تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
ابحث في fanack.com
Please enter search keyword.

أسلمة الثورة السورية (2011-2014)

أسلمة الثورة السورية
متظاهرون سوريون يغنّون ويرقصون وهم يلوحون بعلمٍ إسلامي خلال مظاهرة مناهضة للنظام في مدينة حلب الشمالية في 22 مارس عام 2013.

المقدمة


خلال النصف الأوّل من عقد الثمانينات من القرن الماضي، سقطت حركة الإخوان المسلمين داخل سوريا في عهد الرئيس السوري السابق حافظ الأسد. وشنّ الأخير حربًا دامية ضد الحركة، كانت أبرز محطّاتها مجزرة ارتكبها النظام السوري في مدينة حماة عام 1982. وبعد ذلك، لم يستطِع أي تنظيم أو تجمّع إسلامي أن يعمل داخل سوريا خارج إطار السلطة الرسمية السوريّة. 

واتّسعت رقعة الحراك المعارض للنظام السوري في صيف عام 2011، ولحق ذلك تكوّن مناطق خارجة عن سلطة حكومة دمشق. وإثر ذلك، كانت البيئة مواتية لنشوء توجّهات إسلامية مختلفة داخل التجمّعات المعارضة للنظام السوري، بشقّها المدني السلمي أوّلًا ثم العسكري، بعد بداية العمل المسلّح المعارض في المناطق السورية.


ويمكن ببساطة ملاحظة  وجود رأيَيْن مختلفَيْن كليًا ضمن التجمّعات المعارِضة للنظام السوري منذ انطلاقة الحراك المناهض للنظام. الرأي الأوّل يرفض توصيف الحراك بأنه إسلامي، وهو صادر عن تجمّعات وأفراد معارضين ذوي توجّهات ليبرالية أو يسارية أو غير مؤدلجة بأي أيديولوجية. أما الرأي الثاني فيؤكّد إسلامية الحراك متمسكًا بانطلاقه من المساجد، وبترديد المشاركين في المظاهرات شعارات ذات مرجعيةٍ إسلامية. 

ويقودنا تعدُّد الآراء للقول أن الحراك لم يكن مُنَظَّمًا تحت قيادةٍ واحدة ذات مرجعية محدّدة. كما أن بداية إيجاد هياكل مدنية وعسكرية منظّمة خارج نطاق سيطرة النظام السوري، هو ما قاد بشكل طبيعي إلى وجود توجّه إسلامي واضح في بعضها. وتعود أسباب ذلك إلى أن غالبية المعارضين كانوا ينتمون لمناطق سنّية محافظة، ويتعرّضون لقصفٍ وحصارٍ من قِبَل النظام السوري. وفي ما بعد، وصل الحال بالتوجّه الإسلامي إلى أن يسيطر على المشهد السياسي والعسكري.

بداية الأسلمة 


في سبتمبر عام 2011، أي بعد مرور حوالي ستة أشهر على اندلاع الاحتجاجات ضد النظام السوري في مختلف الشوارع السورية، تأسّس كيانٌ سياسي معارض تحت اسم المجلس الأعلى لقيادة الثورة السورية (فيما يلي: المجلس الأعلى). وهو من أوائل الأجسام السياسية التي أحدثت إثر الثورة، وكان سابقًا للمجلس الوطني السوري.

وبعد فترةٍ قصيرةٍ من تأسيسه، تعاون المجلس الأعلى في نهايات عام 2011 مع فصائل مسلّحة ذات توجّه إسلامي، كانت قد بدأت بالتشكّل في مناطق من حمص وريف دمشق. وبحسب مركز مالكوم كير – كارنيجي للأبحاث، ضمّ المجلس أعضاءَ ذوي خلفية إسلامية، ما أدى إلى دعم المجلس لفصائل متشدّدة. 


