تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

ثقافة العراق

ثقافة العراق
موسيقيون أكراد عراقيون يعزفون أثناء مشاركتهم في مهرجان الخريف الثقافي السنوي في أربيل، عاصمة المنطقة الكردية المتمتعة بالحكم الذاتي في شمال العراق، في 5 نوفمبر / تشرين الثاني 2020.(Photo by SAFIN HAMED / AFP)

لطالما كان العراق مصدرَ إشعاع للثقافة والفنون والآداب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، نظراً للتنوع الذي حظيت به بلاد ما بين النهرين عبر التاريخ. فالثقافة العراقية وريثة تاريخ طويل من التنوع الحضاري، والعرقي، والديني، والمذهبي، واللغوي.

وعلى خلفية هذا التنازع بين الثقافات المختلفة، وبين لحمة النسيج الواحد، والتضاد الذي وصل إلى حد التصادم، في غالب الأحيان، تفجرت ينابيع الثقافة العراقية، واستحالت شرارتيهما خزائن ثرية من فنون العمارة والآداب والموسيقى والغناء، والحِرف، فضلاً عن علوم الطب والهندسة والفلك.

كان للنزاعات، أيضاً، كبير الأثر في محو جانب لا بأس به من تراث العراق الغني بالمتاحف والمدن التاريخية، خاصة في العقدين الأخيرين.

ولا يمكن النظر إلى الأدب العراقي المعاصر، إلا كنتاج لسيرورة حضارية طويلة ومتنوعة، اتسمت بالتجدد، والريادة في النزوع إلى الحداثة، مع الحفاظ على القوالب التقليدية دون أن يطرد قالبٌ قالباً، أو يغلب نظمٌ أدبي، على نظمٍ أدبي آخر، بل كان كل أدب ينتج أدباً موازياً؛ وخير مثال على ذلك، الحضور اللافت لمدرستين شعريتين تمثلتا في مدرسة محمد مهدي الجواهري، جنباً إلى جنب مع مدرسة بدر شاكر السياب، نازك الملائكة، وعبد الوهاب البياتي.

ولعلنا نلحظ ذلك أيضاً في الحركة الموسيقية الحافلة بالتنوع، والزاخرة بالاتجاهات الموسيقية المعاصرة دون عزلٍ للإرث الموسيقي الحضاري المتوارث. حيث الإيقاعات العربية الحديثة، والقوالب الكردية الشهيرة، والمقتبسات الغربية لموسيقى الجاز والبوب، جنباً إلى جنب مع الفلكلور الشعبي والمقامات الموسيقية الأصيلة الخفيف منها والثقيل.

وقد دأبت الفنون البصرية العراقية تاريخياً على تنويع أساليبها وتقنياتها، لتثري فنون الرسم والنحت، وتجعلها سبيلاً لتخليد حضارتها، وأداة من أدوات الانفتاح على العالم. وللفنانين العراقيين حضور قوي في العالم الثقافي في مختلف دول العالم، وتعرض صالات عرض في لندن وأمستردام ونيويورك الفن العراقي بانتظام.

وبعيداً عن جذور المسرح العراقي التي تعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد، تتجلى التجارب المعاصرة للمسرح العراقي في مجموعة من الأعمال التي تنضح بالهواجس الاجتماعية، في قوالب فلكلورية شعبية، ودينية مذهبية، إلى جانب بعض أنواع الكوميديا القاتمة الحالمة بتغيرات سياسية تضمن للعراقيين على اختلاف مذاهبهم وأعراقهم وتوجهاتهم السياسية حياة بعيدة عن الخوف والرعب.

وحقيقة الأمر لا يمكننا تناول الحركة الثقافة المعاصرة في العراق، دون التعرض لما واجهه روادها الفنانين والأدباء من بطش وعسف ومنفى، خلال عقدين ونصف تقريباً من حكم الرئيس الراحل صدّام حسين.

للمزيد حول ثقافة العراق، يرجى الاطلاع على ما تناولته فنك حول هذا الملف.

