وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

القضية الفلسطينية في السينما السورية تاريخياً

القضية الفلسطينية السينما السورية
صورة تم التقاطها يوم ٩ فبراير ٢٠٠٩ للمخرج السوري نجدت أنزور “أدنى اليمين” وهو ينظر إلى طاقم فيلمه الجديد “الشهيد الحي” وذلك أثناء التحضير لتصوير مشهد في قلعة الشقيف بقرية أرنون اللبنانية. وتدور أحداث الفيلم الذي يخرجه أنزور حول عمليات المقاومة التي نفذها مقاتلو حزب الله اللبناني ضد الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان. المصدر: AFP PHOTO/STR.

نبيل محمد

المقدمة

لا يحضر الصراع العربي الإسرائيلي والقضية الفلسطينية في أي منتج ثقافي عربي كحضورهما في مختلف إنتاجات الثقافة والفن في سوريا، وهو ما يشير إلى الكم وليس النوع بالضرورة. ويمكن القول إن إنتاج سوريا من المواد الفيلمية والتلفزيونية والموسيقية والغنائية المرتبطة بالقضية الفلسطينية يفوق بكثير ما قدمته دولٌ عربية أخرى من منتجات ثقافية مرتبطة بهذه القضية. ويعود ذلك بالدرجة الأساسية إلى محورية القضية الفلسطينية في أي خطاب سياسي أو ثقافي سوري. كما أن السلطات السياسية التي حكمت سوريا كرّست القضية الفلسطينية لخدمة مصالحها، لا سيّما حزب البعث الذي يحكم البلاد منذ ما يزيد عن خمسين عاماً.

حضور فلسطين في المنتج الفني السوري، سواءً كان من إنتاج القطاع العام أو الخاص، انطلق من التسليم بأن القضية الفلسطينية جزءٌ من حياة الشعب السوري عامةً. وسمح هذا التصوّر بأن تكون تلك القضية حاضرة في أي عمل فنّي. وليس بالضرورة أن يكون العمل مخصصاً للحديث عن قصة فلسطينية أفرزها الصراع، إنما قد يتضمن العمل الفني أي قصة اجتماعية، أو عاطفية، لا ترتبط عضوياً بالسياسة.

فلسطين في سينما البدايات

أبرز نقاط ضعف السينما السورية في مرحلة انطلاقها هو انعدام وجود أرشيف جامع لها. وما يمكن مشاهدته من سينما عقود الثلاثينات والأربعينات والخمسينات، هو جزءٌ صغير ممّا تمّ إنتاجه. كما أنه من الصعوبة بمكان التعرّف على أسماء الأفلام في تلك المرحلة وموضوعاتها إلا من خلال الأرشيف المطبوع، أي تلك الكتب التي اعتنت بأرشفة السينما ونقدها.

قبل عام 1963، وهو تاريخ تأسيس المؤسسة العامة للسينما، هيمن القطاع الخاص على إنتاج مجمل الأفلام السورية. وكانت السمة الأوضح في السينما السورية، هي أنها سينما تجارية تهدف بالدرجة الأولى للبيع في شباك التذاكر، وتتبع ذائقة الجمهور. ولكن وعلى الرغم من ذلك، كان للقضية الفلسطينية حضورٌ في تلك السينما. ولم يحظ هذا الحضور بإعجاب النقاد في المراحل اللاحقة، كونه لا ينفصل عن الصفة التجارية الملازمة لتلك السينما، سيّما وأن الأفلام كانت تستند إلى منطق استهلاكي لا يُعنَى بشكل جاد بالقيم الفكرية والموضوعية.

أول فيلم سوري حضرت فيه القضية الفلسطينية كان فيلم “نداء الواجب” المنتج سنة 1937، هو من إخراج أيوب بدري صاحب أول فيلم في تاريخ السينما السورية (المتهم البريء إنتاج 1928). وتضمّن الفيلم وفق المراجع التاريخية موضوع الثورة الفلسطينية ضد الاحتلال الإنكليزي. ويعد “نداء الواجب”[1] فيلم من إنتاج “حرمون فيلم”، وهو أول تجمع لإنتاج السينما في سوريا، أنشأه مجموعة من الهواة الذين أصبحوا فيما بعد محترفين.

