تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
ابحث في fanack.com
Please enter search keyword.

نظام الأسد والأزمة السورية (2011-2022)

نظام الأسد
منظرٌ لمبنى مُدَمّر يأوي نازحين سوريين من دير الزور في مدينة الرقة شمال سوريا في 18 يونيو 2022. ديليل سليمان / وكالة الصحافة الفرنسية

المقدمة

كان تعامل النظام السوري مع المظاهرات التي خرجت ضدّه منذ بداية انطلاقتها تعاملًا عنيفًا، وذلك لا يُخفى على أي متابع للأزمة السورية. وتدرّج العنف بين وقت وآخر، واختلف أيضًا بين مكان وآخر. لكن القمع كان فِعْلًا أساسيًا يمارسه النظام في وجه المظاهرات، وذلك وفق إجماع محلّلي السياسة وراصدي تطوّرات الأوضاع في سوريا. كما أنّه كان أحد أهم أسباب تحوّل المظاهرات الصغيرة إلى ثورة، وتحوّل الثورة أيضًا إلى عمل مسلّح.

وشهدت الأسابيع الأولى بعد انطلاقة الثورة في سوريا، تخبّطًا واضحًا في أروقة النظام السوري. وبات السوريون يسمعون توصيفات مختلفة للثورة تصدر عن النظام الحاكم. ورفَض الرئيس السوري بشار الأسد منذ أوّل خطاباته أن يعترف بأن ما يحدث في بلاده هو عبارة عن ثورة. بل رآه مؤامرة ضد صمود بلاده في وجه ما اعتاد النظام السوري على تسميتها بالمشاريع الإمبريالية التي تستهدف الوطن. 

وبالمقابل كان هناك توجّه ضمن جسم النظام لإصدار قرارات تخفّف من حنق الشعب المتظاهر ضد الدولة. بدأ هذا التوجه في إقرار رفع قانون الطوارئ مثلًا، إضافةً إلى جملة إصلاحات سياسية. لكن ذلك لم يجدِ نفعًا مع قناعة المشاركين في الثورة أن النظام لن يكون جديًا في أي قرار يصدره.


جمهور النظام والخسارات الأولى

أمام المظاهرات المعارِضة للنظام السوري، كانت تخرج جموع  في دمشق وحلب ومناطق أخرى مؤيّدة للنظام. وكان هذا الأخير مُتَّهَمًا بشكلٍ مباشرٍ بتنظيمها، حيث كانت تضمّ موظّفي المؤسّسات العامة والنقابات. كما كانت تتمتّع بحمايةٍ واضحة من قِبل النظام. وبالمقابل، كانت المظاهرات المعارِضة تتعرّض للمواجهة بالرصاص الحي.

 فقد وفّر الإعلام الرسمي تغطية مستمرّة للمسيرات المؤيّدة للنظام. كما كرّس مجموعة كبيرة من المحلّلين السياسيين على شاشاته وعبر إذاعاته وصحفه الرسمية. بالإضافة إلى الصحف ووسائل الإعلام التي كانت تُسمّى “شبه رسمية” وهي تابعة للقطاع الخاص، لكنّها تقدّم محتوى غير مختلف في التوجه والأسلوب عن محتوى الإعلام الرسمي.

وكان المحلّلون يقدّمون على مدار الساعة مبرّرات الدفاع عن النظام، ويُجْمِعون على أن القضية ليست قضيّة رئيس أو حكومة، إنّما هي قضيّة وطن. وأجمعوا أيضًا بمصطلحاتٍ وتوصيفاتٍ متشابهة، على أن المعارضين هم جزء من مشروع يستهدف المنطقة كلها، ويعود بجذوره إلى إسرائيل والولايات المتحدة وأحيانًا إلى دول الخليج العربي، في مراحل العداء معها. 

وعلى صعيدٍ آخر، بدأت تظهر تجمّعات سياسية داخل سوريا تقول أنها معارِضة. وشاع مصطلح “المعارضة الوطنية” وهو يدلّ على المعارضين داخل البلاد. وكان القياديون في تلك التجمّعات يتحدّثون على ضرورة الإصلاح، والقضاء على الفساد، وكانوا يهاجمون المعارضة في الخارج بأسلوبٍ لا يختلف عن أسلوب مسؤولي النظام نفسه. وكان حزب “سورية الوطن” مثلًا، واحدًا من تلك القوى التي بدأت تحضر بشكل مكثّف على قنوات الإعلام السوري الموجود داخل البلاد. وكانت “المعارضة الوطنية” تُتَّهم دائمًا بأنها صنيعة النظام السوري، الذي استخدمها للإيحاء بوجود تعدّديّة سياسية في البلاد.