وعزّزت القوى الإسلامية المسلّحة، والتي ازداد حضورها وقوّتها مع دخول عام 2012، من التوجّه الإسلامي المتشدّد بشكل عام. ويعود هذا الحضور بدرجة أساسية إلى أن دعم تلك القوى جاء من دولٍ ذات توجّهات إسلامية محافظة مثل قطر والسعودية وتركيا، حيث كان كل منها يدعم فصائل عسكرية. كما كانت هناك أحزاب وأفراد موجودة في تلك الدول تدعم بعض القوى الإسلامية في سوريا.

وتدرّجت الفصائل في مستوى تشدّدها بين إسلامي محافظ وجهادي متشدّد. وساعد على ذلك أيضًا إطلاق النظام السوري سراح شخصيات إسلامية متشدّدة كانت تقبع في سجونه، حيث أصبحت تلك الشخصيات في ما بعد قيادية عسكرية متشدّدة في مناطقها.

معارضة سياسية لا تمثّل الحراك


شهد العمل السياسي المعارض في سوريا بعد بداية الثورة جسْمَيْن معارضَيْن أساسيَّيْن، بُنِيَ ثانيهما على أنقاض الأوّل. ومن الانتقادات التي وُجِّهَت للجسمَيْن في ما بعد أنّهما تكوّنا خارج سوريا وبعيدًا عن مركز الصراع الأساسي.

الجسم الأوّل كان المجلس الوطني السوري الذي تأسّس في أكتوبر عام 2011. والجسم الثاني كان الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية (فيما يلي: الائتلاف الوطني) الذي تأسّس في نوفمبر عام 2012، ويستمر حتى اليوم. ولاقى الكيانان انتقادات شديدة من مختلف القوى المعارضة في الداخل السوري، فضلًا عن اتّهامات باتّباع أجندات خارجية، والسعي وراء المكاسب الشخصية. وكان ذلك في ظلّ تزايد أزمات الداخل، من قصفٍ يستهدف المدن الخارجة عن سيطرة النظام، إلى تزايد أعداد النازحين واللاجئين، وتعرضّهم لظروفٍ إنسانيةٍ قاسيةٍ لم تستطع القوى السياسية التصدي لها.


ومن أهمّ مهام الائتلاف الوطني المعارض هو إشرافه على عمل الفصائل العسكرية المندرجة ضمن الجيش السوري الحر. وبدأت الفصائل بالتزايد مع ازدياد أعداد المنشقّين عن الجيش السوري، وتشكُّل مجموعات مسلّحة محليّة تضم شبانًا من أبناء المناطق التي تتعرّض للقصف والحصار، وأبناء المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام. وفي مارس عام 2012، أُنشِئ مكتب عسكري ضمن الائتلاف المعارض لدعم الجيش الحرّ وتنظيم عمله. وبدأت مهمّة تمويل وتسليح الجيش الحرّ تبدو أحد أهم مهام التجمّع المعارض. وكانت مشكلة تأمين الدعم العسكري واحدة من أكبر المشاكل التي واجهها، متضمّنةً إقناع الداعمين بقدرة المجلس على السيطرة على الفصائل العسكرية، وتوجيه السلاح إلى مكانه الصحيح، الذي يرضي الداعم.


ولم يستطِع الائتلاف السيطرة على جميع الفصائل المُشكَّلة، خاصةً في الشمال السوري، حيث كانت تنشأ بشكل مستمر فصائل أغلبها ذات طابع إسلامي. وتبنّت هذه الفصائل أدبيّات ذات مرجعية إسلامية، من أسماء الفصائل، إلى شعاراتها، وأسماء المعارك التي تخوضها، وأسماء القياديين ومظهرهم. كما قامت بتصنيف الأعداء بناءً على مرجعيةٍ شرعيةٍ، بين مرتدّين وزناديق وكفّار. والأهم من ذلك كله، كانت نُظُم الإدارة التي صنعتها هذه الفصائل في ما بعد تعتمد الشريعة الإسلامية المحافظة.