خزينة أثرية

 لعقود من الزمان، يُنظر إلى الصورة العامة للعراق على أنها بلاد القمع والعنف، مع أن بلاد ما بين النهرين/العراق كانت مركزاً لإحدى الحضارات الأولى في العالم. حيث اختراع وتطوير الكتابة والعجلات، وعلم الفلك، وتدوين الشرائع والرياضيات. فقد خلّفَ كل من السومريين والآشوريين والبابليين والفرس والعرب والأتراك آثاراً لوجودهم، مما جعل العراق كنزاً أثرياً لم يتم حصر معظم محتوياته بعد. وثمة عدد لا يحصى من الأبنية التاريخية – التي تم ترميمها في الأماكن الأثرية أو الدفينة – والتي تتمتع بجمال خالد. ومن هذه الآثار، تمكن المؤرخون وعلماء الآثار والأنثروبولوجيا من تشكيل صورة عن مجتمعات وجِدت في الماضي البعيد.

الأدب

لطالما اعتُبر العراق من أكثر الدول معرفة بالقراءة والكتابة في العالم العربي. وغالباً ما يُقال – ليس فقط في العراق – القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، وبغداد تقرأ. في عهد صدام حسين، لم يساعد استدعاء الروائيين والشعراء بانتظام لامتداح الزعيم على إغناء تقليد الكتابة الخاص بالعراق، إلا أن العديد من الشعراء والروائيين في المنفى رفعوا المكانة المرموقة للأدب العراقي.

عاش الشاعر محمد مهدي الجواهري (1899-1999)، والذي يعتبر واحداً من آخر الشعراء العرب التقليديين، في المنفى القسم الأكبر من شبابه،  وعاش بلند الحيدري (1926-1996)، والذي كان خصماً لصدام حسين لفترة طويلة، في لندن منذ عام 1982، حيث كان يعمل كناقد أدبي بينما كان يُعتبر من أفضل شعراء الأدب العربي الحديث على نطاق واسع. بينما كانت قصة حياة عبد الوهاب البياتي (1926-1999) قصة هروب ومنفى.

الموسيقى

ازدهرت ثقافة العراق الموسيقية  في معظم القرن العشرين. كانت هناك تقاليد فولكلورية وتقاليد شعبية مختلطة مع العديد من التأثيرات الخارجية، بما في ذلك الغربية، فضلاً عن الموسيقى الغربية البحتة، بما في ذلك الموسيقى الكلاسيكية وموسيقى الجاز والبوب.

المقام هو النوع الأكثر تميزاً في الموسيقى العراقية الأصلية، وهو شكل راق من الموسيقى يعتمد على مزيج خاص من الألحان، وتناغم وتسلسل الأجزاء والكلمات المغناة مع الآلات الموسيقية، وأسلوب غناء متأثر بشدة بأنماط الغناء الإيراني البديع. ويقوم بتأديته مطرب مع عدة عازفين. كان الغناء باللغة العربية شائعاً، كما غنى العديد من مطربي المقام المشهورين باللغة الكردية والتركية، وحتى باللغة العبرية والأرمينية والفارسية نتيجة الجذور المتنوعة للثقافة العراقية.

غادر العديد من الموسيقيين الشهيرين البلد في عهد صدام حسين، بمن فيهم مغنية المقام فريدة محمد علي وحسين الأدهمي والمغنية سيتا هاكوبيان (1950) ونجما الغناء كاظم الساهر (1957) وماجد المهندس (1971) وعازف العود البارع نصير شمة (1963).

منذ الاطاحة بصدام حسين توقفت الحياة الموسيقية بشكل كامل تقريباً. ليس فقط بسبب سوء الوضع الاقتصادي، وإنما أيضاً لكون الحياة العامة أصبحت غير آمنة، وأصبح الموسيقيون هدفاً للميليشيات.

حتى وقت قريب جداً، كانت أسماء مطربي المقام التقليديين المشهورين على لسان كل عراقي – مثل محمد القبنجي (89-1900) صاحب المقامات “الثقيلة”. وكان ناظم الغزالي (1921-1963)، صاحب النوع “الأخف” من المقامات، المغني العراقي الوحيد المشهور في العالم العربي، ويعتبر مواله “سمراء من قوم عيسى” عبارة عن نداء مؤثر للتسامح والتفاهم. أصبح المقام في الآونة الأخيرة تحت خطر الاختفاء التدريجي، ولذلك وضعته منظمة اليونيسكو على لائحة التراث الثقافي غير المادي. بالإضافة إلى المقام، كانت، ولا تزال، هناك مجموعة واسعة من الأنماط الموسيقية الأخرى. ولكل مجموعة عرقية تقاليدها الخاصة بها.