ولا تعرّج المراجع السورية والعربية على ذكر أفلام سينمائية ناقشت القضية الفلسطينية خلال عقدي الأربعينات والخمسينات إلا ما فيما ندر. ومن الأمثلة على هذه الأفلام “الجيش السوري في الميدان” سنة 1949. ويتحدث هذا الفيلم الذي أنتجه أحمد عرفان عن دور الجيش السوري في حرب عام 1948.

قلّة وجود أفلام تناقش قضية فلسطين في تلك الفترة، يمكن تبريره بشحّ الإنتاج السينمائي آنذاك، والمنتَج منها كان تجارياً بلا شك. كما أنّ مشاريع سينمائية كثيرة كانت تبدأ حينذاك ولا يتم استكمالها بسبب ضخامة التكاليف. يضاف إلى ذلك عدم وجود شركات إنتاج كبيرة قادرة على تحمّل تكلفة مثل هذه المشاريع. ومن أبرز الأمثلة على ذلك الفيلم الذي بدأ زهير الشوّا إنتاجه سنة 1963 باسم “وراء الحدود”[2]. وعلى الرغم من عمل الشوّا على هذا الفيلم الذي يتناول القضية الفلسطينية لمدة عامين من الزمن، إلا أنه لم يستطع استكماله.

في عقد الستينات، دخلت المؤسسة العامة للسينما كقوة إنتاجية أساسية. وعليه، انعدمت نسبياً سينما القطاع الخاص، خاصة الجادّة منها. وشهد عقد الستينات إنتاج السينما السورية لعدّة أفلام تناولت القضية الفلسطينية هي “3 عمليات داخل فلسطين” المنتج عام 1969 للمخرج الفلسطيني محمد صالح الكيالي ومن بطولة الممثل خالد تاجا. وكان المخرج ذاته قد قدّم عام 1964 فيلماً وثائقياً عن حرب فلسطين باسم “قاعدة العدوان”. وتتضمن قائمة الأفلام المنتجة في ذلك العقد فيلم “عملية الساعة السادسة“. وتم إنتاج هذا الفيلم عام 1969، وهو من إخراج سيف الدين شوكت.

تلك الأفلام ركّزت على شخصية المناضل الفلسطيني، وحاولت تقديمه بطريقة أسطورية، كبطل منتصر، في ظل واقع لا يتضمّن تلك الانتصارات، بل على العكس كانت الهزائم متتالية. لذلك، فقد وصِفت هذه الأفلام كغيرها من سينما القطاع الخاص بالتجارية، لتنال تلك الأفلام بالمجمل انتقادات حين صدورها، وتُنتَقد بأن الاهتمام بالشكل قد أفسدها[3].

سينما القطاع العام

القضية الفلسطينية السينما السورية

صورة تم التقاطها يوم ١٧ ديسمبر ٢٠٠٦ للمخرج السوري نبيل المالح وهو يتحدث في مؤتمرٍ صحفي مشترك عقده مع المخرج الأمريكي أوليفر ستون في مهرجان دبي السينمائي الدولي. وتم تكريم المالح في المهرجان تقديراً لما حققه من إنجازات في مسيرته المهنية. المصدر: KAMAL MOGHRABI / AFP.مع دخول القطاع العام في سوريا عملية الإنتاج السينمائي، وبل وتبعيتها فيما بعد كلياً للقطاع العام، كان من الطبيعي أن تحضر القضية الفلسطينية بشكل أكبر، وبطريقة مختلفة في السينما السورية. ويعود ذلك لأسبابٍ كثيرة، في مقدّمتها انعدام وجود هدف تجاري من الإنتاج السينمائي كلياً. لذا، كانت كلّ الأفلام التي تنتجها المؤسسة جادّة، لا تعنى بشبابيك التذاكر. وبحثت تلك الأفلام في موضوعات مرتبطة بقضايا سياسية واجتماعية متناسبة مع السياسة العامة للدولة، بل ومسوِّقة لها في كثير من الأحيان.

