وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

الحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة: التاريخ والتجارب

الحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة تلعب دوراً سياسياً واجتماعياً بارزاً في صياغة شكل النضال الوطني ضد الاحتلال الإسرائيلي.

الحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة
صورة تم التقاطها في مدينة غزة يوم 17 إبريل 2023 لرجلٍ فلسطيني وهو يمر بجانب لوحة غرافيتي يظهر فيها الأسير الفلسطيني المضرب عن الطعام في السجون الإسرائيلية عدنان خضر. المصدر: MOHAMMED ABED / AFP.

يوسف م. شرقاوي

للحركة الفلسطينية الأسيرة دورٌ بارز في التاريخ الفلسطيني، قديماً وحديثاً. كما كان لها أثرٌ كبير في تحريك الشارع الفلسطيني وصنع الرأي العام عبر ما تقوم به من نشاطات وتتخذه من مواقف على المستويات السياسية والثقافية والمجتمعية.

ورغم الصعوبات التي واجهتها، فقد أضافت الحركة الأسيرة، منذ نشوئها، قيمةً كبيرة إلى القضية الفلسطينية. ويُحسب للحركة أنها رفضت كل الانقسامات في فلسطين، ودعت إلى تجربة ديمقراطية ووفاق بين الفصائل الفلسطينية كلها.

التاريخ والنشأة

يقصد بمصطلح الحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة “جموع الأسرى والأسيرات الذين دخلوا السجون، وخاصة بعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة من قبل إسرائيل عام 1967 إلى الآن”.

ووفقاً للمؤرخ رأفت حمدونة، فإن المصطلح يشمل الأسيرات اللواتي عايشن تجربة الأسر”. وكما هو معروف، فقد اعتقلت إسرائيل، منذ بدء احتلال فلسطين، “آلاف النساء من بينهن أمهات وقاصرات وكبيرات سن، شاركن في المقاومة، ورفعن أصواتهن عالياً مطالبات باسترداد حقوقهن المغتصبة وأرضهن السليبة”.

في دراسةٍ بحثية جامعية نشرها بعنوان “تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة”، يقول حمدونة إنّ جذور تاريخ الحركة لا تنحصر في عام 1967، بل تعود لفترة الانتداب البريطاني لفلسطين. ففي عام 1930، سجن البريطانيون الثوار وأعدموهم في سجن عكا. ومن هؤلاء عطا الزير ومحمد جمجوم وفؤاد حجازي. وفي عام 1937، أعدمت قوات الانتداب فرحان السعدي بعد فترة من اعتقاله. ونفس الأمر حصل في عام 1939 مع يوسف أبو درّة جرادات.

عضو لجنة الأسرى للقوى الوطنية والإسلامية عبد القادر إدريس يتوافق مع حمدونة في تأريخه للحركة الأسيرة الفلسطينية. وفي حديثٍ خاص مع فنك، قال إدريس: “أصدرت قوات الانتداب البريطاني في عام 1930 مجموعةً من الأحكام التعسفية بالمؤبد بحق 23 ثائراً ومناضلاً فلسطينياً.

يضاف إلى ذلك حملة اعتقالات تعسفية نفذتها بحقّ أبناء الشعب الفلسطيني في القدس وعكا وصفد والخليل وفي كافة المناطق الفلسطينية. وطال الاعتقال الإداري وتجديد الاعتقال الإداري عدداً كبيراً من الفلسطينيين. ولا يزال الاحتلال الإسرائيلي يستخدم هذا الأمر العسكري البريطاني في الاعتقال الإداري كسيف مسلّط على رقاب أبناء الشعب الفلسطيني”.

عبد الفتاح دولة، وهو باحثٌ مختص في شؤون الأسرى، أكد لفنك أنّ السنوات الأولى للحركة كانت صعبة. وبحسب دولة الذي أمضى 12 سنة في الأسر، فإن الممارسات القمعية الإسرائيلية من أقسى ما يُمارس بحق الإنسانية. ويقول دولة إن: “سياسة إدارة سجون الاحتلال بُنيت على أساس قتل روح الأسير الفلسطيني وإفراغه من محتواه النضالي والوطني والفكري، وتحطيمه داخلياً”.