ومارست الفصائل أعمالها العسكرية من دون إشرافٍ أو تنسيقٍ مع الائتلاف، ومن دون تنسيق في أغلب الأحيان مع قيادات المكاتب العسكرية التابعة للجيش الحر. وحتى داخل الجيش الحر بدأت انقساماتٍ بين الفصائل، حيث وُجِّهت اتهامات للائتلاف بأنّه يقوم بإمداد بعض الفصائل أكثر من غيرها، خاصةً تلك الإسلامية المقرَّبة من دولة قطر. وبذلك بدأ مشهد الانقسامات بين الفصائل يظهر للعيان، وتسارعت قوّتها الإسلامية، وبدأت تظهر بأنّها الأقدر على المواجهة العسكرية ضد الجيش السوري.

وفي تلك الأثناء، كانت هناك قوّة جهادية إسلاميّة يتزايد حضورها في مناطق من سوريا. وهي “جبهة النصرة” التي سيصبح اسمها في ما بعد “جبهة فتح الشام”، ثم “هيئة تحرير الشام”. والجبهة هي قوّة جهادية تأسّست في شهر يناير عام 2012، ثم بدأت بالتنامي. وكان حضور هذا الفصيل يتزايد في الإعلام وعلى ألسنة الناس بالتزامن مع عملياتٍ انتحارية كان ينفّذها ويستهدف فيها مقارًا تابعة للنظام السوري في حلب ودمشق ودير الزور وغيرها من المناطق السورية.  

وفي الجانب المدني أيضًا، بدأ يتوضّح حضور القوى الإسلامية في المناطق الخارجة عن سيطرة النّظام، والتي كان من المطلوب تنظيم العمل المدني فيها سريعًا. وكان ذلك يجري في ظل الفراغ السياسي والأمني والقانوني الذي بدأت تعيشه بعد خروج النظام منها. وهذا ما أدى في أحيانٍ كثيرة إلى تسليم زمام الأمور لفئاتٍ وأشخاصٍ غير مؤهّلين من أبناء المناطق. 

وعلى الصعيد القانوني، بدأ ظهور محاكم إسلامية تتّبع الشريعة في بعض المناطق، يرأسها أحيانًا شيوخ محليّون، وتستعين بالفصائل الإسلامية المتواجدة في تلك المناطق لتطبيق قراراتها. وبدأت تلك المحاكم بالاصطدام مع التشكيلات المدنية التابعة للائتلاف. وبذلك بدت صورة المناطق الخارجة عن سيطرة النظام بشكل عام، ضبابية مضطربة، توحي باصطدامات قادمة. وظهر أن رايات جديدة سوف تُرفَع، لكل منها انتماء، وتعبّر جميعها عن مستقبل لم يكن ينتظره أبناء تلك المناطق.

2013 عام الفصائل الإسلامية



منذ أواخر عام 2012، بدأت سلطة الفصائل ذات التوجّه الإسلامي بالتزايد. وبدأت تظهر على وسائل الإعلام اجتماعات بين قادتها. وغالبًا ما تعرّضت الفصائل لانتقاداتٍ من قِبَل جهات متعدّدة ترفض إظهار الثوّار ضدّ النظام السوري على أنّهم فصائل متشدّدة. ومن بينها الائتلاف الوطني المعارض الذي انتقدته الفصائل الإسلامية المشكّلة ولم تعترف به. وكانت تلك الفصائل ترفض قيادة الائتلاف وتمثيله للشعب السوري. وجاء ذلك على لسان أكبر قيادات الفصائل علنًا.

أسلمة الثورة السورية
مقاتلٌ تركيٌّ من جماعة جبهة النصرة الجهادية يرفع علم القاعدة على سترته، ويتولى منصبه مع رفاقه في 4 أبريل عام 2013 في قرية عزيزة السورية في الضواحي الجنوبية لحلب.

وفي الوقت ذاته، بدأت تظهر للعيان الخلافات بين الفصائل المعارضة، على شكل اشتباكات متقطّعة أصبحت في ما بعد معارك حامية الوطيس. وتعدّدت أسباب الخلافات بين عدم الاتفاق على مناطق السيطرة، واختلاف الجهات الداعمة لكل فصيل عن الآخر، بالإضافة إلى محاولة كسب فصيل لمزيد من الدعم من خلال القضاء على الآخر. وببساطة، يمكن القول أن الحرب ضدّ التنظيمات الأشد تطرّفًا ستأتي بدعمٍ عسكري للفصيل الذي سيحارب تلك التنظيمات.

