تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين – انتهاكات حقوق الإنسان

الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين
مستوطن إسرائيليّ يمشي عبر منزلٍ فلسطينيٍّ ذو شرفاتٍ مغطاةٍ ومتداخلة تحمل واحدة منها لافتة احتجاجية كُتِب عليها باللغة الإنجليزية “العرب ممنوعون. هذا هو الفصل العنصري”، على طول شارع الشهداء الذي تسيطر عليه إسرائيل (والذي يتم إغلاق مدخله الرئيسي) في مدينة الخليل في الضفة الغربية المحتلة في 28 كانون الثاني 2020. المصدر: HAZEM BADER/AFP

مقدّمة

لقد تعرّض الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين لنيران انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها السلطات الحاكمة منذ البداية. وتشمل هذه الانتهاكات تلك التي ترتكبها إسرائيل بوصفها قوّة احتلال، بالإضافة إلى السلطة الفلسطينية التي تحكم شؤون بعض الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية وتُعتَبَر شريكًا للاحتلال الإسرائيلي بسبب تعاونها الأمني مع إسرائيل منذ اتفاقيات أوسلو. كذلك تعرّضت حماس أو حركة المقاومة الإسلامية، التي تحكم غزة، للانتقاد بسبب عدّة انتهاكات من بينها قمع المتظاهرين.

ويُدين المجتمع الدَّولي بشكل منتظم الأعمال الإسرائيلية في فلسطين لمخالفتها القانون الدولي. وأصدرت الأمم المتحدة العديد من القرارات استجابةً للوضع الذي يؤثّر على السكان الفلسطينيين. ويشمل ذلك تشريد الناس من بيوتهم، الاعتقالات التعسّفية، تقييد فرص الوصول إلى الخدمات الأساسية، والتدهور السريع للوضع الذي يمكن أن يصل إلى حد الفصل العنصري وهو أمر غير مشروع بموجب القانون الدَّولي.

لذلك، استنتجت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (ESCWA) في آذار 2017 في تقرير لها أنّ إسرائيل كانت ترتكب أعمالًا من جرائم الفصل العنصري. وعلى الرغم من أنّ الأمم المتحدة لم توافق على التقرير بصفتها هيئة، إلّا أنّه اعتُبِر رائدًا حيث كانت أوّل وكالة تابعة للأمم المتحدة تقوم بذلك.

وشبّهت منظّمات حقوق الإنسان الوضع في فلسطين بالفصل العنصري، بما في ذلك منظّمة حقوق الإنسان الإسرائيلية بتسليم في كانون الثاني 2021، وهيومن رايتس ووتش بعدها بعدّة أشهر.

 

في هذا الفصل، سنقدّم استعراض عام لأنواع انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتُكِبت في فلسطين.

الفصل العنصري

تسيطر إسرائيل بفعالية على حياة ما يُقارب الـ 14 مليون نسمة، بمن فيهم اليهود الإسرائيليين والفلسطينيين في جميع أنحاء الضفة الغربية، فضلًا عن القدس الشرقية وقطاع غزة وإسرائيل. وحتى المستوى من الحكم الذاتي الممنوح للفلسطينيين في أجزاءٍ من الضفة الغربية وقطاع غزة، يخضع للسيطرة الإسرائيلية على الحدود وفي المجال الجوي وعملية التنقّل والأمن وتسجيل السكان. وقد استُخدِمت هذه السيطرة لغرس نظام يعطي الأولوية لحياة الإسرائيليين اليهود بينما يميّز ضد الفلسطينيين.

وفي حين قامت مجموعات حقوق الإنسان بتوثيق القوانين والسياسات والإجراءات التي تنتهجها السلطات الإسرائيلية والتي تبرهن وجود هذا النظام، فقد أكّد بعض المسؤولين الإسرائيليين هذا الطموح قولًا. فعلى سبيل المثال، وفيما يتعلّق بتجديد قانون الجنسية العنصري، قال رئيس الوزراء السابق أرييل شارون، “لا حاجة للاختباء وراء الحجج الأمنية. هناك حاجة لوجود دولة يهودية “. وكذلك صرّح بنيامين نتنياهو، الذي كان في ذلك الوقت وزير المالية، “بدلًا من تسهيل الأمر على الفلسطينيين الذين يرغبون بالحصول على الجنسية، يجب علينا أن نجعل العملية أكثر صعوبة لضمان أمن إسرائيل والأغلبية اليهودية فيها.”

