تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

الأمير كوديا أول نبي في التاريخ

الأمير كوديا
صورة تم التقاطها يوم ١١ نوفمبر ٢٠١٧ لتمثال كوديا، أمير مملكة لكش المستقلة في الالفية الثالثة ما قبل الميلاد، وذلك على هامش افتتاح متحف اللوفر أبو ظبي في جزيرة السعديات بالعاصمة الإماراتية. المصدر: KARIM SAHIB / AFP.

يوسف شرقاوي

يعرف العراق على نطاقٍ واسع بكونه أحد المناطق التي أسست للملاحم الأسطورية وللديانات. ولا عجب أن يقدّم لنا هذا البلد الزاخر بالحضارات أول نبي وأول معبد مقدّس في التاريخ المدوّن، معبد الإينينو الذي بناه الأمير، النبي، كوديا.

الأمير كوديا السومري عاش في عصر الانبعاث، ورأى الإله في مناماته، يطلب منه ويحكي معه ويأمره ويوحي إليه. بذلك كانت تجربة الوحي في التاريخ المُدوَّن موغلة في قدمها، قبل قرابة خمسة آلاف عام. وكوديا أيضاً بنى أوّل معبد مُقدَّس في التاريخ المُدوَّن، تنفيذاً لأمر الإله الذي رآه.

كانت سلالة لكش الثانية من السلالات السومرية التي حكمت أثناء الاحتلال الكوتي، إذ لم يعم الاحتلال البلاد كلها. ويُعد الأمير كوديا من ملوك عصر الانبعاث السومري الجديد الذي أعقب حكم الأكاديين في أواخر الألف الثالثة قبل الميلاد، وهو الملك الثاني عشر للسلالة، حكم بين ٢١٤٤ و٢١٢٤ قبل الميلاد.

هذا الملك كان يحمل لقب “أنسي”، وتعني الكلمة في السومرية: الأمير. كما أنّ اسمه يعني في السومرية “الرسول أو المُنادى” (من قبل الإله)، أو “الموحى إليه”، أي “النبي”، الذي ينزل عليه الوحي، حيث ذكر ضمن كتابة له مدونة على أحد تماثيله أنّ الإله الرئيس لمدينة لكش والمدعو ننكرسو قد اختاره من بين 216000 رجلاً. وعدّ نفسه، كما عدّه الشعب آنذاك، على أنه إله مدينة لكش.

يقول بعض الباحثين إنّ اسمه دخل إلى اللغة العربية في صيغة “جاد/ يجود”، أي “أعطى/ يعطي”، و”غودا” تحوّلت إلى اسم الإله في اللغات الأخرى. هو “الرسول” الذي أرسله الله للبشر ليهديهم إلى طريق الخير. بذلك يكون كوديا كما استشفّ الباحثون أولَ نبيٍّ مُرسل في التاريخ، جاد به الله على البشر، وترك كتباً محفوظة وليس كلاماً منقولاً.

كانت فكرة ترائي الله للبشر في الحلم ظاهرة معروفة في منطقة الهلال الخصيب، حيث يرد في ملحمة الملك “كريت” من نصوص أوغاريت أنّ الله يتراءى له في الحلم ويبشره بذريّة كبيرة. وبنص الصورة، تراءى الإله لكوديا في الحلم وتكلم معه وكان يطلب منه بناء المعابد.

إنّ التجربة الروحية الكبيرة التي عاشها كوديا وتركها لنا في الكتابات المسمارية جعلت عدداً من الباحثين يعدّونه أول نبي مرسل في التاريخ، والحلم الذي تركه في الكتابات حيث يطلب منه الإله فيه بناء معبد، جعلهم يقولون إنّ المعبد هو أول بيت مُقدَّس بُني في التاريخ، أو أقدم بيت لله في التاريخ المُدوَّن.

كما أنّ دراسة الكتابات المسمارية التي تركها تسفر عن أشياء أخرى كثيرة، حيث يشير كوديا في إحداها إلى أنه ابن الإله “ننكش زيدا” أحد آلهة مدينة لكش. وذكر في أخرى أنه قد زار معبد الإلهة “كاتوم دوك”، التي يعني اسمها في السومرية “التي تجلب الحليب الطيب”.

قدّم كوديا الصلاة عند تمثالها بعد أن تكلّم إليها بقوله: “لا أملك أماً أنت أمي، لا أملك أباً أنت أبي، لقد استقبلت بذرتي وولدتني بكل قدسية”.

إذن، إنّ الأمير كوديا تولّد من أبوين كلٌّ منهما كان يمثّل دور إله، ومثل هذا التأكيد يشير إلى أنّ كوديا قد وُلِد عن طقس الزواج المقدّس. هو طقس كان تجسيداً للزواج الإلهي، يتم بين كاهنة من الدرجة العليا تقوم فيه بتمثيل دور إلهة الخصوبة، وبين كاهن يقوم بتمثيل دور إله الخصب. لذلك، فإنّ ادّعاء كوديا بأنّ أمه الإلهة كاتوم دوك وأباه الإله ننكش زيدا ينسجم تماماً مع قوله في كتابته أنه إله مدينة لكش، وأن “ننكرسو” اختاره ليكون خلفاً للأمير “أوربابا”، كي يتسلّم الحكم من بعده.

