تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
ابحث في fanack.com
Please enter search keyword.

السجون العراقية: أهوال خلف الأسوار

السجون العراقية
صورة تم التقاطها يوم ٢٥ مارس ٢٠١١ لامرأة عراقية وهي تحمل صور أقربائها المعتقلين في السجن، وذلك في مظاهرة نظمتها أربع مجموعات في ساحة التحرير بالعاصمة العراقية بغداد للمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين وللاحتجاج على الفساد والحكومة والتدخلات الأمريكية في العراق الذي مزقته الحرب. المصدر: AHMAD AL-RUBAYE / AFP.

علي العجيل

كان غياب العدالة السجنية في عهد صدام حسين السبب الرئيسي في وصول صيت العراق إلى أعلى المستويات خلال العقود الأخيرة من القرن الماضي. ويعود السبب في ذلك إلى استخدام صدّام وأبنائه ورجاله التعذيب بصورة منهجية لإنهاء كل انشقاق أو معارضة لحزبهم الحاكم.

ومع سقوط هذا النظام عقب غزو العراق عام 2003، توقع العراقيون أن تنتهي أعمال التعذيب في سجون بلادهم أو أن يتم الحد منها على أقلّ تقدير. بيد أنّ صرخات السجناء ما تزال على حالها حتى الآن ومن داخل السجون ذاتها التي بناها صدام، لكن مع صخب أقل هذه المرة، ورأي عام دولي غير مكترث.

وكان العراق قد سنّ القانون رقم (30) لعام 2008 بهدف تشريع انضمامه لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من أشكال المعاملات والعقوبات القاسية أو اللاإنسانية والمهينة. إلا أن هذا القانون ما زال حبراً على ورق، ولم يجد طريقه للتنفيذ على أرض الواقع إلى يومنا هذا.

العراق الذي لا يتغيّر

حصلت وسائل الإعلام في العراق على مساحة أوسع لتناول قضايا التعذيب في السجون. كما أن هذا الموضوع يحظى بمتابعة مستمرة من النشطاء والمنظمات الحقوقية المحلية والإقليمية والدولية. لكنّ ذلك لم يمنع بعض عناصر الأمن من إساءة معاملة السجناء وممارسة التعذيب بحقهم. ووصل الأمر ببعضهم إلى تصوير أنفسهم بمقاطع فيديو وهم يعذّبون الضحايا دون أي رادع يمنعهم عن القيام بذلك.

وبمرور الوقت، اتسعت مساحة عمليات التعذيب في السجون العراقية. وازداد تنفيذ هذا النوع من الانتهاكات في حقبة “المخبر السري” التي طبقتها حكومة نوري المالكي بين عامي 2006 و2014. ولم تتوقف انتهاكات “المخبر السرّي” إلا بعد إصدار مجلس الوزراء في عام 2013 لقرارٍ أنهى فيه تطبيق مثل هذا النوع من الممارسات. ويكمُن أحد أسباب تفاقم هذه العمليات في دمج وزارة العدل لمئات الأشخاص غير المؤهلين من الميليشيات المسلحة ضمن صفوف ضباط وموظفي وزارة الداخلية. وجاء ذلك في إطار خططٍ سبقت اجتياح تنظيم “الدولة الإسلامية” لمدن العراق عام 2014.

ولم تختلف طرق التعذيب في العراق الجديد عمّا كان عليه في عهد صدام حسين. وبحسب تقرير صادر عن منظمة العفو الدولية، فإن الممارسات التي يتم تنفيذها تشمل “عصب عيون المعتقلين وتجريدهم من ملابسهم وتعليقهم من أرسغتهم في أوضاع قاسية ملتوية لعدة ساعات في كل مرة”. كما تشمل الممارسات تعريض المعتقلين “للصعق الكهربائي في أعضائهم التناسلية وآذانهم وألسنتهم وأصابعهم؛ وللضرب على باطني القدمين (الفلقة)”. ومن الممارسات أيضاً “الجلد والضرب بعصي الخيزران والخراطيم والقضبان المعدنية”. ويلفت تقرير المنظمة إلى حرق المعتقلين بـ “السجائر وثقب أيديهم بالحفار الكهربائي، أو نزع أظافر أقدامهم أو أيديهم”. وزاد على ذلك النموذج الذي تركته القوات الأمريكية بفضيحة أبو غريب المعروفة وغيرها من الانتهاكات الأخرى.

وتجدر الإشارة إلى معاناة السجون من الاكتظاظ وقلّة موارد الحياة الأساسية وضعف الإمدادات الطبية. وأدى ذلك إلى إصابة عدد من النزلاء بأمراض مثل الجرب والحساسية والطفح الجلدي وغيرها.

الابتزاز

لا يقتصر ملف السجون في العراق على التعذيب الممنهج وسوء التغذية واكتظاظ الزنازين بالنزلاء وانتشار الأمراض بينهم فحسب، بل تمتد القضية لتصل إلى ابتزاز أهالي السجناء والمعتقلين.

أبرز أشكال الابتزاز يتمثل في تدوين أقوال السجناء أثناء التحقيق من غير تعذيب، وإذا لم يرضخوا لهذا الابتزاز فإن المعتقل يتعرض للتعذيب ليدلي باعترافات قد توصله إلى عقوبة الإعدام. كما تضطر بعض العوائل إلى دفع رشاوي من أجل لقاء أبنائها أو إدخال طعام وملابس إليهم، أو لضمان عدم تعريضهم للتعذيب وسوء المعاملة، أو بهدف وضعهم في زنازين نظيفة تتوفر فيها مصادر هواء وتكييف وحمامات صحية. وفي بعض المحافظات كمحافظة نينوى، تقوم بعض السجون بتأجير الزنازين المكيّفة فيها للمعتقلين الميسورين، مقابل مبالغ كبيرة.

