تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
ابحث في fanack.com
Please enter search keyword.

المنازل العراقيّة التّقليديّة ذات الفناء، تراث ثقافيّ خلّاب

المنازل العراقيّة التّقليديّة
تظهر هذه الصورة منظر لشرفات المباني القديمة على امتداد شارع الرشيد وسط العاصمة العراقية بغداد. يعتبر شارع الرشيد من أقدم وأشهر شوارع العاصمة العراقية حيث ما زالت المباني التاريخية القديمة قائمة. احمد الربيعي / وكالة الصحافة الفرنسية

كميل-جان حلو

للعراق إرث معماريّ غنيّ يمتدّ على آلاف السّنين، فقد شُيّدت فيها أوائل العمارات الطّويلة الأمد  وذلك خلال العصر الّذي عاشت فيه شعوب ما بين النّهرين، في الألفيّة العاشرة قبل الميلاد. إذ برعت الحضارات المتميّزة والمتعدّدة على مرّ العصور في احتلال المنطقة بالعمارة بالحجارة وإنتاج الطّوب. وقد شيّدوا مدافن ومباني عالية، معروفة بالزّقورات (وهي سَلَف الأهرامات)، كما أنّ البقايا الأثريّة لمدنهم تُظهِر عن بوادر تنظيم مدنيّ.

أصبحت البلاد، منذ القرن السّادس ميلاديّ، منزلًا لبعض أهمّ الأمثلة للعمارة الإسلاميّة التّقليديّة. فقد ازدهر الفنّ والثّقافة في العصر الأمويّ (661 – 750)، والعصر العبّاسيّ (750 – 1258)، وأوائل العصر العثمانيّ (1534 – 1704)، بالإضافة إلى حدوث تطوّر سريع في مجال العلوم. ولقد شكّلت هذه العوامل عناصر أساسيّة في تطوّر العمارة المتقدّمة والتّقنيّات الحرفيّة.

المنازل العراقيّة التّقليديّة
مسجد الإمام علي في وسط مدينة النجف العراقية. حيدر حمداني / وكالة الصحافة الفرنسية

بعد أن كانت مقسّمة سابقًا إلى أربع مقاطعات عثمانيّة، فالعراق قد استمتعت بفترة وجيزة من الاتّحاد والاستقلاليّة النّسبيّة بين عامَي 1704 و1831، وذلك قبل أن تنقسم مجدّدًا إلى ثلاثة أقسام إلى حين استحواذ الامبراطوريّة البريطانيّة عليها عام 1920. وبعد اثنتَي عشرة سنة، حازت البلاد أخيرًا على استقلالها، بعد أن خرجت مُنهَكة من الصّراع والحكم الأجنبيّ. سبّبت هذه الفترة الانتقاليّة، المَشوبة بالاضطرابات، انحدارًا في الإنتاج الهندسيّ للمنطقة عمومًا، وسقطت الأساليب التّقليديّة بفعل الوسائل المعيشيّة المتواضعة والتّأثيرات الأجنبيّة المفروضة.

فالعراق عانت كثيرًا لتحدّد هويّتها الثّقافيّة في العقود الأولى من تحقيق استقلالها. ولقد اتُّهم الفنّ والهندسة المحلّيَّين بالانقياد وراء آراء الغرب حول ثقافتهما، وبانشغالهما بسطحيّات الاستشراق؛ وتلك شكوى نمطيّة في دول ما بعد الإستعمار.

وعندما اغتنت العراق بأموال النّفط في خمسينات القرن العشرين، سعت نحو استيراد التّأثيرات الغربيّة، وذلك بالتّعاقد مع أهمّ المهندسين العالميّين، كوالتر غروبيوس، ولو كوربوزييه، وفرانك لويد رايت، لإنجاز مشاريع مهمّة متعدّدة.