نظام الأسد
رئيس الوزراء السوري السابق رياض حجاب، الذي انشق في 6 أغسطس 2012، يعقد مؤتمرًا صحفيًا في العاصمة الأردنية عمان. قال حجاب أن النظام السوري ينهار ولا يسيطر إلا على حوالي ثلث البلد الممزق. صورة لوكالة الصحافة الفرنسية / خليل مزراوي

كانت سياسة الحشد دفاعًا عن النظام تعظّم من دور الجيش السوري، وأن معركته داخل المدن السورية هي جزء من معركته ضد إسرائيل. وكان ذلك بالتوازي مع عملياتٍ عسكريةٍ ينفّذها الجيش ضد المناطق الثائرة ضده، والتي بدأت بالتدريج تحتوي على تجمّعاتٍ عسكرية معارضة، أصبحت في ما بعد تنظيمات تلقى دعمًا من جهات متعدّدة.

وتم التركيز على دور الجيش من قِبل النظام السوري بقوّة. بل أصبح من الطبيعي مهاجمة أي مؤسّسة من مؤسّسات الدولة، والاستهزاء بالمسؤولين، مقابل الدفاع بشراسة عن الجيش. وترافَق ذلك مع بروز أهمية العملية العسكرية التي يخوضها النظام، وأن الجيش بالفعل هو حصنه الحامي الأخير، ولم يكن حينها التدخّل العسكري الخارجي قد أخذ دورًا في سوريا بعد. كما أن حالات الانشقاقات في المؤسّسة العسكرية كانت تُنذِر بأن القوى المعارضة ستزداد قوّةً عسكرية. وترافق ذلك مع الانشقاقات السياسية التي وصلت حدّها الأعظمي مع انشقاق رئيس الحكومة السورية رياض حجاب في أغسطس عام 2012.


ومنِّي النظام السوري بخساراتٍ متتالية عسكريًا، بلغت أوجها خلال عام 2013 حين سيطرت قوى المعارضة بفصائلها المتعدّدة والمختلفة، بين قوى كانت توصَف بالاعتدال وأخرى إسلامية جهادية. فقد خضع لسيطرة المعارضة الجزء الأكبر من سوريا، متمثّلًا بإدلب وأريافها، وجزء كبير من حلب وريفها، وجزء كبير من المنطقة الوسطى والشرقية. بالإضافة إلى درعا في الجنوب، ومناطق من دمشق وريفها لتصبح القوى المعارضة على بعد كيلومترات قليلة من قلب العاصمة دمشق.

وحينها صعّد النظام من هجماته العسكرية، وبدأ بارتكاب مجازر في المناطق الخارجة عن سيطرته. وكانت أكبرها مجزرة الغوطة الشرقية في 21 أغسطس عام 2013. فوفقًا لمنظّمات إنسانية، راح ضحيّة تلك المجزرة حوالي 1,400 مدني بالسلاح الكيميائي المحظور دوليًا، والذي أكّدت عدة تقارير دولية، بينها ما صدر عن هيومن رايتس ووتش، أنّه استُخدِم ضدّ المدنيين.

وبالتوازي مع مُجمل العمليات العسكرية والمجازر التي حصدت المئات في داريا وبانياس وريف حماة والغوطة الشرقية وغيرها، استمرّت آلة النظام الإعلامية بحشد الدعم، وتسويق النظريات ذاتها، ومناشدة المواطنين بتقديم الدعم المستمر لجيشهم الذي “يحميهم ويشكّل مصدر أمانهم”.

لا حوار مع المعارضة

منذ بداية الثورة دعا المجتمع الدولي لعقد طاولة تفاوض بين طرفيّ الصراع، إلّا أن توجّهات النظام كانت قد حسمت الأمر مسبقًا، بأنه لا حوار مع “الإرهابيين”. ووصف رأس النظام السوري المعارضين بأوصاف شتّى من “مندسّين” إلى “جراثيم“. كما فتح الباب بخطاباته المتتالية لتكون مصطلحاته قاموسًا للهجوم على المعارضة في الإعلام المحلي، بوصف المعارضين “إرهابيين” ومجموعة “عملاء مرتبطين بدولٍ خارجية”.

أما الحوار فكان بالنسبة للنظام هو حوار داخلي، يُقام داخل المدن والمناطق السورية وبإشراف الدولة. 


