تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

المماليك في سوريا (1291-1517)

المماليك في سوريا
منظر لمدخل قلعة حلب (حلب) في 28 آب 2008 وسط مدينة حلب القديمة شمال سوريا. يعود استخدام تل القلعة إلى منتصف الألفية الثالثة قبل الميلاد على الأقل. لاحقًا احتلتها العديد من الحضارات بما في ذلك الإغريق والبيزنطيين والأيوبيين والمماليك، ويعتقد أن غالبية البناء كما هو اليوم نشأ من العصر الأيوبي (Photo by PATRICK KOVARIK / AFP)

بعد مرور نصف قرن على وفاة صلاح الدين الأيوبي عام 1193، انتهت السلالة الأيوبية، وتولى المماليك – وهم ضباط عبيد من أصول تركية – زمام السلطة في مصر. وفي ذلك الوقت، كان المحتلون الأوربيون لبلاد الشام قد خسروا معارك هامة، إلا أن شوكتهم لم تكن قاد انكسرت بعد.

حوالي عام 1250، اجتاح المغول بقيادة جنكيز خان وخلفاؤه من بعده كل دول وسط آسيا ومعظم دول غربي آسيا، بل حتى بعض أجزاء أوروبا الشرقية. وفي الشرق الأوسط، توغل المغول، وحلفاؤهم التتار بقيادة هولاكو حفيد جنكيز خان، حتى وصلوا إلى دمشق، ونهبوها (عام 1258) هي وحلب في طريقهم، وقتلوا آلاف السكان. ثم واصلوا باتجاه مصر. فتصدى لهم المماليك في شمال فلسطين، حيث يقال أن معركة عين جالوت الشهيرة (عام 1260) غيرت مجرى التاريخ. هزم المماليك المغول، وتوجهوا لفتح سوريا وجبل لبنان. في شهر أيلول/سبتمبر 1260، دخلت قوات القائد المملوكي الظاهر بيبرس (1223-1277) – الذي أصبح سلطاناً لاحقاً – دمشق، حيث استقبل كمحرر.

بعد بضعة سنوات من الهدوء النسبي، عاد بيبرس إلى القتال ثانية عام 1268، عندما احتل مدينة أنطاكيا الشمالية ودمرها، والتي كانت معقلاً للصليبيين. لم تتعافَ أنطاكيا من هذه الهزيمة أبداً. عام 1277، مات الظاهر بيبرس مسموماً، وواصل خليفته قلاوون القتال ضد الفرنجة والمغول. وفي 17 حزيران/يونيو 1291 سقطت عكا، التي كانت بيد الفرنجة، في يد خليل ابن قلاوون، بعد أن كسرت الدول الأوروبية المسيحية الهدنة طويلة الأمد. لجأ آخر الصليبيين إلى قبرص. ويعتبر هذا الحدث بشكل عام نهاية وجود الفرنجة في الشرق الأوسط، مع أنه بقي هناك معقل واحد – صغير جد – للفرنجة على جزيرة أرواد مقابل طرطوس، والتي احتلها المماليك عام 1301.

لكن بعد قرن من السلام النسبي، عام 1401، احتل المغول بقيادة تيمورلنك (يعرف أيضاً باسم تيمور) مدينتي حلب ودمشق ونهبوها، وقتلوا آلاف السكان، مما أدى إلى انحطاط دمشق. كان المماليك قد طردوا المغول، ولكن القتال احتدم مجدداً.

إلى جانب كونهم محاربين، كان المماليك أيضاً بنائين. فقد تركوا الكثير من الحصون – كما قاموا بتحصين القلاع الموجودة، والكنائس والمساجد والهياكل القديمة –  وإنما أيضاً بنوا المساجد والمدارس والخانات.

نظرا لأن المماليك كانوا من السُّنة، فقد كانوا محترسين من المسيحيين – وبالأخص الموارنة – والشيعة. لكنهم كانوا على علاقة طيبة مع مسيحيي مدينة البندقية الكاثوليك، وبالتالي سمحوا بالطوائف المسيحية في لبنان. أما الشيعة لم يعتبروا من أصحاب البدع فحسب، بل – وأسوأ من ذلك – كأصدقاء للمغول الذين قدموا لهم المأوى خلال حربهم مع المماليك. وبالتالي تجرّع الشيعة كأس الاضطهاد. وقُتل الكثيرون منهم، ومن نجا منهم لاذ بالجبال ليختبأ فيها. وهذا كان مصير كل من ساعد المغول، مثل فرسان الهيكل المسيحيين.

عندما احتل العثمانيون المنطقة عام 1517، استقبلهم السكان كمحررين، بعد نظام المماليك القاسي – تماماً كما استُقبل المماليك كمحررين بعد دحرهم للمغول.