ووفقًا لما ذكرته هيومن رايتس ووتش في تقريرٍ لها في نيسان 2021، فإنّ التجريد من الملكية والحبس والانفصال القسري يجعل الفلسطينيين مواطنين من الدرجة الثانية، والمعاملة التي يتعرّضون لها ترقى إلى جرائمٍ ضدّ الإنسانية وتحديدًا الفصل العنصري والاضطهاد. وتقول المنظّمة غير الحكومية أنّ إسرائيل تدير نظامًا للتمييز المؤسّسي من خلال “النقل القسري”، و”مصادرة الممتلكات العقارية”، و”إنشاء احتياطيات وأحياء سكنية منفصلة”، وحرمانهم من “حق المغادرة والعودة إلى بلدهم، والحق في الحصول على جنسية”.

وشمل هذا النظام حصر السكان الفلسطينيين وسلطتهم السياسية بتقييد حقّهم في التصويت أو الانتقال إلى إسرائيل. كذلك يشمل سياسة الدولة المتمثّلة في فصل الفلسطينيين بين الضفة الغربية وقطاع غزة، ومنع حركة الناس والبضائع داخل فلسطين، و”تهويد” المناطق التي يوجد فيها عدد كبير من السكان الفلسطينيين في إسرائيل وتركهم يعيشون في المناطق الفقيرة.

 وحتى في القدس الشرقية المحتلة، التي تعتبرها إسرائيل جزءًا من أراضيها ذات السيادة، فإنّ الوضع القانوني للفلسطينيين بوصفهم “مقيمين دائمين” أمر محفوف بالمخاطر؛ فقد جُرِّد الفلسطينيون في القدس الشرقية من هذا الوضع لمنع تزويدهم بـ “مركز للحياة” في القدس.

وكفل قانون الجنسية الإسرائيلي لعام 1952 مسارًا لليهود المهاجرين إلى إسرائيل للحصول على الجنسية بشكل تلقائي، وهو ما لا ينطبق على الفلسطينيين. وفي عام 2003، أصدر الكنيست أيضًا أمرًا مؤقتًا بشأن قانون الجنسية والدخول إلى إسرائيل. وقد تمّ تمديد هذا القانون بنجاح في السنوات المقبلة كوسيلة لحرمان الفلسطينيين، الموجودين في الضفة الغربية وقطاع غزة المتزوجين من مواطنين إسرائيليين أو مقيمين إسرائيليين، من وضع قانوني طويل الأمد أو من الحصول على الجنسية. إلا أنّ هذا القيد لا ينطبق على المتزوّجين من اليهود الإسرائيليين من أيّ جنسية أخرى غير إسرائيلية؛ الذين يتمّ منحهم وضع قانوني فوري.

وكانت هيمنة اليهود الإسرائيليين على إسرائيل وفلسطين أكثر توطيدًا عندما أصدر الكنيست قانون الدولة القومية في عام 2018، معلنًا إسرائيل “الدولة القومية للشعب اليهودي”. وأعلن القانون مدينة القدس عاصمةً لإسرائيل، وتبع ذلك إعلان العبرية لغة رسمية وحيدة وتخفيض مرتبة اللغة العربية على الرغم من أنّ أكثر من 20 بالمئة من سكان إسرائيل يتحدّثون بها.

وهناك مادة في القانون تنص على ما يلي: “إنّ الدولة تنظر إلى تطوير الاستيطان اليهودي باعتباره قيمة وطنية، وسوف تعمل على تشجيع وتعزيز تأسيسه وتوطيده”. ولا يتم ذكر المساواة في هذا القانون؛ فبصفته أحد القوانين الأساسية لإسرائيل والذي يُعد بمثابة دستور فعليّ لها، فهو يخالف إعلان الاستقلال لعام 1948 الذي وعد “بالمساواة الكاملة في الحقوق الاجتماعية والسياسية لجميع سكان [إسرائيل]”، بغض النظر عن دينهم أو عرقهم أو جنسهم.

التشريد وعمليات هدم المنازل

استخدمت إسرائيل منذ عام 1948 تدابير مختلفة للاستيلاء على الأراضي الفلسطينية كمحاولة لنقلها إلى ملكية الدولة، وقد تطوّرت هذه التدابير لتؤدّي في نهاية المطاف إلى التقلّص الشديد للتنمية السكنية الفلسطينية.

الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين
في 2 تموز 2020، شاهد أحد أقارب عائلة شلالدة الفلسطينية حفارة تمّ استئجارها لهدم منزل عائلتهم في مدينة الطور في القدس الشرقية. وتقوم السلطات الإسرائيلية بالهدم المنتظم للمنازل التي يبنيها الفلسطينيون على أراضيهم في القدس الشرقية والضفة الغربية المحتلة، إذا لم يكن لديهم تصاريح البناء الإسرائيلية. وتشير دراسة أجرتها الأمم المتحدة إلى أنّ الحصول على هذه التصاريح هو أمر “شبه مستحيل”، وهناك نقص حاد في الإسكان نتيجةً لذلك. ويفضِّل بعض المالكين هدم منازلهم بأنفسهم لتجنُّب الاضطرار إلى الدفع لفرق الهدم في المدينة حيث تصل المبالغ إلى ألاف الشيكل في بعض الأحيان. المصدر: AHMAD GHARABLI/AFP

عدد المباني المهدّمة سنوياً

عدد المباني المدمرة في الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، بحلول يوم 23 نوفمبر 2021. المصدر.: OCHA

وما فتئت عمليات هدم المنازل في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، تتزايد على مرّ السنين. فوفقًا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (UNOCHA)، قامت السلطات الإسرائيلية بهدم أو إجبار الناس على تدمير أو الاستيلاء على ما لا يقلّ عن 292 من الأبنية العائدة للفلسطينيين في مختلف أنحاء الضفة الغربية والقدس الشرقية في الربع الأول من عام 2021، وهو ما يمثّل زيادةً بنسبة 121 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. وبحلول نهاية عام 2020، أبلغت وكالة الأمم المتحدة عن 854 عملية هدم للممتلكات الفلسطينية، أي أكثر من ضعف الرقم في عام 2017، عندما حدث انخفاض كبير بعد تسجيل أعلى رقم والذي وصل إلى 1,094 في عام 2016 في فترة السنوات السبع السابقة. كذلك جرى تدمير الممتلكات الفلسطينية في النقب جنوب إسرائيل حيث يعيش آلاف البدو في مجتمعات غير معترف بها. أما الإحصاءات الخاصة بالأراضي الواقعة داخل الخط الأخضر (إسرائيل ذاتها) فهي غير متوفّرة.

وقد هيّأت عمليات الهدم والإخلاء القسري بيئة قسرية شرّدت الفلسطينيين وجعلتهم يعيشون في ظروف مكتظّة أو أجبرتهم على التنقّل. وهناك أسباب مختلفة لقيام عمليات هدم الأراضي الفلسطينية المحتلة. وأحد الأمثلة الرئيسية على ذلك هو الجزاء وشكل من أشكال العقاب الجماعي وفقًا لمجموعات حقوق الإنسان مثل الحق وبتسليم.

وتستهدف السلطات الإسرائيلية منازل ما يُسمى بـ”الإرهابيين المحتملين” أو عائلاتهم، مُدَّعيةً أنّها تستخدم ذلك كرادع للحيلولة دون المزيد من الجرائم. ومع ذلك، لا يوجد دليل على نجاح هذه التدابير ويجب أن يكون هناك تبرير عسكري واضح ودقيق لهذه الأعمال التي تشكّل بخلاف ذلك جريمة حرب وفقًا لاتفاقيات جنيف. وعلاوةً على ذلك، يتم تطبيق هذه السياسة تقريبًا بشكل خاص ضد الفلسطينيين. ففي الماضي حظر الجيش الإسرائيلي هذه الممارسة قائلًا أنّها تزرع الكراهية بين السكان الفلسطينيين. كما تفرض إسرائيل عقوبات على عمليات هدم الأراضي، التي تستهدف 57 بالمئة منها الأبنية في المنطقة C التي تسيطر عليها (والمناطق الأخرى مثل A وB حيث تتمتع السلطة الفلسطينية بالحكم الذاتي المحدود).

وقد أقرّت المحكمة الإسرائيلية العليا عمليات هدمٍ في هذه المنطقة للمباني التي تقول إسرائيل أنّها غير قانونية وبدون تصاريح بناءٍ صادرة عنها، والتي يصعب أصلًا الحصول عليها. وبين عاميّ 2016 و2018، وافقت الإدارة المدنية الإسرائيلية في الضفة الغربية على أقل من 2 بالمئة من تصاريح البناء من الفلسطينيين في المنطقة C – على الرغم من أزمة الإسكان الحادة بين السكان الفلسطينيين، ما يدفع الناس إلى هدم منازلهم لتجنُّب فرض غرامات باهظة ورسوم هدم.

