وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

مجزرة التضامن: قصة الأحياء الجنوبية وحرم المقامين

مجزرة التضامن
صورة تم التقاطها يوم ٣ نوفمبر ٢٠١٨ لرجال وهم يمشون وسط ركام مبنى مدمّر في حي التضامن المجاور لمخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين جنوب العاصمة السورية دمشق. المصدر: LOUAI BESHARA / AFP.

حسين علي الزعبي

أعاد فيديو مجزرة حي التضامن التي بثته صحيفة الغارديان البريطانية، الحياة لعبارة أحياء دمشق الجنوبية، فالتضامن أحد هذه الأحياء التي لم تكن تاريخيا ضمن مدينة دمشق، بل وجدت على هامش دمشق من جهتها الجنوبية وشكلت النسبة الأكبر من عشوائيات العاصمة البالغة 40 بالمئة من مجمل المدينة، بحسب إحصائية لهيئة العقارات تعود لسنوات ما قبل الحرب.

هذه الأحياء، ومنها مخيم اليرموك والحجر الأسود والقدم وغيرها أوجدتها ظروفٌ سياسية كتلك التي جلبت الفلسطينيين ليقيموا في مخيم اليرموك، ومثلهم سكان الحجر الأسود وهم في الأصل من الذين نزحوا من الجولان. كما أوجدت تلك الأحياء ظروفٌ اجتماعية واقتصادية، إذ وجد فيها طالبو فرص العمل والطلاب القادمون من المحافظات مكانا يناسب إمكانياتهم المادية. وزاد من كثافتها السكانية أيضا قدوم بعض أهل دمشق للسكن بعد أن ضاقت بيوتهم جراء زيادة أعداد العائلة في بيوت متوارثة أصلا.

الجنوبية والثورة..

شكلت هذه المناطق حاضنة مهمة للحراك المناهض للنظام منذ الأيام الأولى لأسباب عديدة يمكن الإشارة إلى أبرزها، وهي أن هوامش المدن هي دائما الأكثر هامشية على أولويات الحكومة، بحيث شكلت أحزمة فقر قابلة للانفجار. يضاف إلى ذك أن معظم الوافدين لهذه المناطق من محافظات انتفضت ضد النظام، مثل درعا ودير الزور وإدلب وغيرها، فكان هؤلاء صدى لأهلهم في دمشق.

بعد أن تعسكر الحراك الثوري، أصبحت الأحياء الجنوبية ولأسباب سكانية وجغرافية الشغل الشاغل للنظام. فهذه الأحياء ملتصقة بأحياء دمشق، ولا سيما حي الميدان. ومن الناحية العسكرية، السيطرة على الميدان المجاور يعني الوصول الفوري إلى وسط العاصمة وهذا يعني ببساطة العاصمة.

هذه المناطق شكلت الخاصرة الرخوة للنظام حول دمشق، فمحيط دمشق الشمالي والغربي محاط بسلاسل جبلية تنتشر عليها أقوى قطعات الجيش السوري مثل الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة. أما الواجهة الشرقية، فهناك فاصلٌ جغرافي لا بأس به يفصل بين مركز مدينة دمشق وبين مدن الغوطة الشرقية وهو الآخر مغطى بالقطع العسكرية.

خطورة الأحياء الجنوبية لا تقتصر على هذه المسألة فحسب، ولا حتى على الكثافة السكانية المناهضة للنظام، فهناك ما هو أبعد من ذلك. فهذه المنطقة لديها عمق صديق في ثلاثة اتجاهات، غربا داريا ومعضمية الشام وهي مناطق ثائرة ولا تبعد عن القصر الجمهوري أكثر من 5 كم، أما شرقا فالأمر كذلك فبلدات عقربة ويلدا وصولا إلى حجيرة والسيدة زينب هي الأخرى مناطق مرتبطة اجتماعيا وجغرافيا بالأحياء الجنوبية فضلا عن أنها مشاركة في الحراك.

أما جنوبا، فالأمر يزداد أهمية، فعمقها يصل إلى أرياف دمشق الجنوبية الغربية وريف درعا الشمالي وريف القنيطرة الشرقي وهذه المنطقة يطلق عليها “مثلث الموت”.

هذا العمق وفر للأحياء الجنوبية خطوط إمداد بشري وعتاد، لتشكل المساحة الممتدة من داريا غربا إلى السيدة زينب شرقا مرورا بالأحياء الجنوبية القوى الضاربة التي كادت تسقط النظام في دمشق قبل أن تفترس الجماعات المتطرفة المشهد السوري بالتزامن مع دخول إيران وميليشياتها الحرب إلى جانب نظام الأسد.

جحيم الآلة العسكرية والتجويع

أدرك النظام وحلفاؤه، قبل معارضيه أهمية هذه المنطقة ففتح عليها جحيم الآلة العسكرية لاسيما مدينة داريا التي بدأ شبابها المظاهرات بالورود، فتعرضت للقصف بما يزيد على 697 صاروخا، وبآلاف القذائف المدفعية والبراميل المتفجرة وصواريخ أرض/أرض والألغام البحرية والقنابل الفراغية. ووصلت حصيلة القصف اليومي أحيانا إلى أربعين برميلاً متفجرا، وهو ما جعل الأمم المتحدة تسمي داريا “العاصمة السورية للبراميل المتفجرة“.