الموسيقى الكردية

في عهد نظام البعث وصدام حسين، تم قمع أشكال التعابير السياسية الثقافية عن الهوية الكردية بشكل منهجي. وهذا لم يمنع مطربين أكراد مثل تحسين طه ومحمد شيخو وأردوان زاخولي من التمتع بشعبية كبيرة بين السكان الأكراد. إلا أن جميعهم ماتوا، إما لأسباب طبيعية أو قتلهم النظام.

منذ سقوط صدام حسين، هناك حياة موسيقية مزدهرة في أربيل (بالكردية: ها‌ولێر) والسليمانية (بالكردية: سلێماني)، جزئياً بسبب عودة الموسيقيين الأكراد العراقيين الذين كانوا يعيشون سابقاً في الخارج. واليوم، ربما يكون شفان برفير أشهر المطربين الأكراد. وصرخته من أجل المساعدة (هاوار!) تم تأليفها خلال النزوح الجماعي للاجئين الأكراد في ربيع عام 1991، بعد الثورة الفاشلة ضد قوات صدام حسين المهزومة في الكويت. وتعتبر انعماساً مؤثراً للمأساة الإنسانية التي حدثت في الجبال خلال القتال.

الأعياد

يحدد الإسلام التقويم في العراق بشكل كبير. ومثل التقويم المسيحي الذي يقوم على السنة الشمسية، يشتمل التقويم الإسلامي على اثني عشر شهراً، إلا أنه مبني على السنة القمرية الأقصر بأحد عشر يوماً وعدة أيام. وهكذا تتقدّم الأعياد أحد عشر يوماً كل عام، وتعبر دورة الفصول في أكثر من ثلاثين عاماً بقليل.

أهم الأعياد في الإسلام هو “عيد الكبير” والمعروف أيضاً بعيد الأضحى. ويقع هذا العيد في اليوم العاشر من شهر ذي الحجة، وهو الشهر الذي يكون فيه الحج إلى مكة. يحتفل المسلمون في هذا العيد باليوم الذي أذن فيه لإبراهيم بذبح خروف بدلاً من ابنه إسماعيل. يذبح المسلمون في هذا العيد خروفاً أو أكثر، ويتم توزيع جزء من اللحم على المحتاجين.

خلال شهر رمضان، شهر الصيام، لا يسمح للمسلمين بالأكل والشرب بين شروق الشمس وغروبها (يعفى المرضى والنساء الحوامل والجنود في الجبهة من هذه الفريضة). وعندما يأتي شهر رمضان في الصيف، يكون الصيام شاقاً للغاية. وبعد غروب الشمس تقام الاحتفالات الكبيرة بالأكل والشرب حتى وقت متأخر من المساء. ينتهي شهر رمضان بعيد الفطر، حيث يتلقى الأطفال الهدايا.

يحتفل بعيد المولد النبوي في الثاني عشر من شهر ربيع الأول. ومنذ أوائل سبعينات القرن العشرين، أصدرت الحكومة العراقية، مثل غيرها من الحكومات العربية، طابعاً خاصاً لهذه المناسبة.

عيد عاشوراء

بالنسبة للشيعة، يعتبر يوم عاشوراء، العاشر من شهر الحداد “محرّم”، الأكثر أهمية في التقويم (عاشوراء تعني العاشر). حيث استشهد في ذلك اليوم الإمام حسين في معركة كربلاء. يلوم الشيعة أنفسهم على عدم تقديم الدعم له في ذلك الوقت. تسير مواكب كبيرة من الرجال عبر شوارع المدن، يجلدون أنفسهم كعلامة حداد. يصوّر مصير الإمام حسين وصحبه وإخوة السلاح بالتفصيل في عرض عاطفي، يثير مشاعر قوية بين الحاضرين. وللمسلمين يوم آخر لإحياء ذكرى الفقيد بعد فترة الحداد التي تستغرق أربعين يوماً. وهذا هو الحال بالنسبة للإمام حسين، حيث يحيي الشيعة “الأربعينية الحسينية” بعد أربعين يوماً من عاشوراء. في ذلك اليوم، يتدفق عشرات الآلاف من المؤمنين من العراقيين الشيعيين والحجاج القادمين من أجزاء أخرى من أنحاء العالم الشيعي، إلى مدينة كربلاء. وقبل عدة أيام، يسير العديد منهم بشكل جماعي من النجف إلى كربلاء (حوالي 75 كم).