وفي كثير من الأحيان، يلجأ الفلسطينيون مُكرهين إلى البناء في هذه المناطق من دون معاملات ورقية – إذ لا يحصل سوى 7 في المئة من الفلسطينيين على تصاريح، رغم أنّهم يشكلون 40 في المئة من السكان في القدس الشرقية، ما يعرّض منازل حوالى 100,000 شخص لخطر الهدم. بالإضافة إلى ذلك، يعيش نحو 72 في المئة من الفلسطينيين في بلدية القدس تحت خط الفقر بسبب نقص البنية التحتية والاستثمار في الخدمات. ولا تزال عمليات الهدم مرتفعة في المناطق القريبة من المستوطنات الإسرائيلية أو المناطق المُهدّدة بالضمّ مثل القدس الشرقية والخليل H2 (الجزء الشرقي الذي يشمل المدينة القديمة)، ويمكن تنفيذ هذه العمليات من دون إشعار يُذكر، ولا سيما عند القيام بها باعتبارها عملية تطهير للأراضي أو عملية عسكرية.

وقد أثارت العديد من عمليات الهدم المقترحة جدلًا كبيرًا، على سبيل المثال حملة بدو خان الأحمر، حيث وصلت عملية تطهير هذه المنطقة إلى طريق مسدود منذ سنوات ما تسبّب في فرض قيود على حركة جماعة الجهالين المقيمين. ومع ذلك، تقول منظّمات غير حكومية أنّ هذا التطهير هو ضمان المضي قدمًا في تسوية “E1” المثيرة للجدل، ما يسمح في نهاية المطاف بأن تسيطر إسرائيل على المنطقة التي هي مركز الضفة الغربية، وتُقسِّم الأراضي إلى النصف وتمنع السفر من جانب إلى آخر.

بالإضافة إلى ما سبق، هناك خطط لإنشاء طريق سريع جديد يمرّ عبر الأحياء الفلسطينية التقليدية في صور باهر وسلوان ورأس العامود وجبل الزيتون، يتمّ ربطها بتجّمع “E1” مع وجود عمليات هدم ومصادرة أيضًا في هذه المنطقة.

جدار الفصل الإسرائيلي

في عام 2002، بدأت إسرائيل ببناء جدار يُفترض أنّه يمتدّ على طول الخط الأخضر أو خط الهدنة، وهي حدود دولية بين الضفة الغربية وإسرائيل وفقًا لاتفاقيات الهدنة لعام 1949. وقد بدأ البناء بعد عدة هجمات إرهابية في إسرائيل، وكان الغرض المزعوم من الحواجز هو حماية أمن السكان الإسرائيليين.

ومن الناحية العملية، تبيّن أنّ مسار الجدار ينتهك الضفة الغربية. فوفقًا لما ذكرته بتسليم، إنّ 85 بالمئة من الجدار يمرّ عبر الأراضي الفلسطينية، وبالتالي يتمّ ضم المزيد منها بحكم الأمر الواقع وانتهاك حقّ الفلسطينيين في تقرير المصير. وفي بعض الحالات، أدّى هذا الجدار إلى فصل المجتمعات المحلية عن الأراضي الزراعية والأسواق والخدمات، كما تضمّن مجموعة من نقاط التفتيش التي تؤثّر على الحياة اليومية للفلسطينيين إلى حد كبير.

الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين
امرأة فلسطينية تقف مع أشخاص آخرين (لا يظهرون في الصورة). إنّهم يتجمّعون بالقرب من نقطة تفتيشٍ للجيش الإسرائيلي وهم ينتظرون الوصول إلى حقول الزيتون في الجانب الآخر من الجدار الإسرائيلي الفاصل (الخلفية)، بعد حصولهم على إذن إسرائيلي خاص لحصد أشجار الزيتون في 13 تشرين الأول 2021، بالقرب من قرية بيت عوا في ضواحي مدينة الخليل في الضفة الغربية. المصدر: HAZEM BADER/AFP

وفي تقرير للجمعية العامة للأمم المتحدة في القرار ES-10/13، وصف الأمين العام الجدار الفاصل على أنّه “نظام من الأسوار والجدران والخنادق والحواجز في الضفة الغربية”، ومعظمه في المناطق القريبة من الخط الأخضر مثل قلقيلية وطولكرم والقدس.