ترك لنا الأمير أقدم حلمٍ مدونٍ في التاريخ، قصّه هو بنفسه على كتبته فدوّنوه على اللوح. استعان بالإلهة “نانشه” من أجل تفسيره، فسافر إليها. توجه إلى تمثالها وقدّم صلاته، (قيل في مكانٍ آخر إنها سيّدة دعاها كوديا بالسيدة التي تفسر الأحلام، قد تكون كاهنة معبد نانشه). قال كوديا: “أيتها الإلهة نانشه إنّ كلماتك ثابتة وتتفوّق على كل شيء، أنت مفسرة أحلام الآلهة، أنت الأم التي تفسر الأحلام. لقد رأيت في حلمي رجلاً كبيراً كبر السماء والأرض، واستناداً إلى رأسه فقد كان إلهاً، وكلن يضطجع على كل من جانبه الأيمن والأيسر أسد، وأمرني أن أبني معبده، لكنني لم أتمكن من فهم رغبته تماماً. بعد ذلك بزغت لي الشمس من الأفق، كما رأيت امرأة شابة لم أتمكن من التعرف عليها، حيث كانت تلبس تاجاً على رأسها وتمسك بيدها قلماً للكتابة ولوحة معدنية مرسوم عليها نجوم السماء الجيدة. وفضلاً عن ذلك فقد رأيت بطلاً آخر يحمل بين يديه لوحة من حجر اللازورد، ومرسوم عليها مخطط للمعبد. وبعد ذلك وضع أمامي سلة العمل والقالب الخاص بصناعة الطابوق، وكانت إلى جانبه شجرة جميلة عليها عصافير تقضي وقتها بالزقزقة، وكان يقف إلى جانب مليكي (أي الإله ننكرسو) حمار يشغل نفسه بضرب الأرض برجليه”.

انتهى كوديا من سرد حلمه، وأتاه الجواب من الإلهة نانشه: “إنّ الرجل الذي كان حجمه بحجم السماء والأرض، فهو أخي الإله ننكرسو وقد أمرك ببناء معبده الإينينو. والشمس التي بزغت لك من الأفق هي إلهك، الإله ننكش زيدا، والمرأة الشابة هي أختك الإلهة نيسابا، حيث كشفت لك طالع النجوم الجيدة والخاصة ببناء المعبد. والبطل الآخر الذي يحمل بيديه لوحة من حجر اللازورد مرسوم عليها مخطط المعبد، إنه الإله نندوبا، حيث قدم لك المخطط الذي يجب أن يكون عليه المعبد. وأما الشجرة الجميلة والعصافير عليها فهذا يعني أنّ عليك أن تبني المعبد في الليل والنهار، ويجب ألا يدخل النوم إلى عينيك طيلة مدة العمل. أما الحمار الواقف إلى جانب مليكك وهو يضرب الأرض برجليه فهو أنت، حيث عليك أن تعمل من أجل بناء المعبد بكل جد وصبر”.

نعرف مما تبقى من آثار عمرانية أنّ كوديا فعل ما أُمِر به وبنى معبد الإينينو، حسب المقاييس الإلهية التي تلقاها في الحلم.
بنى معبداً أو هيكلاً في مدينة لكش ثم في أور وأوروك.

لقّب كوديا نفسه “كوديا، صاحب الاسم الخالد، أمير لكش، الراعي المُنادى في القلب من قبل الإله ننكرسو، الذي نظرت إليه بإخلاص الآلهة نانشيه، الموهوب القوة من قبل الإله نندارا، الرجل الموهوب الحكمة من قبل الإله بابا، الطفل المولود من قبل الآلهة كاتوم دوك، البطولة الممنوحة صولجاناً كبيراً من قبل الإله ايك البما، الموهوب الحياة بغزارة من قبل الإله شول شاكا. رافعاً الرأس في المجلس (أي مجلس المواطنين) جعله الإله ننكس زيدا”. أما لقبه الاعتيادي والذي ظهر في معظم كتاباته فهو التالي: “كوديا، أمير لكش، الرجل الذي بنى معبد الإينينو للإله ننكرسو”.

له العديد من المنحوتات في متحف اللوفر ومتحف نيويورك وغيرهما، “نُحِتت أصابعه برشاقة متناهية وكأنها أصابع موسيقار، وقُّلِّمَت أظافره بشكل كلاسيكي أنيق، أما تشابك كفّيه فمن الصعوبة تقليدهما”، كما يقول زهير صاحب في كتابه “أسطورة الزمن القريب”.

المصادر

١. تشابمان، أنجيلا “كوديا والآلهة: تقاطع السياسة مع النبوّة”، ستوديا أنكيتا ٦، رقم ١، ٢٠٠٨. رابط إلكتروني: https://scholarsarchive.byu.edu/studiaantiqua/vol6/iss1/9.

٢. رشيد، فوزي. الأمير كوديا، دار الحرية، بغداد، ١٩٩٤.
المصدر: https://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=lbb93583-53847&search=books
٣_ باقر، طه. مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة. دار الوراق، ٢٠٠٩.
المصدر: https://www.goodreads.com/ar/book/show/11199884
٤_ الناصري، صباح. من تاريخ النحت العراقي، تماثيل غوديا أمير لغش. موقع المِلوَنة، ٦ / ٧ / ٢٠١٨.

ملاحظة

الأفكار الواردة في هذه التدوينة هي آراء المدوّن الخاص بنا ولا تعبّر بالضرورة عن آراء أو وجهات نظر فنك أو مجلس تحريرها.