ثقافة العراق
احتفالات عيد عاشوراء في بيجار غرب العراق، 6 كانون الأول/ديسمبر 2011 Photo HH/Eyevine

وفي النصف الثاني من سبعينات القرن العشرين، حظر النظام البعثي هذه الطرق للتعبير عن الهوية الشيعية، والتي غالباً ما كان يمكن أن تتحول إلى مسيرات سياسية مستترة. وبعد سقوط نظام صدام حسين، أعيد اعتبار الاحتفال العام بهذه التقاليد، إلا أنها تعطلت إلى حد كبير بتفجيرات في عدة مناسبات.

لمختلف الطوائف المسيحية – الكلدان الكاثوليك والنساطرة والسريان الأرثوذكس والسريان الكاثوليك وغيرهم – أعيادهم المقدسة، والتي تكون عادة متزامنة مع تلك التي في الغرب المسيحي، وأكثرها أهمية هو عيد الفصح.

عيد النيروز

بالإضافة إلى الأعياد الإسلامية، يحتفل جميع الأكراد، الذين معظمهم من المسلمين، بعيد النيروز (ويعني بالكردية “اليوم الجديد”، رأس السنة الكردية) وذلك في 21 آذار/مارس. أساس هذا العيد أسطورة ثورة الحدّاد “كاوه” ضد الطاغية “الضحاك”. عانى الضحاك من مرض في الدماغ، ووصف له الأطباء أكل أدمغة الأطفال لعلاجه. وهكذا قدّم كاوه العديد من أبنائه له، ولكن عندما طالب الضحاك بابنه الأخير، قرر كاوه قتل الضحاك. كان الاتفاق أنه في حال نجح كاوه في قتله، يقوم الأكراد بنقل الخبر السعيد عن طريق إشعال النار على قمم الجبال. وفي كل عام يقوم الأكراد في عيد النيروز، حتى الشتات منهم، بإشعال النار ويقوم الشبان بالقفز عبرها.

ثقافة العراق: احتفالات عيد النيروز في عقره في كردستان العراق
احتفالاات عيد النيروز في عقره في كردستان العراق Photo HH/Polaris

الأفلام

دائماً ما كانت صناعة الأفلام في العراق أقل تطوراً من تلك التي في مصر أو ايران. وبعد صعود صدام حسين إلى السلطة عام 1979، أصبح الوضع أكثر سوءً: كانت الأفلام التي تنتج مجرد دعائية. دعا صدام حسين بعض الأجانب لصناعة الأفلام، ومن بينهم صلاح أبو سيف المخرج المصري (1915-1996)، والذي أنتج فيلم “القادسية”، وهي ملحمة تدور حول انتصار العرب على الفرس عام 636 م. كما تم تصوير ملحمة “الأيام الطويلة” مدتها ست ساعات متواصلة عام 1980 عن صدام حسين نفسه، يُزعم أنها من تأليف تيرنس يونغ، ويحيي فيلم “المسألة الكبرى”، من إخراج العراقي محمد شكري جميل (1937) ذكرى ثورة عام 1920 ضد البريطانيين.
على الرغم من الرقابة البعثية الصارمة، كان من الممكن إنتاج الأفلام المستقلة في العراق. فقد تمكن فيصل الياسري من تصوير فيلم “القناص” عام 1981 وفيلم “الأميرة والنهر” عام 1982، كما أنشأ أول محطة تلفزيونية فضائية عراقية وكان رئيس تحرير قناة الجزيرة في بغداد لفترة من الزمن. ويبدو الآن أنه غادر عالم السينما تماماً.

أحد صناع السينما العراقية الجدد هو عدي رشيد (مواليد 1973). وهو مخرج أول فيلم روائي عراقي في مرحلة ما بعد الحرب، فيلم “غير صالح للعرض”، وهو فيلم وثائقي خيالي لمخرج شاب من بغداد يتحدث عن حياة أصدقائه وجيرانه في الأيام المضطربة في أعقاب الغزو الأمريكي. كتبت مجلة Variety Magazine أن عدي رشيد أخذ مصطلح “أفلام العصابات” إلى مستوى جديد كلياً. وكان الفيلم الروائي الثاني لرشيد هو “الكرنتينا”، والذي تدور أحداثه حول عائلة بغدادية مضطربة. وهو فيلم هادئ إلى حد كبير حول تأثير الحرب الطويلة على شعب العراق. حصل رشيد على عدة جوائز على فيلمه “غير صالح للعرض”، وهو يعيش معظم الوقت في برلين.