وبعد سقوط الحكم الملكيّ عام 1958، استثمر صدّام حسين في البنى التّحتيّة والمباني الحكوميّة، لكن نادرًا ما يزدهر الفنّ في ظلّ الدّكتاتوريّة، لذالك فمن غير المفاجئ أن تكون الهندسة في هذه الفترة ضئيلة وغير ملحوظة.

لقد عانت العراق في العشرين سنة الماضية لتحافظ على السّلام ضمن حدودها، وكنتيجة لذلك تميّز الإنتاج الهندسيّ الحاليّ بالنّفعيّة والتّوفير.

كما أنّها خسرت الكثير من إرثها المعماريّ التّاريخيّ عبر سنوات من الصّراعات والاضطرابات. وبَيْد أنّ مساعي التّرميم ضئيلة ومتفرّقة، ما زال أمامنا الكثير لنكتشفه حول الحكمة المتراكمة عبر العصور، الّتي سجّلتها أجيال من المعماريّين من خلال بدائع العمارات العظيمة.

ومنها على وجه الخصوص، المنزل التّقليديّ ذو الفناء (القرن الثّامن حتّى الثّامن عشر) الّذي يشكّل تقريرًا قاطعًا عن التّصميم الحيّزيّ المفصّل خصّيصًا ليتلاءم مع طريقة عيش السّكّان، وهذه مهارة  أضحت شبه مفقودة في العمارة المبتذلة في أيّامنا هذه.

تعود أولى المنازل ذات الفناء إلى حضارة ما بين النّهرين، منذ أوائل الألفيّة الثّالثة. ونعتقد أنّ هذا التّشكيل المبدع للمساحات ألهمته طريقة نصب البدو الرُّحَّل خيامهم كحلقة مانعة حول قطعانهم. إذ خضع المنزل التّقليديّ ذو الفناء لتحوّلات متعدّدة قبل بزوغ الإسلام وبعده. وعلى مدى أجيال، تطوّر ليتلاءم مع عادات ساكنيه ومعتقداتهم، إلى أن اتّخذ شكل المنزل ذي الفناء النّموذجيّ المتعارف عليه والمحبوب.

قبل كلّ شيء، إنَّ المنزل العراقيّ ذو الفناء مثال للتّواضع ، فهو لا يتعدّى الطّابقين إلى الثّلاثة طوابق ارتفاعًا كحدّ أقصى. وعادة ما تكون الطّوابق الأرضيّة خالية من الشّبابيك، أمّا الشّبابيك في الطّوابق العليا فتكون مصفوفة بطريقة لا تنتهك خصوصيّة الجيران. يبدو أنّ إحدى القيم الأساسيّة المميِّزة للشّعوب الّتي بَنَت هذه المنازل كانت الإمتناع عن التّباهي بثرواتهم، وينعكس ذلك بالجدران الخارجيّة الخالية من التّلوين والزّخرفة الّتي تحجب المنزل عن أعين المارّة. غالبًا ما يتألّف المدخل من باب خشبيّ بسيط (مُعزَّز بصفائح حديديّة مخفيّة) ينفتح على فناء من خلال ممرّ صغير ومتواضع (مصمَّم على شكل “ل” ليعزل أعين المارّة عن داخل المنزل كلّما فتح أحدهم الباب ليدخل أو يخرج).

المنازل العراقيّة التّقليديّة
يعتبر شارع الرشيد من أقدم وأشهر شوارع العاصمة العراقية حيث ما زالت المباني التاريخية القديمة قائمة. احمد الربيعي / وكالة الصحافة الفرنسية

الوظائف المختلفة للمنزل موزّعة حول فناء (مساحة مشتركة متعدّدة الاستخدامات، مخصَّصة حصريًّا للعائلة). غير أنّ ثقافة حسن الضّيافة تستدعي وجود غرف للضّيوف، لكنّ الخصوصيّة تأتي بالدّرجة الأولى، لذلك غالبًا ما يكون لغرف الضّيوف فناء خاصّ بها، بالإضافة إلى انعزالها عمّا تبقّى من المنزل.