ويمكن القول إن حضور القضية الفلسطينية بشكل واقعي وحقيقي وعميق في السينما السورية بدأ مع بداية إنتاج المؤسسة العامة للسينما. وكانت الانطلاقة الحقيقية مع فيلم قصير حمل اسم “إكليل الشوك” أخرجه نبيل المالح. وكانت مدة الفيلم 20 دقيقة تم فيها مناقشة قضية اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات الشتات بعد نكسة حزيران 1967. وكان النموذج مخيم القابون للاجئين الفلسطينيين في دمشق، والقصة لفتاة فلسطينية، لعبت دورها الممثلة السورية فايزة شاويش. وتعيش هذه الفتاة ظروف الفقر والقهر في المخيم، وتزور دمشق لترصد الفوارق الكبيرة، بين ما يعيشه اللاجئون، وما يعيشه سكان المدينة التي من المفترض أنها في صف المواجهة الساخنة ضد إسرائيل. وظهرت في الفيلم علامات اختلاف كبير في طريقة توظيف القضية الفلسطينية في السينما.

وأتت ثلاثية “رجال تحت الشمس” عام 1970. واستوحيت هذه الثلاثية من رواية “رجال في الشمس” للأديب الفلسطيني غسان كنفاني، لتكون أهم عمل سينمائي سوري يتناول قضية فلسطين. وتضمنت الثلاثية ثلاثة أفلام روائية قصيرة هي “المخاض” لنبيل المالح، و”الميلاد” لمحمد شاهين، و”اللقاء” لمروان المؤذّن. وتتحدث هذه الأفلام عن قضية العمل الفدائي في فلسطين.

وكان لفيلم “اللقاء” لمروان مؤذن قصّة، حاول الفيلم من خلالها تغيير الأفكار النمطية عن المقاتل الفلسطيني. ويتناول الفيلم وجود فتاة نرويجية، أدت دورها ريجينا أولبريشت، كرهينة عند فدائي فلسطيني، أدى دوره خالد تاجا. وتبدأ الفتاة بقراءة واقع مختلف عن القضية الفلسطينية، وعن المقاتلين المدافعين عن فلسطين. وعلى هذا النحو، تغيّر الفتاة أفكارها التي كانت قد استمدتها من السائد في الإعلام الغربي حينها.

استمر حضور فلسطين قوياً في السينما السورية، ولعلها كانت القضية الأهم، التي سخّر سينمائيو تلك الفترة جهودهم للحديث عنها، وتقديم صورة نوعيّة لها، متناسبة مع أدوات تلك الفترة فنياً. وفي عام إنتاج “رجال تحت الشمس” ذاته، قدّم المخرج العراقي قيس الزبيدي فيلماً قصيراً بعنوان “الزيارة“. كما قدّم مواطنه قاسم حول فيلماً قصيراً بعنوان “اليد”. ويتناول الفيلم موضوعات مرتبطة بالقضية الفلسطينية. واتخذ الفيلمان أسلوباً شعرياً موسيقياً، مواكباً لصورة المأساة الفلسطينية.

بعد عام فقط من إنتاج تلك الأفلام، قدّم المخرج خالد حمادة فيلم “السكين“، المأخوذ من رواية “ما تبقّى لكم” لغسان كنفاني. ولاقى هذا الفيلم انتقادات كونه لم يستطع تقديم الرواية الفائقة الشهرة حينها، بطريقة مناسبة.