درس محمد الدراجي (1978) الإخراج المسرحي في بغداد، وفرّ إلى هولندا عام 1995، حيث تخصص كمصور سينمائي. وفي وقت لاحق، حصل على شهادة في التصوير السينمائي والإخراج من كلية The Northern Film School في بريطانيا.

يعتبر فيلم “أحلام” (بغداد، 2004) أحد أفلامه المميزة، والذي صوّره في العراق أثناء الحرب. تم اختطافه هو وثلاثة من أفراد طاقمه أثناء التصوير، إلا انه نجا من القتل من قبل المتمردين الذين اتهموه بتصوير فيلم دعائي للحكومة العراقية التي تدعمها الولايات المتحدة الأمريكية. وبعد نجاتهم، تم اختطافهم مجدداً من مستشفى من قبل مجموعة أخرى من المسلحين الذين انهالوا عليهم ضرباً ثم قاموا بتسليمه بعد ذلك إلى الجيش الأمريكي الذي احتجزهم لمدة ستة أيام في ظروف قاسية للاشتباه بتصويرهم هجمات تنظيم القاعدة. وأثار فيلمه التالي “ابن بابل” (2010) بعض الجدل في العراق، عندما اختار الدارجي، العربي، شخصيات رئيسية كردية. وأصدر عام 2011 فيلم “في أحضان أمي”، وهو فيلم يدور حول دار أيتام في بغداد يديرها شخص مثالي.

المسرح

كما هو الحال في أي مكان آخر من الشرق الأوسط، كان المسرح الشعبي المحلي منتشراً في مناطق كثيرة من العراق وبأشكال مختلفة، بما فيها مسرح العرائس والفرق المتنقلة التي تعرض “كوميديا الفن” والرقص الشعبي والكوميديين المتنقلين.

ثقافة العراق
ممثلات عراقيات يشاركن في مسرحية بعنوان “فتيات بغداد” على المسرح الوطني وسط بغداد، 7 كانون الثاني 2019. (Photo by AHMAD AL-RUBAYE / AFP)

في الوقت نفسه، كان المسرح بشكل دائم جزءً لا يتجزأ من حياة المجتمعات الشيعية على مستوى مختلف تماماً: المستوى الروحي. يتم تأدية مسرحية يوم عاشوراء الشيعية التقليدية، ذكرى مقتل الإمام حسين في معركة كربلاء عام 680 م، في جميع أنحاء العراق خلال شهر محرّم.

دخل ما قد يسمى بفن المسرح “الحديث” العراق في عهد الانتداب البريطاني. وكان يتضمن المسرح الكوميدي والملاهي والمسرحيات الموسيقية، بالإضافة إلى مسرح الفن الحديث غير التجاري. كانت تؤدى جميع أنواع المسرحيات، من الدراما الإغريقية إلى المسرحيات الغربية والأوروبية الشرقية والأمريكية والعربية المعاصرة.

اضطر العديد من الممثلين والمسرحيين والمخرجين والكتاب المسرحيين إلى الفرار من البلاد في عهد صدام حسين. على سبيل المثال، أسس المخرج والكاتب المسرحي جواد الأسدي (1947) مسرح بابل في بيروت، والذي لا يزال ينتج المسرحيات الجادة، بما في ذلك بعض مسرحياته الخاصة. ومن إحدى أعماله العديدة المثيرة للإعجاب “مسرح الدم العراقي” (2007).

استمرت بعض الشركات المسرحية بالعمل بعد تغير النظام. عام 2005، فازت مسرحية تهكم سياسي جريئة، تأدية نفس الممثلين الذين أسسوا المسرح الوطني العراقي، مرة أخرى بشعبية عالية في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي. تأسست بعض الشركات المسرحية الجديدة، مع أنها كانت على نطاق ضيق، لأن الوضع في بغداد لا يسمح بأداء العروض المسرحية أو الموسيقية أو الراقصة.