وقلقيلية هي مثال على منطقة تفتح 12 ساعات يوميًا ومحاطة بالجدار مع نقطة تفتيش واحدة لدخولها والخروج منها. وهي بلدة يقطنها حوالى 40,000 نسمة في محافظة قلقيلية نحو الشمال الشرقي من الضفة الغربية. وأشار تقرير، أعدّته وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا) في عام 2003، إلى أنّ الإغلاق الكامل للبلدة وتقييد الوصول من كل مكان على امتداد الشرق سيشكّلان عائق كبير لمن يعيشون في القُرى المجاورة. ويعتمد هؤلاء السكان على الخدمات البلدية في البلدة، بما في ذلك مستشفى الأونروا التي تستخدمها الأسر الفلسطينية المشّردة.

وفي كانون الأوّل من عام 2003، سعت الجمعية العامة للأمم المتحدة للحصول على استشارة من محكمة العدل الدولية بشأن العواقب القانونية المترّتبة على الجدار. وعلى الرغم من الاعتراضات الإسرائيلية، أصدرت محكمة العدل الدولية رأيًا بحلول تموز 2004 جاء فيه أنّ الجدار يحدّ من حقوق السكان، وأنّ البناء ينبغي أن يتوقّف فورًا وعلى الحكومة الإسرائيلية أن تمنح الفلسطينيين المتضرّرين تعويضات عن الأضرار التي لحقت بهم.

وتحتفظ الأمم المتحدة حاليًا بسجل للأضرار الناجمة عن تشييد الجدار.

لكن رفضت المحكمة الإسرائيلية العليا الرأي الذي أصدرته محكمة العدل الدولية قائلةً أنّه ليس لديها وقائع كافية أو دقيقة لإصدار حكم لأنّ إسرائيل رفضت ذلك. كما أنّها جلبت حالة المستوطنات اليهودية، التي علّقت عليها محكمة العدل الدولية، حيث ضمّ الجدار هذه المستوطنات غير القانونية المبنية على أراضي الضفة الغربية. وقالت المحكمة العليا أنّ مشروعيّتهم لا تترتّب عليها أية آثار في اتخاذ أيّ قرار لأنهم، وفقًا لرأيهم، جزء من السكان المحليين المحتاجين إلى الأمن، وبالتالي ذكرت المحكمة أن الجدار هو تدبير مشروع للدفاع عن النفس.

وعلى الرغم من أنّ المجتمع الدَّولي والسلطة الفلسطينية يتّفقان على أنّ لإسرائيل الحق في حماية مدنيّيها، فإنّهما يلاحظان أنّ الجدار في مظهره الحالي غير متناسب عند الموازنة بين الاحتياجات الأمنية لإسرائيل وحقوق الإنسان للفلسطينيين. وقد لوحظ كذلك انتهاك الحقوق باسم الأمن في قطاع غزة، حيث تُواصل إسرائيل حصارها غير القانوني منذ عام 2007 وسيطرتها على الحدود، ما يقيّد حركة الفلسطينيين بما في ذلك زيارة أسرهم في أراضٍ أخرى مثل الضفة الغربية.

وفي عام 2020 تسبّب رفض إسرائيل السماح بدخول مواد البناء والوقود إلى قطاع غزة بإغلاق محطة الكهرباء الوحيدة في الإقليم، ما زاد من خفض إمدادات الكهرباء في الجزء الجنوبي. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ الإغلاق البحري الكامل والحدّ من دخول السلع والأغذية والأدوية لا يشكّلان إلّا عقابًا جماعيًا وفقًا لمنظمة العفو الدولية، لا سيّما عندما تتزايد الإصابات بكوفيد-19. كما أنّ تقييد دخول الفلسطينيين إلى إسرائيل من غزة كان قاتلًا في بعض الحالات، تمامًا كما حدث مع الطفل عمر ياغي الذي تم رفض طلب أسرته بالحصول على تصريح لإجراء عملية جراحية  كانت مقرّرة في مدينة رمات جان.