ويضيف: “كانت الحركة بحاجة إلى حالة وطنية نضالية ومواجهة داخل السجن تتناسب مع إمكانيات وقدرات الأسرى. كلّ ذلك من أجل إعادة الاعتبار لكرامة الأسير وتوفير ظروف حياة معيشية أفضل للأسى. ومع أواخر السبعينات وبداية الثمانينات، انتفض الأسرى على الحالة المهينة التي كانوا فيها. وعلى ذلك، نهجت الحركة النضال داخل السجون لتغيير الواقع. وبنت الحركة نظامها الداخلي على التعليم والثقافة والعمل الجماعي الموحد. وعلى هذا الأساس، فقد تمكنت من تنظيم الإضرابات المفتوحة عن الطعام، أو ما يُعرف بمعركة الأمعاء الخاوية. وأعادت الحركة بفضل هذه المعركة إعادة الاعتبار لما تمثّله من حالة نضالية ووطنية”.

ويروي دولة لفنك ظروف الأسر المهينة والصعبة التي عاناها الأسرى في تلك المرحلة. ويقول إنّ المراسلات الأولى بين الأسرى بدأت على ورق القصدير المرفق بعلب التبغ، حيث حاول الأسرى تهريب أنابيب الأقلام بواسطة محاميهم.

ويضيف: “كانت المراسلات سرّية وعلى درجة كبيرة من الصعوبة، إلى حين قرار الأسرى خوض معركة الأمعاء الخاوية لتنظيم صفوفهم. وعندما فرضت الحركة الأسيرة نفسها كتنظيم على إدارة السجون، اضطرت الإدارة للتعامل مع ممثل للأسرى عوضاً عن الاستفراد بكلّ أسير على حدة، في محاولة منها لتفريغه من إرادته وتعذيبه نفسياً وبمختلف الوسائل”.

تحويل السجن لأكاديمية

الحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة تغلّبت على كل ظروف القمع المطبقة في السجون الإسرائيلية. واستطاعت الحركة تحويل السجن إلى مكانٍ يستطيع فيه الأسرى متابعة تحصيلهم العلمي والثقافي. وفي هذا الصدد، يقول عبد القادر إدريس: “على مدار عشرات السنين من النضال والتضحيات، حققت الحركة الكثير من الإنجازات التي يحاول الاحتلال الإسرائيلي ويعمل على مدار الساعة لسرقتها. ومن تلك الممارسات حرمان الأسرى من أبسط الحقوق الإنسانية التي كفلتها الأعراف والاتفاقات الدولية والإنسانية مثل الحق في التعليم”.

ويضيف: “حققت الحركة الكثير من الإنجازات العلمية والثقافية، حيث تمكنت من تحويل الزنازين إلى قلاع وحصون وأكاديميات علمية وثقافية. وحصل المئات من الأسرى والأسيرات على شهادة الثانوية العامة وعلى درجة البكالوريوس والماجستير والدكتوراه وهم خلف القضبان. وأثناء التواجد في السجون، أصدر العديد من الأسرى دراساتٍ كثيرة حول تجاربهم الاعتقالية في السجون الإسرائيلية. كما نشر عددٌ كبير من الأسرى الروايات والقصص الإنسانية ودواوين الشعر”.

ومن الأسرى الذين قدموا مساهمات علمية وثقافية بارزة المفكر الأسير وليد نمر دقة المعتقل منذ مارس 1986. وتجدر الإشارة إلى أنّ دقة يعاني من مرض السرطان في النخاع ومن الإهمال الطبي الإسرائيلي المتعمد.