كذلك، أخذ تصميم هذا المبنى في الاعتبار، مبدأ الفصل بين الجنسين، بحيث يمكن للنّساء الاعتكاف إلى أعمق الأجزاء الدّاخليّة من المنزل، إلى حيث لا يُسمَح إلّا لهنّ ولأقرب أقربائهنّ الذّكور بالدّخول. ويمكنهنّ مراقبة ما يحدث في الجزء الرّئيسيّ من المنزل، من مواقع مراقبة مختلفة (وراء غرابيل من الخشب المعشَّق أو المشربيّات)،  دون أن يراهم الزّوّار أو أفراد العائلة الممتدّة (مستفيدات بذلك من رفاهيّة خلع الحجاب دون تعريض التزامهنّ بالتّقاليد الدّينيّة للخطر).

نُظِّم المنزل ذو الفناء بطريقة تراتبيّة تفريعيّة، بحيث تصبح الفسحات أكثر خصوصيّة تدريجيًّا كلّما دخلنا أكثر إلى عمق المنزل. وهذا ضروريّ لمنح السّكّان نوعًا من الخصوصيّة والاستقلاليّة على الرّغم من العيش ضمن عائلة كبيرة متعدّدة الأجيال، وتشارك بعض المساحات في ما بينهم.

تعمل العناصر الهندسيّة المختلفة للمنزل كمنظِّمات للخصوصيّة. وتصميم هذا المنزل مطاوع لحاجات سكّانه وظروفهم، سامحًا لهم بضبط معايير تفاعلهم مع العائلة والعالم الخارجيّ بحسب مكان حدوثه (نسبة الخصوصيّة، مجال الرّؤية، المخالطة، والتّراتبيّة الاجتماعيّة، إلخ.).

غالبًا ما تتضمّن المنازل التّقليديّة ذات الفناء مساحة أو أكثر تحت الأرض، تمتدّ على وسع المبنى، كجزء من نظام تهوية سلبيّ وتحكُّم مُتقَن ومدروس بالحرارة. وأثناء اتّخاذ القرار بشأن موقع الغرف، يُؤخذ في الإعتبار اتّجاه أشعّة الشّمس الموسميّة وتيّارات الهواء السّائدة، وذلك لتوظيف الظّواهر الطّبيعيّة لصالح السّكّان. أمّا بفضل التّنظيم الذّكيّ للتّراكيب المُظلِّلة، فلا يمكن لأشعّة الشّمس أن تصل إلى شبابيك الفناء إلّا في أشهر الشّتاء، حين تكون حرارتها مفيدة ومرغوبة. إضافة إلى ذلك، يخلق الهواء السّاخن المتصاعد، من الطّوابق العلويّة المكشوفة، ضغطًا هوائيًّا سلبيًّا يُخلي هواء المطابخ والحمّامات مباشرة، دون مروره عبر بقيّة أرجاء المنزل. في فصل الصّيف، تحدث عمليّة مماثلة تسحب الهواء البارد من الأقباء وتوزّعه في أنحاء الطّوابق العلويّة. واليوم يمكن إيجاد أنظمة كهذه ، في أكثر المباني الخضراء تطوّرًا وحداثة، ومع ذلك ها هي، مضمَّنة تلقائيًّا في تصاميم منازل شُيّدت منذ آلاف السّنين.

وبسبب الأهمّيّة الثّقافيّة والعمليّة للفناء، كان من الضّروريّ جعله مكانًا مريحًا، وتلك مهمّة صعبة إذا أخذنا في الاعتبار قيظ الصّيف العراقيّ. لذلك أدخل المعماريّون نافورات مقترنة بتراكيب مظلِّلة موزّعة في مواقع استراتيجيّة لتبريد المساحة الخارجيّة. كما أنّهم غطّوا الجدران بالياسمين والنّعناع، وأحاطوا المكان بشجر اللّيمون الحامض. ولقد اختاروا العناصر الزّراعيّة لفوائدها في مكافحة الحشرات والآفات، وليس فقط لجماليّتها. في الجانب الشّماليّ من الفناء الرّئيسيّ الّذي يتمتّع بالهواء العليل حتّى في أيّام الصّيف، غالبًا ما خطّط المعماريّون لتأمين مساحة استجماميّة مسقوفة تقع على منصّة مرتفعة، تُعرَف بالإيوان.