وبرّر الخطاب الرسمي السوري مُجمَل العمليات العسكرية التي تستهدف المظاهرات المعارِضة، ومن ثم الحرب المفتوحة ضدّ فصائل المعارضة. وعندما بدأ التدخّل الخارجي الداعم للنظام، كان الخطاب ترويجيًا لتلك الدول، يشكر مساهمتها. وكانت أعلام حزب الله وروسيا وإيران ترفرف في مجمل المناطق الخاضعة للنظام.


وكانت فقرات يوميّة في الإعلام الرسمي مخصّصة للحديث عن عمالة المعارضين، حيث تستعرض حوارات وخطابات لهم، وتنتقدها، وتربط بينهم وبين التنظيمات الجهادية في كل مكان. ولم يكن ذلك مجرّد تهجّم، إنّما كانت محاولات دؤوبة لإظهار المعارضين بالشكل الذي سيرفضهم فيه المجتمع الدولي، وسيبرّر للنظام ممارساته تجاههم. 

وبلغ الخطاب الرسمي الناقم على المعارضة أوجه عند وقوع المجازر، حيث كانت الاتهامات مباشرة بأن قوات المعارضة هي من تقوم بتلك المجازر. وكان المراسلون التابعون للقنوات المؤيّدة للنظام يجوبون بين جثث الضحايا في درايا، ويجرون اللقاءات مع المنكوبين، ليحاولوا أخذ تصريحاتٍ منهم تُدين المعارضة.


وفي مرحلةِ عقد المؤتمرات الدولية من جنيف عام 2012 حتى أستانة عام 2017 لإيجاد حلٍّ سياسيٍّ في سوريا، كان النظام السوري مستمرًا من دون انقطاع بروايته نفسها عمّا يحدث، ولم يدخل تلك المحادثات، إلا وأكبر داعميه (روسيا الاتحادية) طرف مؤثّر فيها.

الكفة تميل لصالح النظام

نظام الأسد
سوريون يتجمعون أثناء استعدادهم للصعود إلى حافلاتٍ لإخلاء أحد المواقع القليلة المتبقية التي يسيطر عليها المتمرّدون في عربين، في الغوطة الشرقية، على مشارف العاصمة السورية دمشق، في 24 مارس 2018. ويستعد الثوار السوريون والمدنيون لإخلاء المنطقة ما قبل الأخيرة في الغوطة الشرقية التي تسيطر عليه المعارضة، حيث اقتربت الحكومة أكثر من أي وقت مضى من تأمين ضواحي العاصمة. عبد المنعم عيسى / وكالة الصحافة الفرنسية

في عام 2014 بدأت تظهر ملامح تغيّرات في الخريطة السورية. وبدأ يظهر معها أن الكفة سوف تبدأ بالميلان لصالح النظام. وكان التغيّر الأهم هو انتشار تنظيم الدولة الإسلامية في مناطق واسعة من سوريا والعراق وإعلانه إقامة “الخلافة الإسلامية”. وقد ترافق ذلك مع توجّهٍ دولي لمحاربته وتشكيل تحالف بقيادة الولايات المتحدة للقضاء على التنظيم. وأدى هذا التطوّر إلى تخفيف الضغط الدولي عن النظام السوري، بل وظهوره في كثيرٍ من الأحيان كمقاتل للإرهاب. وهي الصورة التي لم يفتأ يقدّمها لجمهوره وللعالم.

العامل الآخر الذي لعب في صالح النظام، هو تدخّل قوى خارجية للقتال معه. وكان ذلك مع نهايات عام 2013 حين بدأ حزب الله بالتدخل، ثم إيران خلال 2014، التي نشرت آلاف المقاتلين في مختلف المناطق السورية. بالإضافة إلى التدخّل الروسي عام 2015 الذي كان حاسمًا، حيث تمّ استعادة مساحاتٍ واسعة من الأراضي التي كان قد خسرها النظام سابقًا لصالح القوى المعارِضة.


ومنذ استعادة مدينة القصير على الحدود السورية اللبنانية بجهودِ حزب الله، بدأت المناطق السورية تعود لسيطرة النظام واحدةً تلو الأخرى. وتمّت استعادة حمص في عام 2014. وازدادت وتيرة التقدّم الجغرافي لصالح النظام مع التدخل الروسي، الذي لم يكن حضوره عسكرياً فحسب، بل وتولى في كثيرٍ من الأحيان مسائل التفاوض مع القوى المعارضة وتسليم مناطقها، وترحيل سكانها. وكان دخول النظام إلى حلب في عام 2016 يحمل معنى كبيرًا، حيث كانت المدينة هي أهم مواقع سيطرة المعارَضة في الشمال، وكُبرى المدن التي دخلتها المعاَرضة في سوريا. ثم جاء بعد ذلك دخول الغوطة الشرقية وباقي أرياف دمشق في عام 2018.