 

وكانت تلك الاشتباكات بين فصائل الجيش السوري الحرّ وجبهة النصرة، التي كانت قد أعلنت في أبريل عام 2013 مبايعتها لتنظيم القاعدة الجهادي. كما كانت هناك معارك بين كتائب إسلامية محافظة وبين النصرة، التي بدأت تظهر كأقوى فصيل، خاصةً في الشمال السوري. وأثارت قوّة الجبهة مخاوف مختلف القوى، سواء الجيش الحرّ أو الفصائل الإسلامية الأخرى، حيث بدأ يظهر للعيان أن اشتباكات جانبية تحوّلت لتصبح معارك أساسية في مناطق عدّة من سوريا. وكانت فوّهات البنادق حينها غير متّجهة للنظام السوري كما هو مفترض.


وفي 22 نوفمبر عام 2013، توحّدت كُبرى الفصائل الإسلامية المعارضة تحت اسم “الجبهة الإسلامية”، وذلك من خلال بيان نُشر على وسائل الإعلام. وكان من اللّافت أن الجبهة أعطت نفسها توصيفًا سياسيًا، إلى جانب التوصيف العسكري. ويشير هذا إلى أن دورها لا يقتصر على القتال فحسب، بل ستكون متواجدةً في حكم المناطق التي تنتشر فيها فصائلها، والتي تكاد تغطي مجمل مناطق سيطرة المعارضة في الجغرافيا السورية. ولم تعلن تلك الجبهة موقفًا واضحًا من الائتلاف الوطني حينها، ما فُسِّر بأن بعض فصائل الجبهة ما زالت مرتبطة بقيادة أركان الجيش الحرّ التي يديرها الائتلاف، والتي تلقى دعمًا أمريكيًا وسعوديًا. 

ولم تخضع المناطق السورية الخارجة عن سيطرة النظام لحكمٍ موحّد، بل كان لكل فصيل سلطة شبه مطلقة على منطقة تواجده. فجيش الإسلام أحكم السيطرة في غوطة دمشق الشرقية بريف العاصمة. وحركة أحرار الشام ولواء التوحيد وجبهة النصرة أحكموا سيطرتهم في مناطق من حلب وإدلب وحمص وحماة. وكذا بقية الفصائل كانت لها سلطتها على مناطق تواجدها. وكانت تلك السلطة مباشرة حينًا وغير مباشرة أحيانًا أخرى، تقوم على ارتباطات لمجالس الحكم المحلية بقادة القوى العسكرية المسيطرة. وفي هذا السياق، اختلفت طُرُق الحكم نسبيًا بين حكم إسلامي محافظ، وآخر متشدّد، وغيره أكثر تشددًا. 

حرب الفصائل

 

مع اشتداد قوّة الفصائل الإسلامية وتعدّدها، واختلاف المصادر التي تعتمد عليها في اقتصادها وتسليحها، ووجود خطوط تماس وتداخل بين مناطق سيطرتها، كانت لأخبار المعارك بينها عناوينَ شبه يومية في الوسائل الإعلامية. وبرز ذلك واضحًا خلال عاميّ 2013 و 2014، حين لم يكن قد حُسِمَ بعد أمر القوى الأكثر قدرة على الاستمرار، والأقوى عسكريًا.

وفي الشمال السوري، سنجد فصائلَ مثل جبهة ثوار سوريا؛ فصيلٌ معارض يوصف بالاعتدال وعلى خلاف مع جبهة النصرة.  وتطوّرت المعارك بين الفصيلَيْن لتحسم النصرة الأمر وتسيطر على مناطق جبهة ثوار سوريا بشكل كلّي. وسنجد معارك شنّها تنظيم الدولة الإسلامية. وكان هذا الأخير قد انتشر بقوّة في المنطقة الشرقية، ومناطق أخرى من سوريا في عام 2013، ضدّ مجموعة من القوى الأخرى مثل جبهة النصرة وحركة أحرار الشام الإسلامية المنتمية للجبهة الإسلامية. وخسرت تلك القوى مناطق سيطرتها تباعًا، خاصةً شرق البلاد، لصالح التنظيم الأكثر تشدّدًا في الخارطة السورية.