السجناء الفلسطينيين

سجنت إسرائيل في الأشهر الثمانية الأولى من عام 2021 أكثر من 5,500 فلسطينيًا من الرجال والنساء والأطفال، ما رفع العدد إلى نحو مليون فلسطيني محتجز منذ عام 1967. لطالما احتلّت مسألة السجناء الفلسطينيين مكانةً متقدّمة في جدول أعمال المفاوضات بين إسرائيل وفلسطين، فقد دأبت الجماعات الحقوقية على انتقاد نظام الاحتجاز لمخالفته حقوق الإنسان الأساسية والقانون الدَّولي.

ويُعدّ الاحتجاز الإداري في فلسطين أمر قانوني بموجب الأمر العسكري الإسرائيلي 1229 الصادر في عام 1988. ويسمح هذا القانون باحتجاز الأفراد لمدّة تصل إلى ستة أشهر من دون إلقاء القبض عليهم أو محاكمتهم، إذا كانت هناك “أسباب معقولة تفترض بأن أمن المنطقة أو الأمن العام يتطلّب الاحتجاز”. وكثيرًا ما يتمّ الاحتجاز على أساس معلومات سرية لا يُفصح عنها للمحتجز أو لمحاميه، بينما تُمَدّد فترات الاحتجاز في كثير من الأحيان لعدّة سنوات.

غير أنّ لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة قالت أنّ الاحتجاز “لفترات طويلة للغاية” يمكن أن يرقى إلى معاملة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة تحرم المحتجز من ضمانات أساسية، مثل الحق في الطعن في الأدلة. وتُشير التقديرات أيضًا إلى أنّ 95 بالمئة من جميع السجناء الفلسطينيين عانوا من التعذيب أو الإذلال أو الترهيب أثناء سجنهم، وكثيرون تمّ إجبارهم على الاعتراف.

ووفقًا للقانون العسكري الإسرائيلي، يمكن أيضًا احتجاز الأطفال من سن الـ 12 عامًا.وحسب المنظمة الإسرائيلية بتسيلم، 173 من أصل 4,291 من السجناء السياسيين في نهاية سبتمبر 2020 كانوا من الأطفال، حيث تتمّ معاملتهم كبالغين وكثيرًا ما يتمّ استجوابهم من دون حضور أفراد من عائلاتهم. كما أنّهم يتعرّضون للإيذاء والابتزاز الممنهج في محاولةٍ لتجنيدهم كمخبرين، ما يؤدّي أحيانًا إلى اعترافات كاذبة والتعرّض للوصمة خارج السجن.

وخلاًفا لاتفاقية جنيف الرابعة، تحتفظ السلطات الإسرائيلية أيضًا بعدد كبير من السجناء خارج الأراضي المحتلّة، بالإضافة إلى فصل السجناء حسب الانتماءات السياسية أو وضع المواطنة أو المنطقة المحلية، وذلك لزرع الانقسام بين الفلسطينيين داخل السجون.

وحاولت الحكومة الإسرائيلية على مرّ السنين فرض قيودٍ أشدّ على السجناء الفلسطينيين، ما أدّى إلى نوع من الإضرابات عن الطعام للدعوة إلى ظروف أفضل وسياسات أكثر عدالة. ومن الأمثلة الجديرة بالذكر، تحدّي الماء والملح في عام 2017؛ وهي حملة على وسائل التواصل الاجتماعية للتوعية بمعاناة الفلسطينيين المضربين عن الطعام في السجون.

ورغم أنّ مصلحة السجون الإسرائيلية (IPS) كثيرًا ما تتجاهل مطالب المضربين عن الطعام، فإنّها تدرك الإدانة العامة الأوسع نطاقًا والاهتمام الدولي. وفي تحدي الماء والملح، وافقت مصلحة السجون الإسرائيلية على ما يقرب من 80 بالمئة من طلبات السجناء، بما في ذلك تحسين العلاج الطبي ومعايير زيارة العائلات. لكنّها لم توافق على وقف الاحتجاز الإداري و تركيب الهواتف العامة.

عدد القصّر الفلسطينيين المحتجزين في السجون الإسرائيلية

الرسم البياني يظهر عدد الفلسطينيين القصّر المحتجزين في يوم محدّد. المصدر: B’TSELEM

العنف ضد الفلسطينيين

كثيرًا ما يتعرّض السكان الفلسطينيون في جميع أنحاء فلسطين للعنف على أيدي السلطات الحاكمة. بالإضافة إلى ذلك، فإنّهم يواجهون العنف الذي يمارسه المستوطنون اليهود الذين يفلتون من العقاب بدعم قوات الاحتلال؛ إمّا جيش الدفاع الإسرائيلي أو الشرطة الإسرائيلية.

الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين
يحتجز الجنود الإسرائيليون أحد المتظاهرين الفلسطينيين خلال مظاهرة ضد التوسّع الاستيطاني الإسرائيلي في قرية جبارة جنوب طولكرم في الضفة الغربية المحتلة في 1 أيلول 2020. المصدر: JAAFAR ASHTIYEH/AFP

عدد الجرحى الفلسطينيين بسبب العنف المرتكب بحقهم من قبل المستوطنين الإسرائيليين

عدد الجرحى الفلسطينيين بسبب العنف المرتكب بحقهم من قبل المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية بحلول يوم 24 نوفمبر 2021. المصدر: OCHA

لاحظ مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (UNOCHA) ارتفاع في نسبة عنف المستوطنين ضد المدنيين الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، فقد وُثِّق 771 حادثًا من أعمال عنف المستوطنين، حيث أُصيب 133 فلسطينيًا بجروح في عام 2020.  وسجّل المكتب (UNOCHA) أكثر من 210 حادث عنف من قِبل المستوطنين، بما فيها إصابة طفل فلسطيني وذلك خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2021 وحده.

وتهدف هذه الهجمات في معظمها إلى تخويف الفلسطينيين، وتأتي بدافع طموحات المستوطنين للاستيلاء على الأرض ما قد يحرم الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم والعمل فيها، وبالتالي إلحاق الضرر بهذه الممتلكات التي تساعدهم على كسب عيشهم. ولاحظت منظّمة حقوق الإنسان الإسرائيلية، ييش دين، نقصًا فادحًا في تدخّل السلطات، حيث تمّ إغلاق 91 بالمئة من الحالات التي تم التحقيق فيها من هذه الجرائم خلال الفترة ما بين 2005-2019 من دون توجيه أيّ اتّهام.

والعنف متواجد بشكل خاص كل عام أثناء حصاد الزيتون، وهو أحد أوقات السنة أهميةً للفلسطينيين وخاصةً من الناحية الاقتصادية. وحتى عندما انخفض عدد الحوادث خلال هذه الفترة، ظهر العنف بحجم أكبر مع أعمال السرقة والتخريب والتهديد والتعطيل والهجمات العنيفة. واستخدم الجنود بوابات بحواجز اعتراضية في الجدار الفاصل لمنع الفلسطينيون من الوصول إلى أراضيهم الزراعية، فضلًا عن الضرب بشكل كبير وإطلاق القنابل اليدوية على المزارعين.

واستخدم كلٌّ من الجيش والشرطة الإسرائيلية في أوقات أخرى من السنة القوّة المفرطة وغير الضرورية ضد الفلسطينيين. وأشارت منظّمة العفو الدولية في تقرير سنوي إلى أنّ القوات العسكرية وقوات الأمن قتلت ما لا يقلّ عن 31 فلسطينيًا، من بينهم تسعة أطفال، في عام 2020 في قطاع غزّة والضفة الغربية.

مع ذلك، إنّ السلطة الفلسطينية كانت أيضًا مذنبة بارتكاب عمليات قمع وحشية ومفرطة ضدّ من يعارضون أفعالها. فعلى سبيل المثال، إنّ الاحتجاجات السلمية التي جرت في حزيران وتموز 2021، والتي أعقبت وفاة الناشط الفلسطيني البارز نزار بنات، تصاعدت بعد أن شنّت الشرطة والموالون لحركة فتح اعتداءات جسدية على المتظاهرين استهدفت الصحفيين والناشطين في مجال حقوق الإنسان، الذين يوثّقون الاحتجاجات بشكل خاص.

وتقوم حماس أيضًا باعتقال وتعذيب المنتقدين والمعارضين المسالمين في قطاع غزة بشكل روتيني، وفقًا لمنظّمة هيومن رايتس ووتش. وفي بعض الأحيان، تحتجز حماس المعتقلين لساعات، وفي غضون ذلك الوقت تستخدم سلطتها من خلال السخرية من المحتجزين وتهديدهم وضربهم وتعذيبهم كعقاب لهم ولمنع انتقادات الحكومة.

ولم تترك هذه الانتهاكات سوى أماكن قليلة يمكن فيها للفلسطينيين تجنُّب الانتقاص من حقوقهم.

أحدث المقالات