وعلى عكس المظهر الخارجيّ العاديّ للمبنى، كان داخله مزيّن بامتياز بواسطة المحفورات الخشبيّة وشغل الحجارة المُتقَن. زُيِّن بلاط الأرضيّة بأشكال هندسيّة، وصُفَّ ليشبه سجّادة شرقيّة واسعة لا محدودة. أمّا الأسقف فتشكّلت من ألواح خشبيّة مزخرفة ثُبِّتت على أطرافها عناصر متماثلة من الخطّ العربيّ مطليّة بالذّهب، وأنماط هندسيّة غير متواصلة تشكّل نسقًا زهريًّا.

المنازل العراقيّة التّقليديّة
قصر العباسي في حي الميدان، بغداد. صباح عرار / وكالة الصحافة الفرنسية

تتطوّر الهندسة مع الأزمنة، وتتأثّر بشكل كبير بالظّروف الاجتماعيّة-الاقتصاديّة، لكن عادة ما تتجاهل الحاجات الثّقافيّة لمستخدميها. نتجت عن الأزمة الاقتصاديّة حلول نفعيّة لا تحترم الفرديّة، وغالبًا ما تتأثّر بقيم الوضوح والأدنويّة الغربيّة. إنّ المنازل الحديثة المنفصلة والمباني السّكنيّة القليلة الارتفاع، منقولة عن منازل غرب أوروبّا وشمال أميركا، غير المطواعة للمناخ المحلّيّ ولموادّ البناء المتوفّرة، إضافة إلى أنّ تصاميمها الدّاخليّة غريبة كلّيًّا عن الثّقافة العراقيّة.

من المهمّ أن ندرك أنّه على الرّغم من تغيُّر الهندسة في المنطقة بشكل ملحوظ في القرن الماضي، بقيت العادات المحلّيّة وطرق العيش متجذّرة بالتّقاليد والمعتقدات الدّينيّة. أمّا النّاس فما زالوا يكترثون للطّبقيّة الاجتماعيّة، ويبذلون قصارى جهدهم للحفاظ على مظهر متواضع أمام النّاس، ويسعون إلى تكريم الضّيوف، ويعطون أهمّيّة بالغة لاحترام خصوصيّة الجيران والضّيوف، كما أنّهم ما زالوا يعيشون ضمن وحدات أسريّة متعدّدة الأجيال مع العائلة الممتدّة أو على مقربة منها. وما زالت النّساء أيضًا ملتزمات بارتداء الحجاب في الأماكن العامّة. كلّ تلك الممارسات قائمة في العراق الحديثة، إنّما يصعب تنفيذها في منزل عاديّ عصريّ.

ساهمت العوامل الاجتماعيّة والدّينيّة والطّبيعيّة، على مرّ العصور، في تشكيل التّصميم الأمثل للمنازل المبتكر خصّيصًا لتحقيق تفضيلات الشّعب العراقيّ. إذ يوفّر هذا التّصميم بيئة مثاليّة لحياة عائليّة حميمة تتمتّع بخصوصيّة فائقة ومناخ داخليّ مريح، كما أنّه يشكّل أداة مناسبة لضبط التّفاعل مع العالم الخارجيّ. فاضمحلال المنازل التّقليديّة ذات الفناء يجسّد تردّيًا للهويّة الثّقافيّة في المنطقة. أخيرًا يمكن لمهندسي العصر الحديث تعلُّم الكثير بدراسة الأمثلة المعماريّة الضّئيلة المتبقّيّة.