المخدوعون

القضية الفلسطينية السينما السورية

صورة تم التقاطها في ثمانينيات القرن الماضي ويظهر فيها المخرج المصري توفيق صالح الذي كانت له حينها مسيرة مهنية تربو عن أربعين عاماً قدّم فيها سبعين فيلماً سينمائياً. ودرس صالح، وهو من مواليد عام ١٩٢٧، المسرح في فرنسا وأخرج أول فيلم له في عام ١٩٥٤ وهو فيلم “درب المهابيل”. وفي نهاية الستينيات، انتقل صالح إلى سوريا حيث قدّم فيلمه الشهير “المخدوعون” الذي ألفه الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني عن مأساة الهجرة الفلسطينية. المصدر: AFP.كان فيلم “المخدوعون” من إخراج المصري توفيق صالح، وإنتاج المؤسسة العامة للسينما، علامة فارقة في تاريخ السينما العربية التي تتناول القضية الفلسطينية. ويصنّف هذا الفيلم لدى كثير من النقاد بأنه أفضلها عربياً، وهو مأخوذٌ من رواية “رجال في الشمس” لغسان كنفاني. وخرج مخرج الفيلم من تقليد فني كان شائعاً في السينما آنذاك، وهو الحديث عن العمل الفدائي، والثورة المسلحة، إلى الحديث عن الراهن، والعجز. وكان ذلك من خلال قصة ثلاثة رجال فلسطينيين، لعب أدوارهم عبد الرحمن آل رشي، ومحمد خير حلواني، وبسام لطفي. ويحاول هؤلاء الهروب إلى الكويت بحثاً عن عمل، بعد نكبة 1948، فيموتون داخل خزّان السيارة التي تهرّبهم، خلال فترة الانتظار على نقطة الجمارك في الحدود الكويتية.

وكان الفيلم نقلة في السينما السورية، وفي السينما العربية التي تتحدث عن القضية الفلسطينية. فالفلسطيني بعد النكبة، وفق الفيلم، فقيرٌ مشرّد، يموت في مساحة ضيقة لا تتيح له التنفس. هذا الفلسطيني ترمى جثته كأكياس المهملات على قارعة طريق، كما أنه يصرخ من داخل حصاره ولا يسمعه أحد. نال الفيلم حينها مجموعةً كبيرةً من الجوائز أهمها جائزة مهرجان قرطاج في تونس سنة 1972. كما فاز الفيلم بالجائزة الأولى من المركز الكاثوليكي الدولي ببلجيكا 1973، والجائزة الأولى في مهرجان ستراسبورغ لأفلام حقوق الإنسان 1973 في فرنسا. وحصل الفيلم أيضاً على جائزة لينين للسلام في موسكو عام 1973.

“المخدوعون” فتح الباب واسعاً لسينما سورية وعربية يمكنها النظر للقضية الفلسطينية من أعين بعيدة عن الرصاص نسبياً. كما أنه أتاح مناقشة قضية الفلسطيني من داخل بيته أو مخيمّه، ومن قوت يومه أيضاً. لكن ذلك لم يلغِ بالتأكيد استمرار تلك الأفلام التي كانت المعركة العسكرية جزءاً منها، والتي تدعو بشكل مباشر لحمل السلاح واسترداد البلاد.

ما بعد حرب أكتوبر

بعد الحرب التي خاضها الجيش السوري ضد إسرائيل في 6 أكتوبر 1973، تغيّرت الكثير من المفاهيم الثقافية والفنية في سوريا. وبات تكريس مفهوم الانتصار في الحرب الشغل الشاغل للرئيس السوري السابق حافظ الأسد. وكانت الأدبيات السوريّة ترى في استعادة مدينة القنيطرة الصورة المشرقة التي تُرى من الحرب. وتعامت تلك الأدبيات عن الخسائر على الجبهات الأخرى وعن الفشل في استعادة هضبة الجولان، المنطقة الأساسية التي تحتلها إسرائيل من الجغرافية السورية.

ولم تعد مؤسسة السينما وحدها هي المشرف على الإنتاج بعد الحرب. ودخلت قطاعات عامة أخرى، مثل التلفزيون السوري، وهيئة السينما في الجيش السوري[1]، على خط إنتاج الأفلام عن الحرب، منها فيلم “الاختراق” لغنّام غنام، و”القنيطرة 74″ لمحمد ملص.