وفي ظلّ المعارك، وتقدُّم القوى المتشدّدة في مناطق سيطرة القوى الأقل تشدّدًا، واضمحلال فصائل الجيش الحرّ الموصوفة بالاعتدال، كانت مناطق سيطرة المعارضة تخضع لسلطة قوى إسلامية. وأدى هذا بشكل تصاعدي إلى هجرةِ من استطاع إلى خارج سوريا، أو النزوح داخلها إلى المخيّمات الحدودية. واتّجهت التحليلات السياسية والعسكرية للقول أن النظام السوري كان مستفيدًا من خلافات ومعارك الفصائل، التي وبلا شك خفّفت من وطأة الهجمات ضده في ظلّ معاركها ضد بعضها.
  

النظام السوري يستفيد 

كان النظام السوري ينظر إلى المعارك القائمة بين قوى المعارضة بأنواعها في الشمال السوري وتنامي قوّة تنظيم “الدولة الإسلامية” في الشرق، على أنّها تصب في مصلحته. وينبع ذلك من عدّة أسباب:

الأوّل أن معارك الفصائل تُظهِرها بمظهر ميليشيات متناحرة تبحث عن المكاسب.

الثاني أن المعارك تُقدِّم صورة معارضة منقسمة.
الثالث أن المعارك ستخفّف من هجمات قوّات المعارضة على النظام.
الرابع والأهم، هو المظهر الإسلامي المتشدّد لتلك الفصائل، خاصةً تنظيم داعش وجبهة النصرة. 

وكل ذلك كان سيلفت نظر الغرب إلى أولوية الحدّ من نفوذ المتشدّدين. وقد يظهر النظام أيضاً كقوّة تحاول محاربة التطرّف. وكان إعلام النظام يتحدّث منذ الأسابيع الأولى لشن الحرب في المناطق الثائرة ضد النظام، عن أنه يحارب التطرّف. كل ذلك سيمنع بالتأكيد الدعم العسكري الغربي عن تلك الفصائل.

ومنذ تعمّق سيطرة الفصائل الإسلامية على المناطق السورية، خاصةً تنظيم “الدولة الإسلامية” وجبهة النصرة، لم تنقطع التغذية الإعلامية التي تُظهِر مدى فظاعة الممارسات التي تطبّقها تلك الفصائل في مناطق سيطرتها. وظهرت حينذاك مشاهد دموية ومحاكمات ميدانية عنوانها المشانق والأسلحة الحادة، والمحاكم الشرعية التي تُصدر أحكام الإعدام بسهولة شديدة. وساهم هذا، إلى جانب الفقر واستمرار القصف والمعارك، في فرار المدنيين من تلك المناطق. وحينها، كان بعض المدنيين يظهرون في وسائل الإعلام ويتحدّثون عن معاناتهم تحت سلطة المتشدّدين. وفي الوقت نفسه، ظهر النظام السوري كعدو لتلك الفصائل، التي ستحكم البلاد لا محالة في حال زوال حكمه، وفق الرواية التي كان يؤكّد عليها ويكرّرها، هو والأطراف الداعمة له.

المعارضة المعتدلة خارج المشهد

في ظلّ هذه التطوّرات، غابت بشكل شبه كلي حالة المعارضة السورية المعتدلة. ولم تعد هناك مناطق يسيطر عليها فصيل غير متشدّد، إلّا ما ندر. واختفت قيادات فصائل الجيش الحرّ بين فار إلى خارج البلاد، وقتيل برصاص المتشدّدين أو برصاص الجيش السوري. وبذلك ظهرت معادلة “إما الأسد أو المتشدّدون”. وبالفعل، بدأت الجهود الدولية بالتركيز على الصراع مع المتشدّدين في حربٍ ستستمر لسنوات.