ومن الأمثلة البارزة أيضاً الأسير باسم خندقجي. واستطاع خندقجي أثناء تواجده في السجون الإسرائيلية وخارجها من تزويد المكتبة الوطنية الفلسطينية بمجموعةٍ كبيرة من دواوين الشعر. وتتحدث هذه الدواوين عن التغريبة الفلسطينية وآلام وآمال الأسرى. كما تضم القائمة ناصر الشاويش وناصر أبو سرور.

بدوره، سرد عبد الفتاح دولة لفنك جوانب ممّا تواجهه الحركة الأسيرة من تحديات على مستوى تعزيز التحصيل العلمي والثقافي للأسرى في السجون الإسرائيلية.

وقال دولة: “في الحركة الأسيرة الفرد من أجل الكل والكل من أجل الفرد. ومن المستحيل أن يدخل أسير السجون الإسرائيلية وهو أمّي، ويخرج كما دخل. وعند دخول الأسير للسجن، تستقبله لجنةٌ مختصة تفحص مستواه التعليمي والثقافي. وإن كان أمياً، تعتني به لجنة محو الأمية، ثم يتدرّج في التعليم حتى يصبح قادراً على كتابة تعميم وقراءة نشرة اعتقالية. ويتدرج الأسير بعد ذلك في التعليم الأكاديمي. وساعد على ذلك دخول جامعة القدس المفتوحة إلى السجن عبر تشكيل طواقم تعليمية قادرة على فتح فروع وفق نظام الجامعة. واليوم توجد إمكانية لدراسة الماجستير في السجون ويديرها الأسير مروان البرغوثي”.

ويضيف دولة: “كانت حالة التعبئة الثقافية والنضالية واحدة من أهم الحالات التي اعتنت بها الحركة الأسيرة. وحاولت إدارة سجون الاحتلال منع حالة الثقافة والوعي والتعليم عن الأسرى من باب عملية التجهيل التي حاولت ممارستها، لكنها فشلت في ذلك”.

ويقول دولة لفنك: “كان أول مطلب للحركة الأسيرة في السجون هو الورقة والقلم وإدخال الكتاب. ولمّا ظلت هذه المواد مُلاحقة، لم تتوانَ الحركة عن استخدام التهريب عن طريق الكبسولة. والكسبولة ورقةٌ صغيرة جداً وناعمة، يُكتب عليها بخطٍّ صغير، ويتم لفّها حتى يصبح حجمها بحجم كبسولة الدواء، ثم تُغلَّف ببلاستيك وتُسيَّح، ثم يبتلعها الأسير ويُخرجها بعد أن يتحرر، دون أن يتعرض لضرر”.

وبحسب دولة، تعتبر اللجان الثقافية أهم لجان الأسرى. وتقوم هذه اللجان بتعليم الأسير أدبيات الثورة والمسلكية الثورية وتحفيظه إياها عن ظهر قلب، إلى جانب الدراسات الأكاديمية والفلسفة والشعر والأدب.

ويضيف: “عندما نمّى الأسير قدراته على صعيد الثقافة، انطلق لقضايا أخرى. وعند قراءته الأدب والشعر، صارت لديه قدرات أكبر. واليوم، يتواجد داخل سجون الاحتلال أسرى يُعدّون من أهم الكتّاب الفلسطينيين، ويصلح إنتاجهم ليكون في مقدمة الأدب الروائي العربي”.

الأسير والمجتمع

المعتقل يفصل الأسير فصلاً تاماً عن محيطه الاجتماعي. ومع ذلك، يصر الأسرى على النضال ليكونوا جزءاً أصيلاً من الحالة الفلسطينية العامة حتى وهم داخل سجونهم، ليصبحوا، بعد تحريرهم، جزءاً من الحالة السياسية والاجتماعية والوطنية.

ويقول عبد الفتاح دولة في هذا الصدد: “الأسير منفصل اجتماعياً، يزوره أهله مرة كل شهر لمدة 45 دقيقة. ويوجد كثيرٌ من الأسرى ممنوعون من هذه الزيارة. لكن رغم هذه المساحة المحدودة في تواصل الأسير مع الخارج، يبقى الأسير مهتماً بالمحيط الاجتماعي، لا سيما إذا كان أسيراً ملاحقاً من قبل. في هذه الحالة، يكون على يقين أنّ الحاضنة المجتمعية هي التي ستحميه كما حمته من قبل. ويبقى ذلك في ذاكرته”.