وأبشع صور الابتزاز تلك التي تتعلق بالمعتقلين المرضى، إذ يبتز السجانون ذوي السجناء من أجل السماح لهم بإدخال أدوية وأطعمة للمعتقل، أو إحالته إلى مستشفى للعلاج.

من صور الابتزاز أيضاً عملية نقل السجين من مكان إلى آخر أفضل داخل نفس السجن. وتصل تكلفة عملية النقل الواحدة إلى 4 آلاف دولار. وعندما يتعلق الأمر بالسجناء المهمين، فإن التكلفة تتجاوز عشرات الآلاف من الدولارات.

تمييز طائفي

لعبت الطائفية دوراً رئيسياً في الأزمة العراقية في مرحلة ما بعد انهيار نظام صدام حسين. ووصل التمييز الطائفي إلى جميع مناحي الحياة تقريباً. وبطبيعة الحال، فقد كان للسجون نصيبٌ من هذا التمييز.

معظم الانتهاكات التي وردت في التقارير والدراسات السجنية التي تلقي الضوء على حياة السجون العراقية، اتفقت على وجود بيئة عزل طائفي داخل السجون العراقية. وأفاد تقريرٌ أعده مركز بغداد لحقوق الإنسان بوجود فصل للسجناء داخل السجون بحسب المكون، ووجود قاعات سجنية مخصصة للشيعة وأخرى للسنّة.

وتفيد إحصائية للانتهاكات بوقوع 39 ألفاً من الرجال والنساء وعوائلهم تحت التنكيل وسوء المعاملة بسبب طائفتهم السنية. في المقابل، فإن لدى بعض المعتقلين في سجون الشيعة هواتف ذكية حديثة، وأجهزة لابتوب، مع توفير شبكة واي فاي أيضاً. ووصل الأمر بالبعض إلى “التشيّع لخوفهم من سوء المعاملة بسبب طائفتهم”.

للمرأة ما للرجل وأكثر

طريقة التعامل مع النساء داخل السجون تكاد تكون موحّدة في العراق الجديد. ويجري اعتقال العديد من النساء بين الحين والآخر إما من أجل التحقيق معهن بخصوص أقارب مشتبه فيهم من الذكور، وإما بدعوى دعمهن للمسلحين، وليس بسبب جرائم يشتبه بأنهن أقدمن على ارتكابها.

وفي بداية حقبة الاحتلال الأمريكي للعراق، أدرك الجنود الأمريكيون حساسية المجتمع العراقي في الاقتراب من المرأة. وعمل هؤلاء الجنود على استغلال هذه النقطة للضغط على المسلحين من خلال اعتقال قريباتهنّ، وإرغامهم على تسليم أنفسهم في مقابل الإفراج عن النساء. وفي مرحلة ما بعد الاحتلال، ترسّخت هذه الطريقة وازدهرت عصابات خطف النساء في بغداد والمحافظات العراقية المختلفة، لأغراض مختلفة. وتتضمن قائمة الأغراض كلّاً من المتاجرة بالأعضاء، أو الاستغلال الجنسي، أو الابتزاز المالي للعائلة لإجبارها على دفع فدية في مقابل الإفراج عن النساء المختطفات.

ولم تفلت السجينات العراقيات من التعذيب والتعرض للضرب والركل والصفع والصعق بالصدمات الكهربائية. بل أن الأمر قد وصل إلى الاغتصاب أحياناً وتهديدها بالاعتداء الجنسي عليها أو على بناتها.

نفي حكومي وصمت مهين

تنفي الحكومة العراقية وجود انتهاكات جسيمة داخل السجون العراقية. وفي الوقت الذي يتم فيه إنكار وجود أيّ من حالات التعذيب أو الانتهاكات الإنسانية داخل السجون، فإنّ الحكومة العراقية تعترف بمعاناة السجون من الاكتظاظ وضعف الرعاية الطبية.

وعلى الرغم من وجود تقارير كثيرة سجلت مزاعم التعذيب، فإنّ السلطات تتجاهل هذه التقارير في كثير من الأحيان. كما أنها لم تتخذ سوى الحد الأدنى من الإجراءات اللازمة لتقديم المسؤولين عن أعمال العنف ولم تعاقب المتورطين إلا نادراً. ونتيجة لذلك ولانعدام الثقة والخوف من الانتقام، فقد أحجم العديد من المحتجزين عن الإبلاغ عن مثل هذه المعاملة.

وإلى يومنا هذا، لا يوجد هناك إحصاءٌ دقيق لعدد السجناء الذين يتعرضون للانتهاكات والتعنيف في سجون العراق. ومع ذلك، فإن جميع التقارير التي تكشف عنها الجمعيات الإنسانية، والمنظمات الحقوقية، والمسؤولين في الحكومة والبرلمان، تؤكد وبشدة استمرار هذه الانتهاكات، بل وزيادتها، مع اتهام وزارة العدل العراقية بتسهيل العنف داخل السجون نتيجة عدم متابعة أوضاعها الداخلية.

وعلى هذا النحو، يبقى حال السجين العراقي على حاله بعد 19 عاماً مرّت منذ الاحتلال الأمريكي للعراق وسقوط النظام الذي اتفق الجميع على وحشيته.