أما الأفراد والمنظّمات السورية المعارِضة غير المسلّحة وغير المتشدّدة، والتي لعبت في وقت من الأوقات أدوارًا شتّى، خاصةً في قضايا الحوكمة وتنظيم حياة المدنيين في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، فقد هربت غالبية أصحابها باتجاه دول المهجر. وبالمقابل، من أصرّ على البقاء وَجَد نفسه في صراعٍ مع الفصائل المتشدّدة التي فتحت سجونها وغيّبتهم فيها، حيث ما زال مصير أبرزهم مجهولًا حتى اليوم. وفي هذا السياق، تظهر قضية المغيّبين الأربعة (سميرة الخليل ورزان زيتونة ووائل حمادة وناظم حمادي)، حيث تم اتهام جيش الإسلام الذي حكم غوطة دمشق الشرقية لسنوات بتغييبهم في أواخر عام 2013. وكان الأربعة نشطاء حقوقيّين بقضايا حقوق الإنسان، وكانت لهم مواقف حازمة ضد توجّهات القوى المتشدّدة في مناطق المعارضة السورية، خاصةً ريف دمشق. 


وفي الشمال السوري كانت جبهة النصرة بالمرصاد لأي صوت معارض، واشتهرت باعتقال الصحفيين والنشطاء، حيث كانت تضعهم في سجونها الشهيرة. كما أغلقت النصرة مكاتب منظّمات المجتمع المدني التي تنشط في تلك المناطق، لتُحكِم سيطرتها بشكل كامل على أماكن تواجدها وتحكم الناس بالحديد والنار.

النظام يحاصر ويستعيد السيطرة

أسلمة الثورة السورية
مدنيٌّ على كرسي متحرّك يساعده رجل مسلّح قبل إجلائه من قِبل موظّفي الأمم المتحدة من المنطقة المحاصرة في مدينة حمص وسط سوريا إلى مكان أكثر أمانًا، في 9 فبراير عام 2014. كذلك فِرق الإغاثة تعمل على إجلاء المئات من المدنيين المنهكين من أحياء مدينة حمص المحاصرة، حيث اتّهم النظام السوري والثوار بعضهم البعض بخرق الهدنة. AFP PHOTO / BASSEL TAWIL

مع تنامي القوى الإسلامية في مناطق المعارضة وتزايد قوة تنظيم “الدولة الإسلامية”، استمر النظام السوري بحملاته العسكرية، التي أدّت إلى دمار مدن بكاملها، وحصار السكان فيها. وكان عام 2014 بداية واضحة لاستعادة السيطرة على المدن التي خسرها في السنوات السابقة.

وكانت البداية من حمص، التي حاصرها الجيش السوري حوالي عامين، حيث دمّر خلالهما الأحياء المحاصرة، ومنع دخول المواد الغذائية والطبية إليها. وانتهى الحصار في شهر مايو عام 2014، ليُحكِم النظام السيطرة على المدينة ويهجّر جزءًا كبيرًا من أهلها بموجب اتفاق سمح للسكان بالخروج من المدينة. 

والسيناريو الذي بدأ مع حمص، تكرّر في السنوات اللاحقة مع مدن أخرى فقدتها المعارضة واحدة تلو الأخرى، بدءًا من الغوطة الشرقية، وصولًا إلى حلب ودرعا، ومناطق شتى من أرياف المنطقة الشمالية والجنوبية والوسطى. ووجد كثير من السكان أنفسهم بعد ذلك مُجبَرين على ركوب الباصات الخضراء، التي كانت مثالًا رمزيًا عن التهجير. وكان يتم إرسال المدنيّين فيها إلى إدلب، التي مازالت تحت سلطة القوى المعارضة. وبقي بعض السكان في أحيائهم المدمّرة ليعانوا من سياسة التهميش أو التجنيد في قوّات النظام والميليشيات الموالية له. وسَجَن النظام من شاء حينها. وكان السجن مفتوحًا لمن ثبتت مشاركته في أي نشاطٍ موالٍ للقوى المعارضة، أو لمن رفض أيّ قرار من قرارات النظام بعد سيطرته. وأدى ذلك في نهاية المطاف إلى تغييب عشرات الآلاف قسراً حتى يومنا هذا.