وكان النظام يقدّم كل العمليات العسكرية، والاتفاقيات التي يتم إجلاء القوى المعارضة بموجبها، بل وسكان المناطق التي يدخلها، على أنها من إنجاز الجيش السوري. وبين عاميّ 2013 و2018 كانت كل الدعاية التي يقدّمها النظام تصب في تمجيد الجيش. وبات الحذاء العسكري شعارًا غير رسمي يتكرّر الحديث عنه في الإعلام، وتُبنى له النصب التذكارية، ويضعه محلّلون سياسيون فوق رؤوسهم على شاشات التلفزة. وفي كلّ مرّةٍ تُحرِز فيها القوات الإيرانية أو الروسية تقدّمًا في منطقةٍ معيّنة، تخرُجُ جموع المؤيّدين إلى الشوارع للاحتفال بانتصار سوريا على أعدائها. مع أن تلك المناطق التي كانت تتم استعادتها، كانت غالبًا ما تعود خاوية ومدمّرة.

تمّ ترحيل السكان إلى إدلب أو أريافها حيث ما زالت المعارضة تسيطر، بل وكثيرٍ من المناطق التي تتم استعادتها كانت تخضع لسيطرةٍ مباشرة من قِبل ميليشياتٍ إيرانية أو لبنانية أو عراقية أو محلية سورية. بمعنى أن الجيش السوري لم يكن يدير جميع المناطق التي تتم استعادتها بشكل مباشر. وكان في أحيانٍ كثيرة يتم الحديث عن تغييرٍ ديموغرافي في المناطق التي تدخلها الميليشيات التابعة أو المدعومة من إيران

عند استعادةِ أيّ مساحةٍ جغرافيةٍ، كانت الشاشات تنقل الصور ومقاطع الفيديو للجمهور، ويظهر الدمار كبيراً فيها. وكانت حمص وحلب والغوطة ودير الزور مُدُن مدمَّرة بنسبةٍ تزيد عن 80 بالمئة في بعض أحيائها. وكان كل هذا الدمار يقدَّم على أنه صنيعة القوى المعارِضة التي اعتبرها النظام إرهابية. وكان من المعروف أن السلاح الجوي سواء السوري أو الروسي كان المسؤول الأساسي عن الدمار العمراني، ومن المعروف أن المعارضة لا تمتلك سلاحًا جويًا.

فقر وهجرة وإعادة انتخاب


وعاش النظام مع جمهوره نشوةَ الانتصار، لكن في الخلفية كانت دائمًا هناك منغّصات تتزايد يومًا بعد يوم. فقد تتالت الأزمات الاقتصادية، وانتشر الفقر في المناطق التي يحكمها النظام وفي جميع أنحاء سوريا بالعموم. وبدأت ترتفع أرقام المهاجرين، حيث بدأ مؤيّدو النظام ذاتهم يتوافدون إلى مراكز الهجرة لاستصدار جوازات السفر، والبحث عن منفذٍ للخروج من سوريا بطريقةٍ شرعيةٍ أو غير شرعية. فعام بعد عام، بدأت الحياة في سوريا تنقلب جحيمًا على الرغم من الانتصار العسكري الذي كان حديث الشارع الموالي.

استشعر الشارع السوري أن الانتصار العسكري لم يكن يعني انتصارًا كاملًا. فبلادهم اليوم مدمّرة، وقضية إعادة الإعمار رهينة اتفاقات دولية، والخسائر الاقتصادية لحرب السنوات الماضية تتزايد الأصفار على يمين أرقامها بين دراسة وأخرى. أضِف إلى ذلك البُنى التحتية المدمَّرة، وخدمات لا تقوى على تقديم المقوّمات الأساسية للحياة. فضلًا عن أزمة ماء تتبعها أزمة كهرباء ثم وقود وخبز وسكر. بالإضافة إلى ارتفاع الأسعار الذي لا يمكن لغالبية الأسر السورية تحمّلها.