في ظل إنتاج أفلام عن الحرب، قدّمت المؤسسة العامة للسينما فيلماً مختلفاً عن القضية الفلسطينية وهو فيلم “كفر قاسم” من إخراج اللبناني برهان علوية. وجرى تصنيف هذا الفيلم الذي تم إنتاجه بالاشتراك مع مؤسسة سينما لبنان كواحد من تحف السينما العربية التي تناولت قضية فلسطين. وناقش الفيلم مذبحة “كفر قاسم” التي نفّذها حرس الحدود الإسرائيلي ضد أكثر من 50 مدنياً فلسطينياً. وكان من ميّزات الفيلم لعبه لدور توثيق الذاكرة من خلال السينما الروائية. ونال الفيلم حينها التاينت الذهبي في مهرجان قرطاج السينمائي سنة 1974.

هزيمة يونيو 1967، والتي سمّيت بـ “النكسة”، حضرت بتداعياتها في عدة أفلام من إنتاج المؤسسة العامة للسينما خلال عقد السبعينات، سواء بطريقة مباشرة واضحة أو كخلفية للفيلم. وأوضح حضور لها كان في فيلم “الاتجاه المعاكس” للمخرج مروان حدّاد، المنتج سنة 1975. ويرصد هذا الفيلم نماذج مختلفة في التعاطي مع الهزيمة، من الانكسار الكامل واللاجدوى، إلى الإصرار والثبات ومحاولة التغيير. بينما نجد حضور الهزيمة ذاتها في فيلم “الأحمر والأبيض والأسود” المنتج سنة 1977 للمخرج بشير صافية، في خلفية الحدث من شخصية فلسطينية نازحة. كما ظهر طقس الانكسار العام لدى الجميع من سوريين وفلسطينيين في مرحلة ما بين الهزيمة وحرب أكتوبر. وفي العام نفسه، أنتجت المؤسسة فيلم “الأبطال يولدون مرتين” للمخرج صلاح دهني[2]. ويروي الفيلم معاناة فلسطينيي الداخل مع الاحتلال بعد النكسة، باثاً رسالة الأمل مع الأجيال الجديدة. وتحضر هذه الرسالة من خلال شخصية طفل يرتبط بعلاقة متينة مع جدّه، الذي من المفترض أنه يمثل الماضي والذاكرة.

القضية الفلسطينية: خلفية للفيلم

القضية الفلسطينية السينما السورية

صورة تم التقاطها يوم ٦ ديسمبر ٢٠١٣ للمخرج السوري محمد ملص مع الممثلة اللبنانية كارمن لبّس أثناء وصولهما إلى لحضور حفل افتتاح مهرجان دبي السينمائي الدولي. المصدر: MARWAN NAAMANI / WAM / AFP.ابتعدت السينما السورية نسبياً خلال عقدي الثمانينات والتسعينات، عن التناول المباشر للقضية الفلسطينية. وبات الصراع العربي الإسرائيلي حاضراً بطريقة أكثر عمقاً وفنيّة مع تطوّر أدوات المخرجين واتساع اطّلاعهم على طرق توظيف القضايا السياسية والوطنية ضمن الفيلم السينمائي. وإثر ذلك، خرجت أفلامٌ عديدة كان أولها فيلم “حادثة النصف متر” المنتج سنة 1981، للمخرج سمير ذكرى. وحضرت فلسطين في هذا الفيلم من خلال زيارات بطل الفيلم لمخيم للاجئين الفلسطينيين، ومن خلال ارتباط الحياة العامة في سوريا بالقضية الفلسطينية وفق ما يرويه الفيلم بشكل غير مباشر. هذا الأسلوب تجسّد في أفلام أخرى لرواد السينما السورية في تلك الفترة، ومنهم المخرج محمد ملص. وقدّم ملص خلال عقدي الثمانينات والتسعينات فيلمي “أحلام المدينة” و”الليل” اللذين حضرت فيهما فلسطين بطرق مختلفة. ويحكي فيلم “أحلام المدينة“، المنتج سنة 1984، قصةً تدور أحداثها في عقد الخمسينات في سوريا، وتظهر فلسطين فيها كمؤثر أساسي في الأحداث السياسية التي تجري. وتبدو القضية الفلسطينية بشكلٍ أوضح في فيلم “الليل” الذي قدمه ملص سنة 1992. ونرى تماهياً سورياً فلسطينياً في هذا الفيلم، من خلال مقاتلين سوريين يذهبون للدفاع عن فلسطين، ويعودون منكسرين بعد احتلالها.