ويضيف: “عند حدوث إضراب داخل السجن، يحدث حراكٌ وطني عام في كلّ الساحات الفلسطينية. وغالباً ما يجبر هذا الحراك إدارة السجون الإسرائيلية على تنفيذ مطالب الأسرى”.

وعلى مستوى مكانة الأسير في المجتمع الفلسطيني، يقول دولة: “يقدّر المجتمع الفلسطيني الأسرى إلى حد كبير، إذ كثيراً ما ساهمت رسائل الحركة الأسيرة في حلّ إشكالات هذا المجتمع وقضاياه”.

وعند وقوع الانقسام السياسي والإداري الفلسطيني، تقدمت الحركة الأسيرة بتصور للحل من داخل السجون الإسرائيلية. وبحسب دولة، فإن وثيقة الوفاق الوطني التي اقترحتها الحركة وعلى رأسها مروان البرغوثي وقيادات الفصائل داخل السجون “الوحيدة الصالحة حتى اللحظة لتكون مخرجاً من الانقسام الفلسطيني”.

صناعة القرار

يرى عبد الفتاح دولة أن الأسرى “جزءٌ أصيل من صناعة القرار الفلسطيني، لأنهم أوّل المبادرين إلى صنع شيء ما على المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية”. ويقول دولة في هذا الصدد: “لطالما كان الأسرى المحررين في صفوف قيادة الحركة النضالية والسياسية. ولعب الأسرى دوراً هاماً للغاية في صناعة القرار وتحريك الساحة الفلسطينية نضالياً، وهم أساس في الحالة السياسية والنضالية والاجتماعية”.

واستطاعت الحركة الأسيرة أن تكسر قرارات وقوانين وسياسات إدارة مصلحة السجون الإسرائيلية عبر الإضرابات المفتوحة عن الطعام. وقضى في تلك الإضرابات عددٌ من الأسرى، كان آخرهم خضر عدنان الذي خاض إضراباً لمدة 86 يوماً رفضاً لاعتقاله تعسفياً. وسبق لعدنان خوض إضرابات شهيرة رفضاً للاعتقال الإداري دون تهمة.

وفي عام 1980، استشهد ثلاثة أسرى في سجن نفحة الصحراوي بعد قيام إدارة مصلحة السجون الإسرائيلية بتغذيتهم قسرياً. وكان هؤلاء راسم حلاوة وعلي الجعفري وإسحق مراغة.
وبخوض معركة الأمعاء الخاوية، تمكنت الحركة الأسيرة من إبقاء القضية حاضرة عنواناً بارزاً ورئيسياً في الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي وأن تحقق التفاف الجماهير حولها لتظل قضيتهم الأعدل والأنبل في تاريخ النضال من أجل الحرية والاستقلال.

يذكر أن الفلسطينيين يحيون يوم 17 إبريل كيوم للأسير الفلسطيني. وبحسب آخر إحصاءات مؤسسات الأسرى، تواصل سلطات الاحتلال اعتقال نحو 4900 أسيراً وأسيرة، بينهم 31 أسيرة، و160 طفلاً تقلّ أعمارهم عن 18 عاماً.

ويبلغ عدد الأسرى المعتقلين قبل توقيع اتفاق أوسلو 23 أسيراً. كما تضم القائمة 11 أسيراً محرراً عاودت إسرائيل اعتقالهم في عام 2014 وذلك بعد تحريرهم في صفقةٍ تم عقدها في عام 2011 لتبادل الأسرى.

يُذكر أنّ عدد “عمداء الأسرى”، أي الذين أمضوا في السجن أكثر من 20 عاماً، يبلغ قرابة 400 أسيراً.

Advertisement
Fanack Water Palestine