اضطر مهند رشيد (1985) إلى الفرار من العراق عام 2005 مع أعضاء آخرين من فرقة الرقص الخاصة به، بسبب الكراهية المتزايدة للفنانين من قبل مختلف المجموعات الدينية الأصولية في البلاد. تجوب الفرقة أوروبا والشرق الأوسط بنجاح. فاز رشيد عام 2010 بجائزة Dutch Dance Days Promising Choreographer Award وجائزة “البجعة” Swan Award لأفضل إنتاج عن عمله “الحداد” مع فرقة المسرح الهولندي للرقص العالمي.

عمل مخلد راسم (1981) كمخرج في المسرح الوطني في بغداد، ولكنه يعيش ويعمل في بلجيكا في السنوات الأخيرة. حصلت أولى مسرحياته الرئيسية “أشباح عراقيون” على المرتبة الأولى في بلجيكا عام 2010، ومنذ ذلك الوقت تم عرضها في جميع أنحاء العالم. تعالج هذه الكوميديا القاتمة التغيير السياسي والخوف الدائم والرعب يوماً بيوم، في حين تسخر من المفاهيم الغربية الخاطئة عن الحياة في العراق.

وهناك حياة مسرحية منتشرة في المحافظات الشمالية الهادئة نسبياً، والتي يسيطر عليها الأكراد.

الفنون

اشتهر الفن الإسلامي المبكر في العراق بالخطوط والمنمنمات، ولا يزال تراث هذه الفنون مستمراً. كان للإسلام الشيعي المتأصل في العراق هواجس أقل منالإسلام السني حول تصوير الجسم البشري. وتحمل الفنون البصرية الأخرى، مثل اللوحات المعاصرة، علامة استيرادها من الغرب خلال فترات الاستعمار وما بعد الاستعمار.

ثقافة العراق
المهندسة المعمارية العراقية البريطانية زها حديد تقف لالتقاط صور خارج تصميمها المكتمل مؤخرًا لتمديد معرض سربنتين ساكلر في لندن في 25 سبتمبر 2013. AFP PHOTO/Leon Neal

في عهد صدام حسين، كان الطريق الوحيد الآمن لعمل الفنانين هو رسم لوحات فنية لصدام أو إضافتها إلى المعالم الأثرية الوطنية. أصبح محمد غني حكمت (1929- 2011) معروفاً لنحته النصب التذكاري الضخم الذي كلفه به صدام حسين، والذي تم نصبه بمناسبة الانتصار المزعوم على إيران عام 1988، مع أن بناءه كان قبل انتهاء الحرب.

فضّل الكثير من الفنانين العيش في الخارج. وللعراقيين حضور قوي في العالم الثقافي في دول الخليج، وتعرض صالات عرض في لندن وأمستردام ونيويورك الفن العراقي بانتظام.

أحد الفنانين العراقيين الأكثر تأثيراً زها حديد (1950)، التي درست في بيروت وعملت في مكتب متروبوليتان للهندسة المعمارية. عام 2004 أصبحت أول امرأة تحصل على جائزة Pritzker للهندسة المعمارية، والتي تعادل جائزة نوبل للهندسة المعمارية.

من بين الفنانين المستقرين في هولندا: نديم كوفي (1962) وقاسم الساعدي(1949) وحليم الكريم (1963). حاز حليم على جائزة Jury Prize “لجنة التحكيم” للرسم في بينالي القاهرة الدولي عام 2001. وهاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، واليوم أعماله معروضة في كتالوج Saatchi. عاد رسام الكاريكاتير علي المندلاوي (1958) إلى كردستان، بعد فراره إلى هولندا.

قد تكون كردستان العراق ملاذاً آمناً للفنانين الآن، إلا أن القيود العديدة التي تفرضها السلطات الكردية تثبط هذا التطور. وبالتالي، يقسم العديد من الفنانين الأكراد، مثل عدالت كرمياني (1973) وشيركو عباس (1978)، أوقاتهم بين وطنهم وأوروبا.

منذ سقوط نظام صدام حسين، تطورت الخطوط العريضة للصراع الثقافي بين الإسلاميين والعلمانيين. يستخدم الإسلاميون سلطتهم التي تسلموها حديثاً لمقاومة التأثيرات العلمانية في المجتمع العراقي.

