أبي أحمد من دون أيّ جدوى.

وتتمحور هذه السياسة حول التوافق الكامل مع السودان وتطوير شبكة من التحالفات الاقتصادية والعسكرية في وسط وشرق إفريقيا والقرن الإفريقي، على أمل الحفاظ على الضغط الجيوسياسي وإظهار القوة والنفوذ في حوض النيل بالتوازي مع مساعي لحلٍ دبلوماسي وسياسي.

وعلى الرغم من النجاح الذي تتباهى به وزارة الخارجية المصرية في مواجهة ما تصفه بالتحديات الجسيمة إقليميًا ودوليًا، فإن عملية صنع السياسة الخارجية المصرية، حسب هاجر جمال الباحثة في العلوم السياسية بمركز العربي للبحوث والدراسات، ربما تكون بحاجة للتطوير والتفعيل، وفقًا لرؤية واضحة محدّدة.

أموال الخليج

ساهمت مساعدات الدول الخليجية خاصة من السعودية والإمارات والكويت في تخفيف حدة المشاكل الاقتصادية.

وكانت أموال الخليج في فترة الولاية الرئاسية الأولى للسيسي محل نقاش، تم تسريبه، حول كيفية توظيفها وحجمها بين السيسي وكبار مساعديه.

لكن الأمر الذي ارتبط آنذاك بمخاوف هذه الدول من حدوث انهيار اقتصادي في مصر قد يسمح بعودة جماعة الإخوان المسلمين، التي تعتبرها تلك الدول الخليجية عدوًا لدودًا لها، سرعان ما تحوّل لاحقًا إلى عنصر جدل وضغط على السياسة الخارجية المصرية.

وإذا كانت هذه الدول قد تعهّدت بتقديم مساعدات قدرها نحو 12 مليار دولار عقب عزل الرئيس محمد مرسي، في شكل منح وودائع بالبنك المركزي ومساعدات بترولية، فإنها اتخذت موقفًا مغايرًا في الفترة الرئاسية الثانية للسيسي.

ومع انتهاء فزاعة الإخوان نسبيًا، اعتبرت السعودية أن زمن المساعدات المالية غير المشروطة قد انتهى، في إشارةٍ إلى رغبة الدائنين الخليجيين في الحصول على حصص كبيرة في بعض الأصول الاقتصادية المصرية المميزة.

واستتبع ذلك بالضرورة، خلاف إعلامي بين القاهرة والرياض في فبراير عام 2023، حسمه السيسي عبر إعلانه عدم السماح بالإساءة للأشقاء في السعودية ورفض الانسياق للفتن.

وساهم الاعتماد على المال الخليجي في الحد من حرية صانع القرار المصري، الذي انكفأ على ذاته لمعالجة مشاكله الاقتصادية. وقد برز ذلك في اختلاف وجهات النظر بين مصر والخليج حول ملفات اليمن وليبيا وأخيرًا السودان.

ومع أن القاهرة دفعت باستقلالية قرارها وسياستها الخارجية، فإن الأزمة الاقتصادية التي تمر بها مثلت أكبر عقبة أمام تبنّي سياسة خارجية لحماية مصالحها الحيوية.

الخلاصة

شهدت شعبية السيسي انخفاضًا خطيرًا خلال السنوات الثماني الماضية، رغم أنه بدأ كواحد من أكثر الرؤساء شعبية في مصر منذ عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

ولا زال السيسي يقود البلاد منفردًا، ومن دون نائب له جرى التلميح إليه في التعديلات الدستورية، علمًا بأن 18 شخصًا تولّوا منصب نائب الرئيس، من بينهم 15 عسكريًا، قبل إلغائه في دستور عام 2012.

وبينما يواصل السيسي تقديم نفسه على أنه الرجل القوي الذي جلب الاستقرار إلى البلاد بعد فترة من الاضطرابات السياسية، فإن البخار المتصاعد من الطنجرة يدعوه للتريّث خشية اكتشاف لحظة الحقيقة الدراماتيكية، أو المغامرة بردة فعل شعبية مغايرة لما اعتاد عليه.

وعبر الانفراد بالسلطة وغياب الحياة السياسية والحزبية المزدهرة، واستبعاد صوت المعارضة وتلجيم الإعلام أو تدجينه لصالح النظام، يخاطر السيسي بالوصول إلى حافة المنحدر.

والرصيد الشعبي الذي استند إليه السيسي في الجلوس على عرش البلاد حتى هذه اللحظة، بدأ في النفاد تحت وطأة الاقتصاد المترنّح والتردّد في تنفيذ شروط صندوق النقد الدولي بشأن رفع يد المؤسّسة العسكرية عن بعض القطاعات الاقتصادية والمالية الحيوية.

والرئيس الطامح لفترة رئاسية جديدة في عام 2023، لا يخشى تحوّل السخط الجماهيري إلى انتفاضة شعبية أو ثورة جديدة، لكنّه بحاجة مع ذلك إلى إدراك الحد الذي يجب أن تتوقف عنده الأوضاع الاقتصادية الصعبة الراهنة.

وفي بلدٍ يصنع الرئيس منفردًا كل أخباره ويتخذ كل قراراته، وتطغى النزعة الفردية والسمات الشخصية على الحالة العامة في البلاد، فإنّه لا مؤشر على اعتزامه تغيير نمط الحياة السياسة المقفرة. وهذا يدفع للتساؤل حول ما إذا كان بالإمكان أن تمضي الأمور على نفس المنوال خلال سنوات الفترة الرئاسية التالية والثالثة، دونما أي تطوّر إيجابي.