تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

سوريا: الحملات الصليبية (1095-1291)

سوريا الحملات الصليبية
قلعة الحصن هي قلعة صليبية في سوريا وواحدة من أهم القلاع العسكرية المحفوظة في العصور الوسطى في العالم. يُطلق على القلعة باللغة العربية قلعة الحصن. تم بناء القلعة الأصلية في هذا الموقع عام 1031 لأمير حلب. | “The Krak des Chevaliers, Homs, Syria” by Alessandra Kocman is licensed under CC BY-NC-ND 2.0

بدأت الحملة الصليبية الأولى عام 1095 عندما دعا البابا أوربانوس الثاني إلى حملة عسكرية إلى الإمبراطورية البيزنطية لمساعدتها على محاربة السلاجقة (الأتراك) المعتدين وللسيطرة على الأراضي المقدسة، والتي كانت حينها تحت حكم الفاطميين في مصر. وكانت هذه بداية قرنين من الزمن تحارب خلالها المسيحيون والمسلمون في أغلب الأحيان – وفي بعض الأحيان أبناء الملة الواحدة – في كل المنطقة الممتدة بين الأناضول وفلسطين وفي مصر. ومع ذلك، كان هناك فترات عملت فيها تلك الأطراف المتناحرة معاً.

انطلقت شرارة الصراعات عندما نجح نورمان بوهيموند عام 1097 في الاستيلاء أخيراً على مدينة أنطاكيا، إحدى الكراسي البطريركية المسيحية، من السلاجقة. وكان الصليبيون قد وعدوا إمبراطور بيزنطة بإعادة الأقاليم التي احتلوها، ولكنهم لم يفوا بالوعد. وبعد الاستيلاء عليها بوقت قصير، استعاد جيش بقيادة كربغا، أمير الموصل، المدينة. وفي النهاية، تمكن الصليبيون من الاستيلاء على أنطاكيا مرة أخرى، ولكن صراعاً داخلياً اندلع. فبقي البعض في أنطاكية، وأكمل البعض الآخر زحفه للاستيلاء على فلسطين، الأراضي المقدسة.

اتجه جيش جودفري حاكم بولون إلى الجنوب. وفي بادئ الأمر، لم يبدو القلق على الفاطميين بشكل علني من مرور الصليبيين عبر أراضيهم، بل وفكروا في مساعدتهم ضد السلاجقة. لكن هذا الأمر تغير عندما اقترب الأوروبيون من فلسطين ومصر. في عام 1099، استولى جودفري حاكم بولون على القدس. ومع ذلك، ثبت أن الأراضي اللبنانية والسورية أكثر صعوبة للاستيلاء عليها – بل حتى السيطرة عليها. وكانت التحالفات تتغير، فتجد عدو الأمس يصير حليف اليوم، أو العكس.[/vc_column_text][/vc_column][/vc_row]

صلاح الدين

فتح الأمير نور الدين (1116-1174)، من أصل حلبي، دمشق ووحد السوريين العرب باسم الجهاد. وكان حاكماً أسطورياً، ولكن خليفته صلاح الدين الأيوبي فاقه شهرة حتى. كان صلاح (صلاح الدين يوسف بن أيوب، 1138-1193)، كردي من مواليد تكريت ونشأ في حلب وبعلبك ودمشق، ابن أخي الأمير شيركوه الصديق الحميم للأمير نور الدين، هو من فتح مصر وأخذ ابن أخيه معه. وعندما توفي شيركوه، عين نور الدين صلاح الدين قائداً للقوات السورية في مصر ووزيراً. وأعلن نهاية الحكم الفاطمي (الشيعي)، الذي استبدله بسلالته الأيوبية والقائد صلاح الدين الأيوبي الذي انتصر في عدة معارك حاسمة – مثل موقعة حطين عام 1187 والتي أدت إلى سقوط القدس وإنهاء احتلال الفرنجة للمنطقة – لم تكن شهرته ترجع إلى فطنته العسكرية فحسب، وإنما أيضاً إلى بسالته ومآثره الفروسية كمحارب. فسمعته في هذا الصدد مماثلة لتلك السمعة التي كان يحظى بها خصمه ريتشارد قلب الأسد، وقد أفاد من عاصر تلك الفترة أن كلا الرجلين كان يحترم الآخر، بل حتى معجباً به.

الآثار المترتبة على الحروب الصليبية

لكن لم يوحّد لا المسيحيون ولا المسلمون صفوفهم على الدوام. في حين بقيت الإمارات الواقعة بين هاتين القوتين – خوفاً من السلاجقة الأتراك – منقسمة في ولائها. وأخيراً في عام 1292، المماليك، سلالة حكام مصرية –  مع أنهم من أصول تركية – هم الذين وجهوا الضربة القاضية للصليبيين. وفي ذلك الوقت، غزا المغول القسم الشرقي لدولة المماليك، ووصلوا إلى مشارف دمشق. واحتلوا بغداد (1258) ودمشق قبل أن يهزمهم المماليك في معركة عبن جالوت عام 1260.

كلفت الحملات الصليبية (ثمان حملات في المجموع) الكثير من الأرواح، وجلبت معها الكثير من الدمار والأمراض والفوضى. ولكن بوجه عام، سُمح للسكان المحليين – عدا العبيد وأسرى الحرب – بالبقاء أوفياء لإيمانهم. كما احتفظوا بسلطاتهم المحلية ونظامهم القضائي. ومن جوانب عديدة كان هناك تأثير متبادل بين الحضارتين الشرقية والغربية. وقد ازدهرت التجارة، وخاصة في المناطق الساحلية. وكان التجار من مسلمين ومسيحيين ويهود ينعمون بحماية خاصة عند عبورهم الحدود، حتى ولو اضطروا إلى دخول أراضي “العدو”. فكانت القوافل تجوب المنطقة بأسرها، وكانت السفن تبحر من مصر إلى صور إلى القسطنطينية، بل وإلى ما هو أبعد من ذلك.

بعد أن غادر آخر الصليبيين الساحل اللبناني، غادر العديد من التجار المسيحيين معهم واستقروا في قبرص.