 

المسلسلات الكوميدية التلفزيونية

المسلسلات الكوميدية التلفزيونية شائعة في العراق. كان مسلسل رمضان “الحكو مات!” (على قناة الشرقية، 2006) يشاهد على الأرجح من قبل كل العراقيين تقريباً داخل وخارج البلاد. واسم المسلسل هو نكتة بحد ذاته: يظهر العنوان “الحكومات” أولاً على الشاشة، ولكن الكلمة تنقسم بعد ذلك إلى نصفين لينتج عنها عبارة عراقية عامية تعني “الحكو مات”. تم تصوير المسلسل في دبي لأسباب أمنية، ولكن كاتب السيناريو طالب السوداني لا يزال يعيش في بغداد.

كما أن هناك مسلسل آخر اسمه “كاريكاتير” (على الشرقية أيضاً) يسخر من أخبار اليوم. وقد أصبح واحداً من أكثر المسلسلات شعبية في العراق.

يبدو أن البرامج الترفيهية التلفزيونية في العراق الآن عمل أكثر خطورة مما كان عليه في ظل النظام السابق. يقول الممثل الكوميدي المشهور جاسم شرف “في ظل نظام صدام لم نكن نجرؤ على ذكر الله أو صدام أو عائلته أو حكومته. إلا أنه كان يُتغاضى عنا بشكل أو بآخر، أما اليوم قد ترسل مجرد زلة لسان بك إلى المشرحة بالتأكيد وليس إلى السجن”.

الثقافة العلمانية

منذ منتصف القرن الماضي، وبالإضافة إلى الثقافة الدينية، كان هناك حركة علمانية في الفنون. تدرّب هؤلاء الفنانون في أكاديميات الفنون في الغرب بشكل عام. وسعوا إلى مزج الفن العربي التقليدي – بتركيزه على الخط والزخارف الهندسية والصور المستمدة من الطبيعة وممانعته لتصوير جسم الإنسان – مع التيارات الحديثة في النحت والرسم الغربي. كما جرى تطوير مماثل في الأدب.

في سياق التأثر بالحساسيات بين الشيعة والأكراد، ركّز هؤلاء الفنانون على ما هو غريب في العراق، في تباين جزئي على الأقل للقومية العربيةالتي كانت التيار المسيطر لسنوات في المنطقة العربية، وخاصة السنّة الذين هم جزء الأمة. في الأسابيع الأولى التي سادتها الفوضى بعد سقوط نظام صدام حسين، تم نهب المتاحف التي تحتفظ بأعمال هؤلاء الفنانين، كما نهبت محتويات المكتبة الوطنية والأرشيف الوطني للعراق حيث كان يوجد 60% من المجموعات، والتي تتألف جزئياً من مخطوطات وكتب عمرها قرون، أو تعرضت للتلف بالماء أو الحرائق.

بدأ صراع ثقافي بالتطور بين الإسلاميين والعلمانيين. وقد يسعى الإسلاميون إلى قمع، أو ربما محاربة، التأثيرات العلمانية في المجتمع العراقي. وهذا
سيؤدي بهم إلى دخول صراع مع مختلف المجتمعات، بما في ذلك عالم الفن العراقي العلماني ذي الأغلبية الساحقة.

الرياضة

ثقافة العراق
لاعبي المنتخب العراقي لكرة القدم قبل المباراة الودية الدولية لكرة القدم بين العراق وسوريا في ملعب مدينة البصرة الرياضية في 20 مارس 2019.(Photo by Hussein FALEH / AFP)

اتحاد كرة القدم العراقي هو الهيئة الإدارية لكرة القدم في العراق، وهي الجهة المسيطرة على منتخب العراق لكرة القدم ودوري النخبة في العراق. وقد تأس الاتحاد في عام 1948م، وهو عضو في الفيفا منذ عام 1950م، وفي الاتحاد الآسيوي لكرة القدم منذ عام 1971م. وأشهر أندية كرة القدم في العراق هي نادي القوة الجوية، والشرطة، والزوراء.

كرة القدم هي الرياضة الأكثر شعبية في العراق. وحقق المنتخب العراقي انجازات عديدة من بينها تأهله لنهائيات كأس العالم 1986 في المكسيك وتتويجه بكأس آسيا 2007. وبلغ منتخب العراق لكرة القدم الدور النهائي لدورة الألعاب الآسيوية 2006 في الدوحة، كما حقق المنتخب العراقي الأولمبي المركز الرابع دورة الألعاب الأولمبية الصيفية لعام 2004م. في أكتوبر/تشرين أول 2020، حل المنتخب الوطني الإيراني في المرتبة 70 بحسب تصنيف الفيفا.

في هذه المقالة: العراق | الثقافة