تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

سوريا: نشأة القومية العربية

شهدت العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر نهضة الهوية العربية. وساهم في هذا عوامل عديدة. خضعت السلطة المركزية للإمبراطورية العثمانية لتعديلات ملحوظة. تم تحديث البنى، وجعلها ديمقراطية إلى حد ما، وفي نفس الوقت شددت الإمبراطورية قبضتها على مناطق صعبة المراس مثل سوريا. شملت التحديثات سلسلة من الإصلاحات دعيت بـ “التنظيمات”، وذلك بعد تنصيب سلطان اسطنبول الجديد عبد الحميد الثاني عام 1876.

سوريا الكبرى
سوريا الكبرى او سوريا الطبيعية. @Fanack

 كانت الإصلاحات الأكثر أهمية اعتماد دستور وإنشاء برلمان، والذي كان من المفترض على جميع الولايات في الإمبراطورية إيفاد ممثلين إليه.

في وقت سابق، وبعد أعمال العنف عام 1860، تم عزل جبل لبنان عن المحافظات – دمشق وصيدا – وتحويله إلى إقليم مستقل. ووحدت ولاية سوريا حديثة التشكيل ولايتي دمشق وصيدا السابقتين، ولكن ليس حلب – شملت الجزء الأوسط والجنوبي
من سوريا الحالية، بالإضافة إلى فلسطين والأردن الحالي، وجزء كبير من لبنان الحالي، باستثناء جبل لبنان. وكانت الحدود بين الإقليمين التي تم تشكيلهما حديثاً غير واضحة، مما أدى إلى وقوع حوادث متكررة.

نشأة القومية العربية

استمر الزعماء الإقطاعيون ببسط نفوذهم في جبل لبنان في ظل الوضع الجديد. وبالتالي، كان من مصلحتهم تأييد هذا الدستور الجديد، رغم المشاكل الاقتصادية التي سببها، لأن الإقليم أصبح منفصلاً تماماً عن وادي البقاع الخصيب والمدن الساحلية المزدهرة. لهذا السبب، رفض زعماء الإقطاع إيفاد ممثلين إلى اسطنبول، معارضين الإصلاحات التي أصدرها الوزير الكبير – الإصلاحات التي كان من المفترض أن تُبطل، من بين الأمور الأخرى، الوضع الخاص لجبل لبنان وتعلن الحقوق والواجبات المتساوية لكل رعايا السلطان. وكرد الفعل على كل هذه التغييرات التي تم فرضها عليهم، بدأ رعايا السلطان العرب بالتأكيد على هويتهم العربية، وكالأمم الأخرى ضمن الإمبراطورية، بدؤوا يفكرون في استقلالهم. تزايد هذا الشعور عندما بدأ بعض الحكام الأتراك باستغلال المقاطعات التي كانوا يحكمونها وأصبحت الظروف الاقتصادية قاسية. وسرعان ما انتشرت حركة “القومية العربية” هذه، والتي غالباً ما يشار إليها بـ “النهضة”، بين النخبة الفكرية، ولاسيما في بيروت الفائرة. ولعب المسيحيون – الذين تعلموا إما عند الآباء اليسوعيين الفرنسيين أو الإرساليات البروتستانتية الناطقة بالإنكليزية – دوراً هاماً في حركة النهضة، مع أنها أخذت بعداً دينياً في وقت لاحق. وانطلقت العديد من الصحف في النصف الأخير من القرن التاسع عشر – البعض منها لا تزال موجودة. وعندما كانت الرقابة في بيروت تصبح عنيفة جداً، كان الكتّاب والصحفيون يلجأون إلى القاهرة. نشرت هذه الصحف فكرة الهوية السورية فضلاً عن القومية العربية.

على الرغم من معارضة زعماء الإقطاع للإصلاحات، تم إجراء انتخابات في الأقاليم العربية كما في مناطق أخرى من الإمبراطورية العثمانية. بالنسبة للممثلين الجدد في البرلمان التركي، ومن بينهم القوميون العرب، كانت هذه وسيلة للتعلم . إلا أن وصول تركيا الفتاة القومية إلى السلطة عام 1908، والتي كانت سياستها “التتريك” وجعل الإدارة مركزية بدلاً من إضفاء الطابع الديمقراطي عليها، وضع حداً للإصلاحات السابقة. وهذا بدوره عزز حركة القومية العربية.

عام 1913، عقد مؤتمر العرب في باريس، وقد حاول الشبان الأتراك منع انعقاده، لكنهم لم يفلحوا. طالب المؤتمر، الذي حضره ممثلون من العراق وسوريا ولبنان ودول عربية أخرى، بإجراء إصلاحات في البلاد. وجاء الرد الوحيد من جانب الحكومة التركية بعد مضي عام كامل، وذلك عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى وانضمت تركيا إلى ألمانيا والنمسا-هنغاريا ضد فرنسا وبريطانيا وروسيا (حتى قيام الثورة الروسية عام 1917). وتضمن الرد بشكل أساسي إرسال قوات إلى لبنان.

الثورة العربية

كانت آخر سنوات الحكم التركي قاسية. فقد عمت المجاعة وأُعدم العديد من الزعماء الشعبيين شنقاً، معظمهم في 6 أيار/مايو عام 1916. وبعد شهر، أشعل الشريف حسين بن علي حاكم مكة والمدينة فتيل الثورة العربية على نحو رمزي، والتي أدت إلى هزيمة الجيش العثماني في نهاية المطاف، ليس في شبه الجزيرة العربية فحسب، بل أيضاً في فلسطين وباقي بلاد الشام. وتحقيقاً لهذه الغاية – وحال كونه وُعِدَ بأن يصير ملكاً على شبه الجزيرة العربية – انضم فيصل وعبد الله ابنا الشريف حسين إلى القوات البريطانية. وعندما قامت الثورة البلشفية في روسيا عام 1917 والتي أنهت دور روسيا في الحرب، استعاد الأتراك قوتهم. وفي نهاية المطاف، وفي خريف 1918، منيت القوات التركية بالهزيمة في بلاد الشام على أيدي القوات العربية والبريطانية والفرنسية. وفي 30 أكتوبر/تشرين الأول عام 1918، تم التوقيع على هدنة بين الجانبين.