وحتى أبريل 2016، دمر النظام أكثر من 80% من بنى داريا التحتية، وأجبر 90% من سكانها على النزوح (بقي 8 آلاف شخص من أصل 250 الفا). وشددت قوات النظام حصارها للمدينة من كافة محاورها لفترة استمرت منذ نوفمبر 2012 بعد سيطرة الجيش الحر على كافة النقاط العسكرية للنظام على أطراف المدينة، وحتى تم التوصل إلى صفقة في أغسطس 2016 بموجبها غادر المدينة مقاتلوها المنهكون بالحصار الخانق. أما جارتها معضمية الشام المحاصرة بالفرقة الرابعة وبسرايا الصراع والمخابرات الجوية، فكان لها حصة من الضربة الكيماوية فجر 21 آب 2013.

أما عمق الأحياء الجنوبية، الحجر الأسود ومخيم اليرموك (عدد سكانه عام 2002 نحو 113 ألف، بقي فيه 600 عائلة) والأحياء الأخرى ومنها التضامن، فوقعت بين فكي كماشة، النظام وميليشياته من جهة والتنظيمات المتطرفة مثل النصرة وداعش من جهة أخرى، ليقع عشرات الآلاف من السكان في حصار وصل حد الجوع بمعناه الحقيقي. ولعل الصورة ما زالت عالقة بالأذهان لمشاهد الأهالي وهم يتزاحمون للحصول على خبز؛ صورةٌ تشبه تلك التي نشاهدها في أفلام نهاية العالم.

هذه المناطق هي الأخرى تم تهجير سكانها منها وسجلت أعداداً من المجازر التي ارتكبت بحق المدنيين. حينذاك، كانت تعلن حواجز النظام أنها ستسمح للأهالي بالمغادرة، وما أن يخرجوا ويعتقدون أنهم انتهوا من الحصار حتى يتم اعتقالهم وربما تصفيتهم على غرار ما حصل في “التضامن” إذ أن الآلاف منهم لم يعد يعرف عنهم شيئا. ولعل الزمن كفيل بإخراج المزيد من الفيديوهات التي توثق مجازر أخرى قد لا تقل بشاعة عن مجزرة التضامن، مثل تلك التي سجلت بالقرب من حاجز يلدا عندما سمحوا لـ 1500 شخص معظمهم نساء وأطفال ومسنون بالخروج وبعد أن خرجوا غابوا وغابت معهم أخبارهم.

لماذا إيران؟

مجزرة التضامن
صورة تم الحصول عليها يوم ٥ نوفمبر ٢٠١٣ من وكالة أنباء فارس الإيرانية ويظهر فيها إيرانيون يحملون نعش محمد جميلي باقال، أحد قادة الحرس الثوري الذين قتلوا أثناء القتال في العاصمة السورية دمشق، وذلك في جنازته التي تم تنظيمها في مدينة كرمان جنوبي إيران. المصدر: HO/ FRAS NEWS/ MOHSEN RAJABPOR/ AFP.

ما زال مشهد إعلان السيطرة على داريا حاضرا في ذاكرة الكثير من السوريين، إذ أن أول من دخلها رجل دين شيعي معمّم ومسلح برفقة مسلحين.

ميليشيات النجباء العراقية وأبو الفضل العباس كانت حاضرة بقوة في داريا وفي منطقة السيدة زينب. وتشكل هاتان المنطقتان إطار المنطقة الجنوبية شرقا وغربا بمسافة تقدر تقريبا بـ 15 كم. وفي هاتين المنطقتين، استثمرت إيران وجود مقام للسيدة سكينة في داريا ولمقام السيدة زينب في منطقة السيدة زينب، لتستفز المقاتلين الشيعة للقدوم والقتال في المنطقة، علما أن هذه المراقد موجودة منذ مئات السنين وهي محل تقدير من الأهالي.

والحقيقة أن هذا الأمر لم يكن أكثر من شماعة لتحقيق ما هو أهم، وهو إحداث تغيير ديمغرافي مذهبي في المنطقة، فنسبة التهجير في عموم المناطق تجاوزت الـ 80 بالمئة، فيما أسكنت عائلات المقاتلين القادمين من باكستان وأفغانستان “لواء فاطميون” الأفغاني و”لواء زينبيون” في بيوت الأهالي الذين تم تهجيرهم إلى الشمال السوري في عملية تأسيس لما بات يعرف بـ “حرم المقامين” أو “ضاحية دمشق الجنوبية” على غرار “ضاحية بيروت الجنوبية” معقل ميليشيات حزب الله اللبناني.

مثلث الموت

مثلث الموت الذي أشرنا إليه سابقا ويشكل عقدة وصل بين محافظات ريف دمشق ودرعا والقنيطرة، تحول لرأس حربة لتقدم الميليشيات الموالية لإيران وبشكل خاص “فاطميون” و”زينبيون” و”حزب الله” بعد العام 2015 للتقدم نحو الجنوب. وهذا ما تحقق بعد خسارة المعارضة السورية لقوتها في الجنوب السوري “درعا والقنيطرة” إثر مشاركة الطيران الروسي بكثافة في المعارك التي دارت هناك. وازداد التواجد العسكري لحزب الله بشكل خاص في ثكنات مجاورة لثكنات الجيش السوري بل وتحول إلى ممارسة تجنيد شبان من المنطقة بدل مقابل مادي في استغلال للظروف المادية المزرية للشباب، أو لتلك الشريحة التي تورطت بالمخدرات التي انتشرت بكثافة منذ سيطر النظام والميليشيات على عموم الجنوبي السوري.

حي التضامن والأحياء الجنوبية ليست مجرد أحياء عايشت حالة ثورية سليمة انتقلت إلى مسلحة واستثمر بها كل المقاتلين باسم الله، فها هي الآن تدخل مع امتدادها الجنوبي إلى ساحة مواجهة محتملة بين إيران وإسرائيل، فمثلث الموت مثلما يسيطر على مفترق طرق بين المحافظات الثلاث، هو أيضا على مقربة من الجولان المحتل حيث القوات الاسرائيلية.