وبصورة مماثلة لما عليه الحال في أفلام محمد ملص، فقد حضرت القضية الفلسطينية في أفلام غالبية صناع السينما في سوريا في تلك الفترة، مثل ريمون بطرس، وغسان شميط، وعبد اللطيف عبد الحميد. وتفاوت مدى أثر هذه القضية على قصة الفيلم أو طريقة عبورها. ففي أفلام مثل “ليالي ابن آوى” و”رسائل شفهية” و”قمران وزيتونة“، وهي من الأفلام التي نالت شهرة كبيرة في سوريا، مرّر عبد اللطيف عبد الحميد القضية الفلسطينية فيها، من خلال ارتباط سكان المناطق الريفية الساحلية بأخبار فلسطين عن طريق الراديو، وشتائمهم المتكررة لإسرائيل، وربط معظم خيباتهم وانكساراتهم بها.

فلسطين في سينما اليوم

القضية الفلسطينية السينما السورية

صورة تم التقاطها يوم ٢٩ ديسمبر ٢٠١٠ بقرية حومين اللبنانية للمخرج السوري باسل الخطيب وهو يتحدث مع ممثلين لبنانيين أثناء تصوير مسلسل الغالبون والذي مول تصويره المركز اللبناني الدولي وقناة المنار التابعة لحزب الله. المصدر: ANWAR AMRO / AFP.اختلفت طبيعة الإنتاج السينمائي في سوريا اختلافاً واضحاً بعد عام 2011. وتوجّهت كلّ الجهود نحو الخروج بأفلام دعائية، بموضوعات عسكرية بالدرجة الأولى. وتدعم هذه الأفلام النظام السوري في معاركه على الجغرافية السورية، وتسوّق لروايته عمّا يجري في سوريا بطريقة مباشرة في معظم الأحيان. وأدى هذا الأمر إلى تغييب القضية الفلسطينية عن السينما بشكل جزئي، وجعل حضورها مرهوناً بخدمتها لموضوعات الأفلام. وبكلماتٍ أخرى، فقد حضرت القضية الفلسطينية أحياناً من باب ربط ما يجري في سوريا بما يجري في فلسطين، واعتبار العدو هناك هو العدو هنا، وإن بوجه مختلف.

وفي هذا السياق، تظهر شخصية مسن فلسطيني بصورةٍ مفاجئة في فيلم “لآخر العمر” من إنتاج سنة 2020 للمخرج باسل الخطيب. ويحاول الفيلم خلق حالة من التماهي بين قضيتي البلدين، من خلال تصوير المقاتل المعارض للنظام السوري على أنه إرهابي سلفي جهادي، وفي الوقت ذاته صهيوني مدعوم من الغرب. هذا ما عمد إليه المخرج ذاته منذ أول أفلامه بعد بداية الحراك في سوريا، وهو فيلم “مريم” المنتج سنة 2012. ويرمّز هذا الفيلم بطريقة غير مباشرة لربط الأحداث زمنياً ومكانياً ببعضها بين سوريا وفلسطين؛ فلسطين التي ستتحول في السينما السوري بطريقة واضحة، إلى قضية قابلة للاستثمار الثقافي والفني، بما يخدم رسائل الأفلام، وهو بلا شك كان جزءاً أساسياً من مبرر حضورها في السينما السورية تاريخياً، وربما في السينما العربية ككل.

 

[1]  بشار إبراهيم، فلسطين في السينما العربية، وزارة الثقافة السورية، المؤسسة العامة للسينما، دمشق، 2005.

[2]  جان ألكسان، السينما في الوطن العربي، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1982.

[3] كمال رمزي ومؤلفون آخرون، الهوية القومية في السينما العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1986.

[4] بشار إبراهيم – مرجع سابق

[5] جان ألكسان – مرجع سابق