طبقتان لا ثالث لهما في بلدٍ يعاني عقوبات اقتصادية غربية، وتنتشر الميليشيات في مختلف أنحائه. الطبقة الأولى هي طبقة فقراء تضمّ غالبية السكان. والثانية هي طبقة أثرياء من تجار الحرب، وهم قلّة قليلة مقارنةً بالطبقة الأولى. فقد كان تجّار الحرب مسؤولين أمام أعين البقيّة عمّا يحدث في البلاد، وعن هجرة شبابها إلى الخارج، وانتظارهم أمام مؤسّسات توزيع أسطوانات الغاز وأكياس الخبز والدعم الحكومي.


وفي ظلّ كل تلك الأزمات، أُعيد انتخاب بشار الأسد رئيسًا للبلاد في عام 2021، وحاز على نسبةٍ تزيد عن 95% بالمئة من الناخبين. وهو ما اعتبرته جهات عدّة “مسرحية هزلية” سبق وأن أُقيمت لمرات عديدة في سوريا، سواء في عهد الأسد الأب أو الابن. وعمّت الاحتفالات شوارع المناطق التي يسيطر عليها النظام، فيما استمرّ تحميل مسؤولية سوء الأوضاع للفاسدين والتجار، بمعزلٍ عن رأس النظام وجنوده الذين “حرّروا البلاد من الإرهاب”.
 

دعوات العودة إلى سوريا


منذ عام 2014 وحتى اليوم كانت تصدر بين حين وآخر مراسيمَ رئاسية تتضمّن عفوًا عن “جرائم” معيّنة، وبناءً عليها تتم دعوة من هم خارج البلاد للعودة إليها. لكنّها لم تلقى إقبالًا من السوريين في الخارج كما هو متوقّع لأسبابٍ عديدة، منها عدم الثقة بالمراسيم، كون السجون السياسية مليئة بالمساجين، وأعداد المغيّبين قسرًا لم تنخفض.


وفي نهاية شهر أبريل عام 2022، صدر مرسوم العفو الذي اعتُبِر أشمل مرسوم منذ عام 2011، وبدأ بالفعل الإفراج عن المعتقلين. لكن أعداد المُطلَق سراحهم وفق مختلف القنوات الإعلامية لم تتجاوز العشرات. كما أن النظام السوري لم يُعلِن أعداد المفرَج عنهم ولم يصدر قوائم بأسمائهم. وكانت عائلات السجناء تنتظر في شوارع دمشق خروج أبناءها، وبعضهم ليسوا على ثقةٍ أصلًا بأن ذويهم ما زالوا على قيد الحياة، حيث توفِّيَ الآلاف تحت التعذيب في السجون السورية خلال السنوات العشر الماضية.


وأُتْبِعَ المرسوم بدعواتٍ من قِبل وسائل الإعلام التابعة للنظام لعودة السوريين من بلدان اللجوء. وتضمّن أن كل من صدر بحقّه حكم أو بلاغ سيكون معفيًا ما لم يؤدّي سلوكه السابق “إلى موت إنسان”. 

وعند الحديث عن عدم عودة السوريين إلى بلادهم، سيبرز السبب الأهم، وهو الأوضاع الاقتصادية في سوريا. تشكّل البلاد اليوم بتفاصيلها الكئيبة مشهدًا متكاملًا من المأساة، بدءًا من الفقر، والدمار، وسوء الخدمات، وصولًا إلى تردٍّ صحي وتعليمي، وانعدام فرص العمل. بالإضافة إلى أن أغلب المقيمين في الخارج، والذين يزيد عددهم عن 7 ملايين سوري خرجوا بعد عام 2011، يلعبون أدوار المعيلين لأسرهم المتبقية في الداخل. فما يجنيه السوريون اليوم داخل البلاد، سواء من العاملين في القطاعات العامة أو الخاصة، لا يسدّ رمقهم ورمق أطفالهم. بينما تلعب التحويلات المالية، التي لا شكّ أن النظام السوري يستفيد منها بقوّة، الدور الأساسي في استمرار عجلة الحياة. 


وسوى ذلك فإن جزءًا كبيرًا من السوريين الذين هم في الخارج اليوم، دمّرت الحرب منازلهم، فحتى لو فكّروا بالعودة فإلى أين؟ أما موضوع الثقة بقرارات العفو فهو أبعد ما يكون الآن عن أذهان اللاجئين في الخارج. فقد سبق وسُجِّلت حالات اعتقالٍ لسوريين عائدين بناءً على مراسيم عفو كان قد أصدرها النظام في السنوات السابقة. وقد أصدرت منظّمة العفو الدولية في سبتمبر 2021 تقريرًا يوثّق تعرّض عائدين إلى سوريا للسجن والاعتقال، واصفةً العودة بأنّها رحلة إلى الموت.